الفيلم الفلسطيني (إن شئت كما في السماء)



هذا الفيلم من إنتاج فرنسي كندي (٢٠١٩).

أعتقد بأن هذا الفيلم يحتمل - في كثير من مشاهده ولقطاته- أكثر من (تأويل) حسب رؤية وخيال المُشاهد، بدءًا من عنوانه الذي يختلف نسبياً عن الترجمة الإنجليزية. فلسطين القضية والوجود والتحدي والتحرير في هذا الفيلم حاضرة كروح وكشبح يحوم حولنا وفي مخيالنا دون أن يكون هناك أي حوار أو شرح لهذه القضية القومية العادلة والمشروعة، ودون أن تشاهد مقاومة أو تسمع صوت رصاصة أو رمي حجارة أو صرخة أم. اللهم في مشاهد محدودة في آخر الفيلم.

الفيلم من بطولة وإخراج الممثل والمخرج الفلسطيني إيليا سليمان. ومن خلال ملامح وجه هذا البطل الوحيد في الفيلم وسفراته من مدينة الناصرة الفلسطينية إلى باريس ثم إلى نيويورك والعودة إلى الناصرة، ودون أن يتكلم طوال الفيلم-سوى كلمتين فقط- تعيش مع فلسطين، لكنك تشعر في الوقت ذاته بأن الناصرة كمدينة وأحداث وشخصيات بتناقضاتهم الداخلية، والسلطة والقوة والفساد والرقابة والعنف والخوف، لا تختلف عن مدينة باريس أو نيويورك.


عبدالله جناحي

الفيلم يندرج ضمن فن الكوميديا السوداء والفنتازيا والسريالية التي تتجلى من خلال السخرية للواقع المرئي ونقده بالصورة دون كلام. أحسب أن معظم لقطات ومشاهد الفيلم بمثابة لوحة صامتة تعطيك رسالتها، وكأن كل لقطة أو مشهد تنطق بالكاميرا بدون كلام أو حوار قصة قصيرة جداً ورسالة واضحة جداً.


تأويلات مشاهد ولقطات الفيلم



- فلسطين والمسيح: في أول مشهد من الفيلم، وفي احتفال ديني وتراتيل كنسية بكلمات عن المسيح الذي (وَهَبَ الحياة للذين في القبور)، وفي مشهد من نهايات الفيلم في نيويورك وإيليا المخرج والبطل الصامت يستمع إلى قارئ الحظ والمستقبل الأمريكي وهو يقول له: نعم، ستكون هناك فلسطين بكل تأكيد، وسيحدث ذلك، لكن.. ولكن لن يحدث الأمر في زمنك ولا في زمني.


وكأن ذلك الترتيل الكنائسي مقصد عنوان الفيلم بمعناه الإنجليزي (لا بد أنها الجنة، أو لا بد أن تكون الجنة) أو بمعناه العربي (إن شئت كما في السماء) فكما المسيح تمكّن من إحياء الموتى، وإصرار الشعب الفلسطيني وصموده وتحديه وتمسكه بأرضه وتراثه ووجوده لقادر أن يعيد من في السماء إلى الأرض، لكن قد لا يكون في زمنك وزمني وإنما في زمن الأجيال الشابة الراهنة والقادمة، وهذا ما أوضحه المشهد الأخير من الفيلم حيث إيليا بصمته جالس يحتسي العرق الفلسطيني مع صاحب حانة هادئة في نيويورك ويقول له:

أنتم غريبون أيها الفلسطينيون، جميع شعوب العالم تحتسي الشراب لكي تنسى، لكنكم أنتم الشعب الوحيد الذي يشرب لكي يتذكر.

ويرفع كأس العرق ويقول: في صحتك. لينتقل المشهد إلى ملهي (ديسكو) ممتلئ بشابات صبايا وشباب يرقصون بشغف وصخب رافعين علامات النصر وهم يغنون أغنية (عربي أنا) ليوري مرقدي.



- دور المؤسسات الأمنية: سواء في الناصرة أو باريس أو نيويورك، فالسلطة بأجهزتها الأمنية والمخابراتية والعسكرية والشرطية لها أولوياتها لحفظ الأمن والنظام، ولا تهتم بالعدل والعدالة وإنما بما يحفظ السلطة وبقاءها. ففي الناصرة ليتبول السكير في الشارع ويكسر زجاجة البيرة في الحديقة وأمام مرأى الشرطة التي أولوياتها القبض على (الإرهابيين) الفلسطينيين-كما في مشهد اعتقال فلسطينية في سيارة الشرطة مغمضة العينين. وفي باريس ليس مهمّاً أن يصطفّ المشردون والفقراء في طابور للحصول على طعام من كنيسة خيرية، وطائرات حربية تطير فوق رؤوسهم ودبابات تهز شوارع الشانزلزيه، بقدر أهمية دقة الالتزام بالقوانين الشكلية كالمساحة الخارجية للمقاهي. وفي نيويورك مسموح لكل المواطنين، رجالاً ونساءً وأطفالاً أن يحملوا الأسلحة بكل أنواعها بما فيها البازوكا- مشهد سريالي- لحماية أنفسهم، ويتحول المواطن الأمريكي إلى وحش وذئب وغبي وأبله -مشاهد الأقنعة- فمهمة الأمن هي بقاء فلسطين سرًّا وعورة ويجب منع هذا الشعب من معرفة قضيته العادلة. عند هذا المشهد حيث امرأة شبه عارية بجناحين وعلم فلسطين على صدرها في حديقة عامة والشرطة تلاحقها وفي أياديهم أقمشة بدل السلاح بهدف ستر عورتها. هنا تصبح فلسطين عورة في أمريكا يجب إخفاؤها عن العقول والعيون الأمريكية. وهنا سنتذكر المشهد الوحيد الذي نطق فيه إيليا بكلمتين فقط وهو في سيارة تاكسي بعد وصوله نيويورك، يسأله السائق الأمريكي "الأسود" عن اسم دولته، فينطق إيليا:

-الناصرة.

