القصة القصيرة جدًا في الخليج العربي


إرنست همينغوي


لاشك أن العلاقة بين الأدب والحياة والمجتمع تبنى في سياق التحولات داخل المجتمع، ويتطور الأدب في عبر دوائره المتعددة بين التنظير والبناء الفني شكلاً ومضمونًا، لذلك لم يقف الأدب شعرًا وسردًا على شكله الذي كان عليه منذ عدة قرون، بل تطور وطرأ عليه التغيير والتحديث، لهذا فلا غرابة أن تتطور القصيدة العربية من العمودية حتى النثرية مرورًا بالتفعيلة، وكذلك السرد الذي وصلنا من الأسطورة والحكايات حتى الرواية، فالقصة القصيرة فالأقصوصة، وها نحن اليوم تستقبل جنسًا أدبيًا جديدًا سمي بعدة تسميات، ولكن أكثرها شيوعًا وتداولاً (القصة القصيرة جدًا). وقبل أن يكون للعرب بصمة إبداعية وفنية لهذا الجنس، أو النوع السردي، كان موضوع هذه الكتابة موجودة في بعض الدول الأجنبية، وتحديدًا في أمريكا اللاتينية.

ولادة النص وتقنياته


لقد سبق العالم العربي محاولات جادة من قبل كتاب الغرب، حيث كتب عدد من الكتاب بعض النصوص التي تأخذ منحى كتابة القصة القصيرة جدًا، مثل: أرنست همنكواي وقصته المشهورة المكونة من عدة كلمات حيث كتبها، وراحت كالبرق على مواقع الشبكة العنكبوتية بوصفها بداية لكتابة لم يعرف نوعها بعد، والتي يقول: (للبيع: حذاء طفل لم يلبس قط)، وعلى الرغم أن قراءة هذا النص من الوهلة الأولى كأنك تقرأ إعلانًا، فإن التفكير كان منصبًا على دلالة النص ورؤية الكاتب، كما كتب بعد ذلك فريدريك براون: (جلس آخر رجل موجود على الأرض وحيدًا في حجرة، ثم سمع طرقًا على الباب)، وكتب غرامي جيسون: (ثلاثة ذهبوا إلى العراق. واحد منهم عاد)، وهناك آخرون كتبوا مثل هذه النصوص، مثل: خورخي لويس بوخيس، وأدولفو بيو كاساريس من الارجنتين، وأوجوس تو منتيروسو من غواتيمالا.


د.فهد حسين

ويتضح من هذه القصص القصيرة جدًا ما يمتكله الكاتب من رؤية ثقافية وسردية وإنسانية تجاه العالم من جهة، وما يكتب من جهة ثانية، والقارئ من جهة ثالثة، حيث التأمل لمفردات هذه النصوص ومكوناتها السردية نجد أنها تميزت بالإيجاز والتكثيف والمباشرة والهدف، فضلاً عن مكونات الزمن والمكان والشخصية والحدث، إذ بهذا فتح همنكواي الباب لدخول العديد من الكتاب بعده بالولوج لعالم هذا النوع من الكتابة، ولمن يريد تجريب كتاباته وقدرته على الإيجاز والتكثيف، حيث استطاع البعض وأخفق الآخر كما هو في عالمنا العربي.

وفيما يخص عالمنا العربي فقد استقبل الكتاب في الفتـرة الأخيرة كتابة من نوع آخـر معتقدين أن هذه الكتابـة هي جديدة في الأدب العربي، وقد وصلت للتو من الآداب الأجنبيـة، في الوقت نفسه لو عدنـا بمنجزنـا السـردي الحديث لوقفنـا على بعض التجارب فـي ثمانـيـنـيـات القـرن الماضي التي تشكل البـذور الأولى للكتابة من دون أن تسمى بالقصة القصيرة جدًا، ورمزها (ق ق ج)، التي لايزال تجنيسها بين أخذ ورد عند المشتغلين بالسرديات والدراسات السردية، غير أن التوصيف أو التسمية كانت ولاتزال محل نقاش وحوار، إذ جاءت بعض التسميات، مثل: نص الومضة، وهو ما يتوافق ونص الومضة في الشعر، بحكم الحجم والصغر، وتكثيف الكلمات، وآلية التقاط الفكرة ولحظتها الآنية، وتسمية أخرى، هي: نص الكبسولة، الدال على القلة والصغر وعدد الكلمات، وكذلك نص المقطوعة القصيرة، غير أن الأمر لايزال في المحاض، وعدم الاتفاق الكلي حول التسمية أو أحقية وجود ممثل هكذا نوع من الكتابة. وعلى الرغم من هذا هناك من أكد على أنها جنس أدبي ينتمي إلى السرد، مثل: يوسف حطيني()، وأحمد جاسم الحسين(). لذا لا غرابة أن يزداد الإقبال على خوض هذه التجربة الكتابية التي لا تزال جديدة وإن كان لها الانتشار الواسع، وعلى هذا هناك من خاض هذه التجربة، وكتب، وبخاصة مع بداية القرن الواحد والعشرين حينما تزعم العديد من كتاب الشباب لخوض غمار هذا السرد، فهناك كتاب عرب كتبوا قبل هذه الفترة، مثل: زكريا تامر، حسين المناصرة، وليد إخلاصي، محمود شقير، وبالتأكيد هناك عدد آخرون ولكن لم نصل إليهم، أو لم يبرزوا على الساحة الأدبية أو السردية، بل هناك من الكتاب الذين يرون أن العراق أول من ظهر منها هذا النوع الإبداعي السردي.


