العودة إلى ظل الموت



يسأل صالح دائمًا جدته عن الجنة! فتجاوبه: الجنة يا ولدي حديقة فيها من الألعاب ما شاء الله، ومن الشوكولاتة ما تتشهاه نفسك. يصرخ صالح: جدتي، هل يوجد نهرٌ من الشكولاتة؟ - نعم يا ولدي، إن أطعت الله فلك نبع من الشوكولاتة وقصر ممتلئ بالألعاب. يصبح صالحٌ صالحًا ليحصد الخيرات التي يحلم بها. يتخيل نفسه مع صديقيه، ماجد وأحمد، يعومون في الأنهار القراحة، و يلهون دون أن تتجاسر أمهاتهم على إرغامهم على النوم والاغتسال، عالم بلا قواعد ولا فروض قسرية، عالم تحكمه المتعة المفرطة والهذيان والاستمتاع الذي لن ينعقد. ثم يرى صالح نفسه وقد كبر على نبع الشكولاتة وقصر الألعاب، ويلاحظ أن من السخافة أن يتجاهل ملذات الحياة لأجل لعبة قطار! أو نهر من الشكولاتة!! أضحت تأملاته نحو الجنة أعلى..

زهراء منصور

يسأل أستاذه في مادة الدين عن حور العين وحسنهن، كم امرأة يستطيع الحصول عليها؟! كم مرة بمقدوره ممارسة الجنس في الجنة دون شرط، دون ملاحقة ولا شعور بالخطيئة؟ يرد عليه أستاذه: يوه... إذا أطعت اللهِ وتعاميت عن المحرمات فسيغدقك الله من كل ألوان إناث الدنيا متضاعفاً فيهّنً الشبق، ولن ينافرنك أو يتعالين عليك أو ينذرنك بالنقصان بل على العكس سيكون مأربهن إرضاؤك، وسيتنافسن في حبك. قبل النوم يتجاهل صالح توقه لممارسة العادة السرية ويستعيض عنها بالاستغفار والوضوء. هذا مع أنه ينام منتصبا، يفكر في نساء الجنة ويتخيل نفسه يجالسهن، ينتهي من هذه ويلامس تلك ويتشمم ريحة النهدين ويتحسس الجلد الطازج.. وهو يفكر في حور الجنة يقدف داخل ملابسه. فينتهي بالاغتسال والإحساس بالذنب ومحاولة التكفير عن الذنب بالصلاة والنوم. في عمر الثامنة والعشرين، يتجاوز صالح كل رغباته في الحياة؛ فالجنة تمثل المستقر بعد تعقيدات الحياة. لقد تخلى الآن عن فكرة الألف حورية والعشرين علاقة والشعر الأصفر الكثيف الطويل.. فقد صارت الحياة أكثر بعًدا من شهوة جنسية. فالأيام صارت ظرفًا طارئًا. عليه تأمين حاجات المنزل، وتوفير حياة كريمة لزوجته وأولاده، وتأمين منزل بأي ثمن، والسجال كل صباح مع زميله البغيض في العمل. أصبحت الجنة بمثاب المنتجع الذي سينسى فيه مرارة الروتين. فمتى جالس شيخ القرية، سأله: من سيجاور في الجنة؟ هل يوجد تخاطب؟ هل ثمة من يستطيع محادثته طويلا؟ فيجيبه الشيخ: يا ولدي إن رسول الله في الجنة يجالس أمته ويحدثها. لن تكون حياة الجنة فارغة ولا حياة تكرار، إنما ديوان للأحاديث التي سيتلوها عليك نبيك. كم يطمح للمحاورة! انقضت سنوات طويلة. كانت كلماته فيها مجرد مبررات وأحاديث للطوارئ، منتهى رغباته أن يستتب جسده على الأرض أو ينصت برهة لصوت انفاسه. لكن الحياة باشرت في التسارع بشكل غير منطقي، فأمسى ينام ليعمل، ويّوفر المال ليّربي، ولأسباب كثير من الاحيان كان يجهلها. يجلس الآن الحاج صالح فاقًدا رغبته في تناول الكثير من السكر الذي يأتي عادةً بمفعول سلبي على صحته، مع عجز جنسي كامل في عمر الثمانين، وأولاد منشغلين بعيش عسير، وزوجة خارج نطاق الخدمة. تبُدو الحياة رهانًا مسلوبة من الدافع نحو مغريات الجنة، مغلولة باللاشعور باللا فائدة وباللا قيمة وبالعدمية. يقول الحاج صالح لزوجته" أنا أنتظر الموت يأتي، فأنا حمل ثقيل فحسب. ليتني أتوفى ليستريح الجميع من عبئي" صار مؤخرًا يفكر في الجنة وكأنها لصيقة به. لكنه لا يرغب في أي شيء منها. فقد كل رغباته وحوافزه التي تجعل منه صالحًا ليدخلها، يراها الآن اضطرارًا للمفر من مأزق الشيخوخة والشعور بالعجز. إنها الوسيلة الوحيدة للإفلات من هذا الاحساس المفرط بالأسقام والوهن.

33 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email