السائق: وهل الناصرة دولة؟.

إيليا: أنا فلسطيني.


فإذا بالسائق وكأنه قد حصل على كنز! حيث يفتح فاه مستغرباً بوجود فلسطيني في سيارته، ويتصل بزوجته فرحاً ليبشرها بالخبر وبأنه الآن مع فلسطيني الذي نسمع عنهم ولا نراهم. هذه هي إحدى مهمات المؤسسة الأمنية الأمريكية بإخفاء حقيقة فلسطين ورقابة دائمة لإليا الفلسطيني عبر هيلكوبتر تلاحقه والتي كشفتها سريالية الفيلم.

- قبعة البطل وملامح وجهه: إيليا سليمان البطل/المخرج، العربي الفلسطيني من الناصرة -مهد المسيح وقلب فلسطين الروحية للمسيحيين، طوال الفيلم يلبس قبعة إفرنجية شبيهة نوعاً ما بقبعة الممثل والمخرج العالمي الشهير شارلي شابلن. وكما شابلن أنتج أفلاماً كان فيها هو البطل الوحيد وهو المخرج، وكل لقطة أو مشهد في أفلامه كأنها قصة قصيرة ورسالة واضحة مرئية دون حوار أو كلام. أعتقد بأن إيليا يريد توصيل رسالة لنا وهو يحاول "تقليد" شابلن في ملابسه وقبعته والأهم ملامح وجهه وصمته الكامل. بل حتى أسلوب التصوير حيث أنه في معظم اللقطات يظهر إيليا في منتصف جموع الكادر، وأهم المشاهد تجدها في هذا المنتصف أيضاً، وكذلك استخدامه للموسيقى والأغاني الغربية والعربية وثرثرة الناس دون حوار، وكأنه يريد القول بأن الصورة وحدها تكفي لتبيان الواقع والرسالة ولا داعي لأي حوار.

فلسطين ليست حاضرة في الغرب



مقابل حضور فلسطين المخيال والحضارة والتاريخ، وليس السلاح والمقاومة، هناك مشاهد في الفيلم تصرخ بضعف التأثير الفلسطيني في الغرب الأوروبي والأمريكي. ففي باريس حيث يذهب إيليا سليمان المخرج الفلسطيني المعروف لمؤسسة إنتاج سينمائي للحصول على تمويل هذا الفيلم. ويستعرض مدير المؤسسة موقفه من هكذا أفلام"أحداث الفيلم غير واضحة وهي قد تكون في كل مكان، نحتاج إلى فيلم واضح عن فلسطين وليس هكذا غموض" ويعتذر عن تمويل الفيلم. وفي قاعة الانتظار داخل المؤسسة تشاهد ملصق (بوستر) لفيلم إيراني بعنوان (نوروز) -أي الربيع- وقد أشار الصحفي الألماني شتيفان بوخن في مقالٍ له منشور في موقع قنطرة بأن هذا الملصق للفيلم الإيراني الذي لم يتم في الواقع إنتاجه قط، هو دلالة بمصير الفيلم الفلسطيني أيضاً. وفي نيويورك أيضاً يحدث للمخرج إيليا نفس الرفض مع مؤسسة إنتاج سينمائي.

ويكشف لك مشهد نقدي جميل لضعف الوجود السياسي المنظم للمنظمات والسلطة الفلسطينية في الولايات المتحدة وذلك في حفل افتتاح الملتقى الفكري الفلسطيني الأمريكي بنيويورك، حيث عشرات المحاضرين فيه للتضامن والدعم لفلسطين، ونكتشف بأن جميعهم عرب ولا أمريكي معهم.

إن الكوميديا السوداء التي تسخر من العالم ومن سلطاته التي تتحكم في البشر، واستخدام السريالية الفنتازية الساخرة لتصوير الواقع والشخصيات وتناقضاتهما، كما كنا نشاهدها في أفلام شارلي شابلن، هي وبشكل إبداعي نشاهده في هذا الفيلم. وما رحل إلى السماء مع المسيح، وجنة شابلن كأنه قد رجع إلينا من جديد. ففي نهاية الفيلم يرجع إيليا لمدينته الناصرة، وهو يتأمل من بلكون شقته حديقته التي كان جاره يسرق البرتقال منها أمام ناظريه، فإذا بأصيص شجرة البرتقال الذي كان يسقيه في شقته قد أزهرت ثمرات صغيرات من برتقال، وهي مغروسة في حديقته على أرض وجنة فلسطين .

70 عرض