عبدالعزيز الموسوي

إذا جانب النجاح والصواب لعدد من هذه النصوص القصصية فهناك إخفاق أيضًا لعدد آخر، ويعود هذا إلى درجة وعي الكاتب ودرجته تجاه ما يكتبه؛ لأن هذه الكتابة بحاجة ليكون كاتبها مدركًا صعوبة الخوض في عالم هذه القصص لما لها من خصوصية في التكنيك بالشكل الكتابي والدلالي، وقدرة السبك اللغوي المختزل في اللغة والحدث والحكي، ومدى إثارتها للدهشة والجمالية، والاختصار الدقيق في الطرح بعدد من الكلمات التي تختلف في طبيعتها عن الخاطرة أو قصيدة الومضة، فكاتب القصة القصيرة جدًا ينبغي أن يتحلى بثقافة واسعة، ورؤية ثاقبة لما يريد طرحه، وقدرة على الاختزال غير المخل، وعلى اصطياد اللحظة، وعلى براعة التصوير والبناء فنيًا وجماليًا ودلاليًا، أي هناك متطلبات تفرض نفسها على من يدير الكتابة، وهذا النوع يتطلب من كاتبه أن يكون على ثقافة واسعة، وقدرة على التقاط الفكرة من رحم الواقع المعيش، وكيفية نسج العلاقة بين هذا الواقع ودلالات النص، مما يتطلب الخبرة الأدبية، والقدرة على فهم كيفية اشتغال تقنيات هذه الكتابة، ومتطلباتها الفنية، وبخاصة ما يتعلق بالهدف والمضمون، والتصريح والتضمين، والاختزال والتكثيف.

لا يرفض كتاب الحداثة والتجريب خوض هذا النـوع من الكتابة، ولكـن لابد من الحذر والتأني لكي يصـدر نص له قيمته الفنية والأدبية، ولكن الغريب أن الشباب العربي عامة، والخليجي بشكل خاص اتجه كثير منه إلى كتابة (ق ق ج) معتقدًا السهولة في الكتابة، ورغبة القارئ في النصوص القصيرة، وبحكم سرعة الحياة وانتشار قنوات التواصل الاجتماعي (الميديا) فهذا هو الشكل الكتابي المناسب في عصرنا الحالي، وكأن هؤلاء يهربون من الكتابة التي تفرض بعض الاتساع والرؤية كما في القصيدة والرواية والقصة القصيرة، أو لقصور في الفهم تجاه الكتابة التي لا يفرق صاحبها بين القصيدة الومضة، وبين الخاطرة، وبين القصة القصيرة جدًا، وهنا نؤكد أن الأدب عامة ليس بعيدًا عن التحولات المجتمعية منذ القصيدة العمودية حتى قصيدة النثر، حيث ما طرأ على العالم من تغيير وتحول وتطور في السنوات الأخيرة، تلك التي جعلت هذه الكتابة منتشرة بشكل واسع، هو الحضور الواسع للعالم الإلكتروني، بل زاد بوجود منصات التواصل الاجتماعي التي تعتبر تربة طرية صالحة لزرع نص القصة القصيرة جدًا، وريها بالمشاهدات والتلقي، فالمناخ ملائم بأمطار الكلمات والتعليقات المثنية على هذه القصة أو تلك، لهذا حدث القبول، فبدأ الانتشار السريع، وبخاصة هناك من القراء الذين لا يرغبون في قضاء وقت طويل لقراءة نص إبداعي، وإنما يكتفون بنص مكون من بعض الجمل أو عدد من الكلمات، ولكن مع مرور الوقت سيكون الأثر السلبي على المشهد الأدبي إذا كانت هذه القصص هشة ولا تثير الدهشة والسؤال، وهذا يعني ضعف النص الذي يؤدي تدريجيًا إلى إفساد الذائقة عند كل من القارئ والكاتب معًا.



ليلى العثمان

النص في الأدب الخليجي


وعلى الرغم من ذلك فإن وجود مثل هذه الكتابة أمر طبيعي في المشهد السردي الخليجي الذي سعى من يكتبه إلى تأكيد حضور (ق ق ج) كحضور أي نوع أو جنس أدبي آخر، ومن الذين كتبوا في المجتمع الخليجي ليلى العثمان، يوسف خليفة، عبدالعزيز الفارسي، عزيزة الطائي، عبدالعزيز الموسوي، فهد المصبح، وغيرهم الكثير، وبخاصة في السنوات الخمس الأخيرة التي بدأت فعاليات المسابقات الثقافية والأدبية الأهلية والفردية إعدادًا وتنفيذًا وإعلامًا، إذ بدأت تؤكد عليها، لتأخذ دورًا واضحًا في المشهد الخليجي، ومثال على ذلك ما قام به موقع متكأ الثقافي البحريني بنشر هذه الكتابة في كتاب عنوانه بـــ (يوم واحد من العزلة)، وهو مسابقة في القصة القصيرة جدًا على مستوى العالم العربي، تمخضت بفوز بعضها من خلال محكمين مهتمين بهذه الكتابة، كما استمر المهتمون في البحرين بهذا النوع من الكتابات فجاءت (وجود للثقافة والإبداع) وسارت في الدرب نفسه من خلال إصدار كتاب بعنوان (خطاطيف) جمع على ما يزيد على (150 نصًا)، وقبله كانت هناك بعض المسابقات والمشاركات التي تؤكد أهمية حضور (ق ق ج) في المشهد الخليجي.

كانت ولاتزال ليلى العثمان أحد الأصوات الرئيسة والمميزة في المجتمع العربي عامة، والخليجي على وجه التحديد، فلا نعتقد أن أي كاتب أو مبدع في المنطقة لم يقرأ لها عملاً قصصيًا، أو روائيًا، أو عمودًا صحفيًا، أو مقابلة صحفية، أو شاهدها على إحدى الفضائيات، وهي تناقش هموم الثقافة والمثقفين في الوطن العربي، وعرفت الكاتبة، وهي: حاملة لكل المشاعر الوجدانية والإنسانية تجاه المبدع العربي، والدفاع عن التجارب العربية المبدعة من دون أية حساسية أو غيرة، فالأمراض الاجتماعية لم تعرفها ليلى العثمان أبدًا، إنها كاتبة فتحت الآفاق نحو المساهمة في المشهد الثقافي والإبداعي إلى العديد من الكتاب الذين جاءوا بعد جيلها، وراحت تضع جل اهتمامها بنتاجات الشباب الكويتي أولاً، والخليجي ثانيًا، والعربي ثالثًا، ولم تتردد في احتضان المواهب الشابة، لذلك لم تفتح صالونها الثقافي ترفًا، أو تماشيًا لما هو سائد في بعض الصالونات الأدبية الأخرى، بل أعدت صالونها الثقافي ليكون مختبرًا إبداعيًا، ونقديًا، متنوع الاتجاهات الفنية والإبداعية، فيحتضن هذا الصالون المبدعين من دون التحقيب الزمني، أو التفريق بين كاتب مشهور، وآخر ليس له صيت في الساحة الثقافية، إذ فتحت صالونها لكل كاتب، ودوره، ومدى تفاعله في الساحة الثقافية والأدبية.

وإذا كانت الكاتبة قد كتبت الرواية، والقصة القصيرة، والمقالة، فإنها دخلت تجربة جديدة في عالم الكتابة الإبداعية، وهي كتابة القصة القصيرة جدًا، تلك التجربة التي نشرتها في طبعتها الأولى عام 2007، وضمن التجارب العربية التي بدأت تنتشر في المشهد الثقافي العربي، والمعروفة عند الكتّاب بأنها ومضات سريعة تتماشى وسرعة الحياة اليومية من جهة، والتطلع إلى كشف واقع معيش مزيف من جهة ثانية، وإمكانية تلقيها في أي محفل ثقافي من جهة ثالثة. وليس المهم أن تكتب قصة قصيرة جدًا، وإنما المهم كيفية كتابة هذه القصة، وآليتها، وأدواتها، كيف طرح هذه الومضة، وبأية مفردات لغوية يمكن أن ننسج عالمها، وما طرائق التقاط زاوية الرؤية التي تنظر من خلال هذه الومضة، وما مدى إمكانية هذه النصوص القصيرة لكي تستفز المتلقي قراءة وتساؤلاً. فهكذا نوع من الكتابة فهو لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة مخاض للقراءة الواعية، والتأمل الدقيق في حيثيات البناء القصصي، والمعرفة الواعية بدور الكلمة في بعدها الثقافي، والإبداعي حين تأخذ مساق الومضة.


الشاعر البحريني كريم رضي

لدينا في منطقة الخليج العربي، والجزيرة تجارب في القصة القصيرة جدًا، بدأت بشكل استحياء ثم انتشرت بصورة كبيرة، وبعضها دخلت ضمن المسابقات الأدبية في العالم العربي، وبالأخص التجارب السعودية، ومن هؤلاء: تجربة الدكتور حسن النعمي، وهيام المفلح، وأحمد العليو، وعبدالسلام، وغيرهم الكثير، كما نشر القاص فهد المصبح الذي قدم مجموعة قصصية بعنوان (الزجاج وحروف النافذة)، والقـاص الكويتي يوسف خليفة الذي أصـدر مجموعـة بعنوان (أفكار عارية)، ونشر الشاعر البحريني كريم رضي على شبكة الإنترنيت بعض النصوص القصصية القصيرة جدًا وإن كانت تميل إلى النص النثري أكثر من السردي، وهناك محاولات أخرى إلى بعض الكتاب البحرينيين، مثل: القاص أحمد الحجيري، والقاص حسن بوحسن، والقاص عبدالعزيز الموسوي، وعبدالجليل الحافظ، وغيرهم، وهذا يعني أن التوجه إلى هكذا نوع من الكتابة في الخليج بات واقعًا ملموسًا. وهذه التجارب وغيرها تتعاضد مع تجربة الكاتبة ليلى العثمان في عملية الكتابة القصصية التي تشكل هذا النوع من الكتابة، بل كثرت في الآونة الأخيرة، وبخاصة في ضوء انتشار وسائط التواصل الاجتماعي الذي سهّل عملية انتشار مثل هذا النوع من الكتابة، غير أن هناك من يرى أن هذه التجربة من الكتابة كانت منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث يشير الكاتب إبراهيم سبتي في مقالة له على شبكة الإنترنيت بعنوان (محنة القصة القصيرة جدًا) إلى أن بثينة الناصري كتبت قصة قصيرة جدًا في مجموعتها (حدوة حصان) الصادرة عام 1974، ونشر القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جدا ضمن مجموعته (القطار الليلي) الصادرة عام 1975 ، كما نشر كل من عبدالرحمن مجيد الربيعي وجمعة اللامي وأحمد خلف، وإبراهيم أحمد في نفس الفترة.

وبالعودة إلى الكاتبة ليلى العثمان فإنها كتبت ستة وتسعين نصًا متفاوتًا في عدد جملها القصصية، فبعض هذه القصص لا يتجاوز السطر والنصف فقط. ولكن السؤال الجوهري، ماذا تريد أن تقول الكاتبة في هذه النصوص التي لا ترغب قولها في قصصها القصيرة الأخرى أو رواياتها، أو مقالاتها؟ فمن خلال التأمل في هذه المجموعة القصصية التي أسمتها قصص قصيرة جدًا، ولم تعطها اسمًا دلاليًا آخر كما هو في أعمالها الأخرى، وكأن لسان حالها يقول لنا أن هذه القصص قد تجردت من أدواتها التقليدية، ومن التسمية، والتطويل، وطريقة البناء المعتادة، وطبيعة القراءة، إنها قصص يتلقاها المتلقي ليس ليقرأها قراءة المتعة وقتل الوقت، بقدر ما هي قصص تتطلب من قارئها جهدًا مضاعفًا على الرغم من قصرها، والولوج في دهاليز مفرداتها، والبحث عن الرابط الخفي بين جملها، والعلاقات الدلالية في كل جملة سردية، أو وصفية نسجت خيوط القصة.

استطاعت الكاتبة العثمان أن تخلق عالمًا منسجمًا بين هذه القصص، تمثل في عقد الثنائيات التقابلية بين الأشياء داخل البنية المجتمعية، فهناك العلاقات الزوجية، وتقلباتها، وتركيبها النفسي، والاجتماعي، وتطلعاتها الآنية والمستقبلية، والقيـم السلبيـة التي بنتهـا السلطات الذكورية تجاه الضعـف الأنثـوي، هكـذا جاءت قصـة (الوريـث) التي تقول أسطرها القليلة " رفس صدرها بكفـه الخشن: حتى لحظة موتـك.. لن أطلقـك. هددتـه: سأنتحـر. هرعــت إلى الحمــام.. عبت زجاجـة الكلـوركس، خرج من البيت مرفرفًا: غـدًا يصبـح كل شيء ملكي، أنا الوريـث الوحيـد "()، لتكشف العلاقة بين الناس عامة، والأزواج على وجه الخصوص، وتغلغل الذات والمصلحة داخل البحث عن فائدة ومطلب كان الرجل يبحث عنه، فهناك من الرجال الذين يرغبون في الحصول على المال، أو الجاه، أو الشهرة، أو المكانة الاجتماعية، أو السياسية، أو غيرها من خلال الزواج، كما تكتشف الكاتبة بعده أنه زواج لم يبن على انسجام عاطفي، وتوافق اجتماعي، وتقارب اقتصادي، وتعالق ثقافي، وتطلع تعليمي، بل هو زواج معنون بالمصلحة وحب الذات، هذا الحب الذي قد يصل بالمرء إلى حد الانتقام، أو الدعوة بالخلاص من الطرف الآخر.

أما في قصة (الانتحار) فهي التي لا تتعدى السطر والنصف في المجموعة تتجه إلى طرح سؤال استفزازي تجاه العلاقة بين الهموم الحياتية والواقع المعيش المر، وبين الزواج، وكأنما الاثنان يأخذان المرء إلى نهاية واحدة، إذ تقول: " جرب عشرات الطرق لينتحر. لكنه كان ينجو في كل مرة. أخيرًا قرر أن يتزوج "()، أي أن الزواج هو انتحار، أو أن المرأة تشكل بالنسبة إلى الرجل علاقة انتحار، ولكن هذا الانتحار من نوع آخر، وهذا يكشف لنا النص طبيعة العلاقات الزوجية في حياتنا الإنسانية التي يشوبها القلق، والاضطراب، والبعد عن السعادة، وفي الوقت نفسه إذا كانت الرؤية تتجه نحو التقارب في الدلالة. وفي مقارنة النتيجة بين الانتحار والزواج فإننا ننحو في اتجاه آخر في هذه العلاقة، فليست الثنائية بينهما مصدرها القلق، وعدم الاستقرار لدى الإنسان بقدر ما هي نهاية مطاف لحالة إنسانية حزينة في الانتحار، ومفرحة في الزواج، فالاثنان يعتبران نهاية مرحلة، وبداية مرحلة أخرى، أي الانتقال من حالة مضطربة إلى حالة من السكون والاستقرار، فالزواج هو استقرار عاطفي وأسري واجتماعي، والانتحار هو نهاية ساكنة للمرء بعد طول عذاب نفسي واجتماعي.

وتواصل القاصة في طرح ثنائياتها في قصة (المبادلة) التي تبرز الفوارق بين التطاول على الآخرين، وأخذ الحقوق، وسلب الحريات، ونتائجه، وبين الوئام، والتعايش، والتسامح، إذ تقول " قطف زهرة فتجرحت كفه، زرعت كفه بذرة فعاش في بستان"()، وهنا تكمن عملية الولوج إلى تلك الجزئيات البسيطة في الحياة، الكبيرة في التأمل، المتشعبة في التعاطي الإنساني، القليلة في عددها، الكثيرة في مكتنزاتها، وتتطلعاتها وتكثيفها. وفي إطار آخر تنقلنا الكاتبة من ثنائية التقابل بين البشر إلى ثنائية مادية أخرى، ثنائية بين الطعام والمأكولات وما يقدم فيه، حيث الأكل والشراب الخاضعان إلى نوع الأطباق، وشكل الأواني، وأحجام الأقداح والكؤوس، فإذا جاء وصف الطعام باللذة، وخلا الطبق من صفات الجمال، أصبح الأكل ليس فيه أدنى لذة. هكذا بينت الكاتبة هذه الصورة كومضة سريعة تعطيك دلائل التأمل في طبيعة الحالة التي تعيشها في البيت، أو في أي مكان يتوافر فيه الأكل والشرب، فتقول القصة (الإناء) " كل يوم كان يلقمها ملعقة من العسل، وكل يوم تقول له: طعمه مر. احتار بأمرها وقد جلب لها أجود أنواعه، تفرس أخيرًا في الملعقة، اكتشف أنها صدئة "().

وتأتي قصة حصار لتقول لنا إن العلاقة بين الذات والضمير الداخلي للمرء، هي علاقة تجاذب وتنافر بين الحين والآخر، فالذات تؤدي بعض الأفعال، وكأنها سوية بناء على وعي الأنا، غير أن الضمير، أو ما يطلق عليه الجانب الأخلاقي في الإنسان، يظل صحوًا، ويفسر كل التصرفات والسلوكيات التي تقوم بها هذه الأنا وفق قوانين، ومبادئ أخلاقيـة، واجتماعية، ودينية في كثير من الأحيان، لذلك تقول القصة (حصار): " ففي الليـل لا يستطيـع أن ينـام، كلمـا حـاول حاصرتـه رائحة ضميره "(). كما استطاعت الكاتبة أن تعطينا بعض الومضات التي لا تحتاج إلى مناقشة، أو تحليل، أو نقد، عدا أنها ومضة، وتأمل في حالة من حالات المجتمع، وما يخفيه، أو يظهره من تداعيات، ومواقف اجتماعية، وسلوكية، وإنسانية، وهنا حيث تكشف قصة استرداد عن حالة الإنسان المقهور، وحالة الزيف الداخلي المتستر الذي يعاني منه المجتمع، وحالة الرغبة في الحصول، فتقول:" سأله القاضي: لماذا ثقبت رأسه بالمبرد؟ قال المتهم كيف إذن استرد أفكاري التي سرقها؟ "().

أما قصة (اللص) فإنها تأخذنا إلى موروثنا الشعبي، والعلاقات العاطفية التي تنسج بين المحبين، إذ " لاحقه الناس: اللص .. اللص، لم يكن يحمل مسروقات، من نافذة بعيدة كانت تطل امرأة جميلة وصدرها بلا قلب "(). وفي قصة (ندم) أشارت الكاتبة إلى الفوارق الشاسعـة بين الحقيقة والوهـم، والبـون بينهمـا الـذي أدخـل المرء في عوالم من الأمنيات، والطموحات فــ " قررت أن تغلق باب الوهم، وتفتح أبواب الحقيقة، عاشت حياتها نادمة، كان باب الوهم أجمل "(). وهكذا استطاعت الكاتبة أن تبني هذه القصص القصيرة جدًا بوعي ثقافي، وبعد إنساني، وواقع حياتي، ضمن التراكم المعرفي في عالم الكتابة الإبداعية، وذاكرة المجتمع، وتناقضات الحياة، لذلك أعطت مكونات القص مساحة في هذه القصص ليس لفرض تقني يتطلبه البناء القصصي، ولكن لضرورة التفعيل لهذا المكون، أو ذاك، إذ ترى في القصص المكان والزمان والشخصيات، لما لها من دور أساسي في علاقة النسيج التقني، واللغوي لفهم هذه الومضة وتركبيها، وما تحتمله عبر القراءة من دلالات.

عبدالعزيـز الفارســي

جاءت هذه الثنائيات التي تميزت بها قصص المجموعة، لتؤكد وجودها في الواقع المعيش، فنحن نعيش هذه التقاطبات الثنائية متقابلة ومتنافرة، في العلاقات الزوجية، وفي الحياة الاجتماعية وأنماطها، وفي التطلعات الاقتصادية وتقلباتها، وبين الماديات والمعنويات، وبين ما هو تطلع للحلم، والتنافس، والتعايش، وبين ما هو وهم يسيطر على المرء ليضعه في بوتقة لا يستطيع الخروج منها، وبين ما هو حقيقة في هذه الحياة، تلك الحقيقة التي قد تكون سعيدة تجعل صاحبها في عالم جمالي يحقق له الآمال، وفي الوقت نفسه هناك حقيقة مرة لا يرغب المرء في إقحامها عالمه. وسعت الكاتبة في هذه المجموعة أن تبين العلاقة بين الوهم والحقيقة عند المرأة. لتأتي الدقة في اختيار المفردة اللغوية، بحيث لم تطرح ما في الواقع إلا ليكون طارحًا السؤال بين ما هو في الحقيقة والخيال، بل أشارت إلى الوهم لكي تؤكد على أن الحالة الإبداعية هي الأساس، وتكشف عن الفرق بين ما هو وهم، وما هو خيال، فضلاً عن تلك الدهشة وحالة الاستفزاز عند القارئ الذي يحتاج إلى جمل مكثفة تحمل بين طياتها أفعالاً حركية، ومن هنا فقد حاولت الكاتبة أن تهتم بالأفعال أكثر من الأسماء، وهي سمة واضحة في القصة القصيرة جدًا التي تتميز عادة بالإكثار من الأفعال، والجمل الفعلية، بالإضافة إلى قرب لغة هذا النوع من القص إلى لغة الشعر.

ومن هذه الكتابات في المنطقة: قصة (مـرض) لعبدالعزيـز الفارســي: " نتيجة محاولات جادة أُدخلت نشرة الأخبار مصحة نفسية. بعد عشرين جلسة جاء تقرير الطبيب: انفصام حاد في الشخصية. لا أمل في الشفاء "(). وقصة (شهادة) ليوسف خليفة: " هل سمعت؟ لقد استشهد الصحفي سعد .. الموجود في العراق .. أتذكره؟ أجل .. هل قتله الأمريـــ .. لقد قتله كتابة مقال ضد الإرهاب "(). وقصة (خواتيم) لعبدالعزيز الموسوي: " سألها في أحد القاءات الحميمة: لماذا نسحب أيدينا كلما تقابلنا بعفوية على سطح الطاولة؟ ابتسمت بخجل ثم أطرقت هامسة: لا أدري، ربما علينا أن نحرر أصابعنا من خواتم أزواجنا "(). وقصة (من القاتل؟) لرانيا صالح من مصر المشاركة في مسابقة متكأ الثقافي: " قالت له أنت عقيم كأبيك فقتلها "(). وقصة (طعام) لفاطمة حسن الحلال المشاركة في كتاب خطاطيف: " كان جائعًا، يحوم بين النفايات يبحث عما يأكله .. سقط ميتًا .. وأكلته الأرض "().

ويكتب القاص السعودي حسن البطران مجموعة بعنوان: مارية وربع من الدائرة، ويطغى عليها الجانب التقريري في بعضها، ولكنه في الوقت نفسه يقف على ضفتي نهر هذا النوع من الكتابة الذي يحاول عبر هذه المجموعة أو المجموعات التي سبقتها طرح العديد من القضايا اليومية التي تواجه الإنسان والحياة والمجتمع بطرائق مختلفة، وهذا ديدن الكثير من هذه القصص عند كتاب المنطقة، ولتأكيد من نذهب إليه نجد في قصة (نتف من جلد) للكاتب نفسه: " وصفها بالمتسوفة ..! وبعد حوار طويل بينهما، قالت: لا تلمني ..! "، وكذلك قصة (مشهد): " طفل يداعب ثدي أمه، غسيل لم يكتمل، فيلم أجنبي على وشك نهايته، مساجد مغلقة، حفل زواج جارة من جنسية عربية تأجل، أخبار كورونا تتصدر نشرات الأخبار في كل الفضائيات العالمية .. الحاج عبدالمحسن يرتشف سيجارته، وهو يستند على جدار طيني بعد صلاة المغرب، رجل مسن يطلب من ابنه جرادًا منتشرًا في الصحراء القريبة من مدينته .. الشرطة والصحة والأهالي في حالة حظر تجوّل .. لايزال الرجل المسن يريد جرادًا بعد استيقاظ الحاج عبدالمحسن من نومه "()، وهنا نتساءل حول علاقة العنوان بالنص إن كانت علاقة واهية أم علاقة محسوسة أم غير محسوسة، علاقة بين مضمون النص وعتبة مهمة من عتباته؟ أم الأمر متروك للمتلقي وكيفية تلقيه للعنوان والنص معًا، ثم إلى دلالاتهما.

وفي خضم هذه الكتابة نجد أن (ق ق ج) صغيرة في عدد كلماتها، كبيرة في دلالاتها، فالكاتب يتحرر من الرقابة الذاتية والمجتمعية، أو المحرمات والتابوهات، وتتمكن من الولوج إلى دهاليز العالم، والخواص، وكشف الزيف من دون الوقوع في المحظورات، حيث التأويل سيد المقام في قراءة هذه النصوص وفهمها، وعلى الرغم من ذلك لابد أن يقف كاتبها مفرقًا بين القصة القصيرة جدًا وبين قصيدة النثر، وبينها وبين الحكمة أو الخبر أو المثل. وفي الاتجاه الآخر نشير إلى أن هذه الكتابات سواء الجادة منها أو تلك التي بحاجة إلى مراجعة، فهي كتابات إبداعية بمستويات مختلفة، لذلك لابد من وجود حركة نقدية تواكبها كما كان للشعر والرواية والقصة القصيرة، حتى تتشكل هذه الكتابات وتنمو في مناخ ثقافي ونقدي عالي المستوى، ولكن في الوقت نفسه عليه أن يملك الموهبة والقدرة على الربط بين العنوان والنص، مثل: قصة عاشقين، " إنْ أهديتكَ قلبي.. جسدي.. روحي.. ماذا تهديني؟ مممم.. ما رأيك بساعة يد ثمينة؟ "، وبين الواقع المعيش والنص، مثل قصة (ضباب): " قرر أخيرًا أن يطلب يدها، بعد قصة حب استمرت شهورًا على المسنجر، تعرف فيها على كل تفاصيل حياتها، دق الباب القديم، فتح أحدهم له الباب، وقال له: إيس فيه أبغى صديق، سباك كهربائي بناي كله فيه موجود "()، وبين صغر حجم النص واتساع الفكرة، مثل: قصة (إحسان) " لم يعطِ العاهرة أجرتها.. تساءل: كيف لي أن أعين فاسقة على معصية الله؟! "، وفي قصة: (خيبة) " اعتقد أنها أحبته.. لكنها ما كانت إلا أحاسيس خاطئة لم يجبرها سجود سهو "() ، والهدف وترجمته من خلال المضمون، مثل: قصة (هدية) " وفق أمام المول الضخم، كان هناك شحاذ يتكئ على المدخل، مد يده في جيبه، أخرج ريالاً، أعطاه له، لكن الشحاذ، وهو يدس الريال في جيبه بحرص، مد يده في الجيب الآخر، ساحبًا رزمة من الأوراق النقدية الجديدة، مدها له، قائلاً بحنو، افتقده من زمان: خذ! كان الله في عونك. هيا! لا يراك أحد من هؤلاء "()، وأهمية الرمز في النص وإحالاته، مثل: قصة (جرح غيمة): " عند نافذة الأمل كان يراقب السماء وينتظر غيمها، بعد طول انتظار جاءت غيمة حزينة تترف مطرًا " وكذلك قصة (اغتيال): " عندما كان الصياد يصوب بندقيته ليقتله.. كان العصفور يغرد له ليطربه "()، والعلاقة بين النص وإثارة الدهشة كما في بعض نصوص القاص البحريني جابر خمدن، مثل: قصة (تزييف)، " ذات ليلة رآهم ينقبون ذاكرته، يفتشون أحلامه، أدرك محاولة التزييف، استيقظ متوجسًا مرعوبًا، ترك رأسه على الوسادة، وغادر الغرفة في عتمة المكان "()، ويفقد النص كل هذا حين يتخلى عن الهدف، ويخرج النص عن طبيعته في التكثيف والاختزال، أن يبقى على تقريريته المعتادة التي يلجأ إليها المبدع بقصد أو من دون قصد، ولكن هذا يبعد الأدبية عن النص، كما في قصة (رفض): " حينما همّ بدخول بيته رأى فاتورة الكهرباء معلقة في العداد، قرر ألا يدفعها هذا الشهر، بعد أسبوع وقف في طابور الانتظار في شركة الكهرباء لدفع الفاتورة بعد قطعها عليه "().


الكاتبة العمانية عزيزة الطائي

وأصدرت الكاتبة العمانية عزيزة الطائي مجموعتها القصصية القصيرة جدًا، بعنوان: (ظلال العزلة)()، حيث أعطت المرأة وعوالمها المختلفة المحور الرئيس الذي يخوض غمار تحديات المجتمع، وتوهمات الرجل، وتقلبات الأمزجة الإنسانية، حيث تعاملت مع النص القصصي القصيرة جدًا بحرفية وإتقان واضحين، وجاعلة القارئ في حالة تأملات وتخيلات وإبحار في النصوص وغاياتها، بل يقف القارئ مندهشًا بين تصنيف لغة النص هذا أو ذلك في سياق الشعر أو السرد، ومن تلك القصص القصيرة جدًا، قصة: (جدار) فــــ " بعد غياب طويل في أعماق المحيطات، عاد إلى وطنه. وعند نقطة محددة ارتطم حلمه بجدار الواقع. شعرت الأرض به، فاحتضنته وقالت: عليك أن تنتبه إلى لون القلوب التي لم يغسلها المطر "().

كما أشارت وبتعمد واضح إلى أن تكون للمرأة دور مختلف عما كنا تقرأه في العديد من من الكتابات النسوية، وهو الكبرياء والتحدي وعدم قبولها التهميش أو النكران أو الدونية من قبل الرجل، إذ بينت في أكثر من نص أن المرأة قادرة على اتخاذ القرار الذي يناسبها ويحفـظ لها مكانتها وقيمتها بوصفهـا إنسانًا، هكـذا تقول قصة (مـرآة): " كسرت مرآتها التي أحبطتها لسنين، قررت أن تخرج للعالم بحال جديد. أنصتت متأملة كتل القبح البشري من حولها. قالت: كنتُ في نعيم. بعد أيام لم يبق حولها أحد. فرممت مرآتها التي كسرتها "(). بل لم يكن دورها في علاقتها بالمجتمع وكيف يفهمها أو تفهمه، يقدرها أو تقدره، أو كيف يمكن لهما التعايش معًا، وإنما ذهبت إلى عمق العلاقة بينها بوصفها إنسانًا، وبين الرجل الذي يجعل من كبريائه ورجولته مدخلاً لعلاقته بها، حيث ترفض ذلك تمامًا، وقد بينت القصص الكثير من هذه المواقف التي لا تقبلها المرأة أبدًا.

كما طرحت موضوعات أخرى ذات علاقة بحياتنا اليومية المعيشة أو الحياة الاجتماعية أو الثقافية أو ما يرتبط بوعي الإنسان نفسه سواء أكان امرأة أم رجلاً، إذ بين كيف ينظر المجتمع إلى الرجل المثقف والرجل شيخ الدين، ومدى لاتواصل بين الثقافة وبين ما يرتبط بالدين، فحين تكون علاقة الإنسان بالدين وهو غير واع لهذه العلاقة فالقبول بما يعرض عليه يكون مقبولاً وسهل الإقناع، ويزاد على ذلك إمانه بإن ما يطرح له علاقة بالدين من قريب أو بعيد فهذا يعني التمسك به، وهو عكس أن تكون العلاقة في بعدها الثقافي والذي بات الكثير من أفراد المجتمع يهربون منها من دون معرفة الأسباب الحقيقية والمقنعة تجاه هذا الجفاء والسعي إلى توسع الفجوة بين الفرد البسيط والثقافة، أي هل لأن الثقافة إلى يومنا هذا لم تستطع الولوج إلى متطلبات الفرد في المجتمع؟ أم أن بطه بالدين أو بمن يقدم له التعاليم الدينية يفرض عليه هذا البعد. من هنا تقول قصة (ذي العقل): " تجمهر الناس عند باحة جامع المدينة لسماع بعض المواعظ، وعندما أشرع الباب قرأوا لافتة مكتوبًا عليها محاضرة ثقافية. عادوا أدراجهم، وظل المحاضر يحدث نفسه حتى استحضر قول المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ...... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم "().

كما بينت الكاتبة أن السعادة لدى بني البشر ليست في الغنى أو الحصول على الأموال والزيادة فيها وتكديسها، أو الظفر بالحب وإن كان على حساب الآخرين، أو بناء القصور والعمارات والسفر، حيث السعادة تكمن عند الفرد في وقت بحثه عنها وإن كانت بسيطة وذات ارتباط بالزمن البسيط، وذلك أن السعادة يفهمها كل شخص في كيفية الحصول عليها وبأسهل الطرق، وهذا ما كشفته قصة (سعادة) بالقول: " في برنامج قهوة الصباح سأل المذيع بعض العاملين عن سعادتهم. الحارس: أعيش بكفاف وعفاف وزوجتي تحبني كما أحبها. الزبال: ربما أحيانًا عند مزبلة القناصين. الجزار: إن صوت ثغاء ذبح الشياه من أول الصباح من سعادة الحياة. علقّ المذيع: يتبعثرون في آهة غواية الدنيا "(). والملفت إلى النظر في النصوص أن الكاتبة تمكنت بجدارة من توظيف الشخصيات التاريخية العربية والأجنبية، مثل: شهرزاد، صلاح الدين، المأمون، نابليون، هولاكو، طاغور، بتهوفن وغيرها من الأسماء التي كان لها دور في حركة التاريخ وتغييره كما في قصة (لعاب) التي تقول: " أفاق المأمون ليطمئن على رعيته .. توافدت عليه الوفود من كل حدب وصوب. قادوه إلى بيت الحكمة في موكب جميل. اعتلى المنصة وأمضى وقتًا في التحديق بملامح الإقزام، وإحصاء جهودهم. خرج باكيًا .. حتى سال لعابهم "(). بهذا نرى الكاتبة عزيزة الطائي كتبت لنا مجموعة قصصية تضاف إلى المنجز العماني في هذا الجنس الأدبي الجميل والذي يعود بنا إلى المجموعة القصصية للكاتب عبدالعزيز الفارسي التي عنونها بمسامير.


القاص البحريني أحمد الحجيري

وللقاص البحريني أحمد الحجيري تجربة في كتابة هذا النوع من القصص، فبعد أن ضمن مجموعته القصصية التي أصدرها بعنوان: دخان الورد، بعض القصص القصيرة جدًا، جمع ما كتبه من نصوص قصيرة تحت عنوان (نصف وجه – قصص قصيرة جدًا)، ولكنه لايزال بين ملفاته الإلكترونية ولم يصدر في مطبوع ورقي، وفي مجمل ما كتبه من قصص قصيرة جدًا تهدف إلى نقد الواقع المعيش بأساليب متعددة، وعبر مواقف حياتية متنوعة، ومن قصص هذه المجموعة، قصة (نافذة): " المرأة العجوز التي نقلوها إلى شقة أخرى .. أصيبت بالكآبة بعد أن فقدت النافذة التي تطل منها على حركة الشارع الصاخب .. خوفا على ما تبقى من خيوط ذاكرتها الناضبة .. رسموا على حائط غرفتها منظرا لنافذة تطل على شارع مزدحم جديد ". وتحكي قصة (ديك الجن): " عادت في وقت متأخر من الليل مترنحة .. تسبقها رائحة زريبة حيوانات ممزوجة برائحة جنس وكحول رخيص .. نظر إلى كأس النبيذ الأحمر في يده .. قبّلها بعشق .. رسم بحد السكين خطاً طوّق نحرها .. وراح يرتشف بانتشاء من نبيذها القاني". وفي قصة (ضوء) يقول الكاتب: " فتحت الرّيح العاتية كوة في السقف المعادي للشمس .. فتطلّع الضّوء لأول مرّة مأخوذاً من خلالها إلى عيون مخلوقات رائعة يسمونها الأطفال ".

وفي الوقت الذي نرى أن قصر النص حجمًا، وتكثيف لغته، واتساعه دلالة، فإن عنوان أية قصة قصيرة جدًا يكمن في اقتصاد اللغة والمفردات، حيث هذا الاقتصار يشكل علامة اتصال نوعية بين الكاتب والمتلقي لما يحفز العنوان على المزيد من التأويل، وبخاصة أن " العناوين عبارة عن أنظمة دلالية سيميولوجية تحمل في طياتها قيمًا أخلافية واجتماعية وأيديولوجية "()، وهذا ما يجعلنا نفكر في علاقة نص القصة القصيرة جدًا مع القصة القصيرة من حيث التماثل الذي يتوافق بين النصين من وجود شخصيات أو سرد أو حوار أو وصف، وما يتصف بهما النصان من حضور السؤال، أو الدهشة أو توظيف الفنتازيا، وكذلك البقاء وأهمية النص، في ظل تحولات المجتمع المختلفة الذي لا شكك يؤثر على مجريات وتطلعات الكتاب والأدباء وعلى نصوصهم، الأمر الذي يؤكد أهمية تطور أي جنس أدبي وإن كان مختلفًا عن السائد.

والسؤال الذي يطرح نفسه، لم هذه القصص القصيرة جدًا؟ إننا نعتقد الذهاب إلى هذا النوع من الكتابة تعطي المتلقي مساحة أكثر نحو التأويل، والتحليل، والربط بما هو في الواقع المعيش الذي نحن نتحرك فيه بإرادتنا أو من دونها، وليدرك المتلقي أن هذه الومضات السردية التي تفوح برائحة الشعر حينًا والقص حينًا آخر، وتتمظهر لك نوع البناء الفني والجمالي، وفي الوقت نفسه تأخذ المتلقي ليقف على تداعيات الحياة، والمشكلات التي تحول دون تحقيق الأحلام، والتطلعات، لذلك تدرك في هذه المجموعة مدى صدق هذه المفردات التي تناشد العالم لمناقشة وضعنا المأساوي الحالم بالعدل والحرية، ومحاورة ما هو في المركز، والوقوف مع المهمشين في هذا الواقع الذين يحلمون بالحب الصادق، والعيش الكريم، والسعادة الدائمة، والاطمئنان على حيواتهم.

المصادر والمراجع:

  1. يوسف حطيني، القصة القصيرة جدًا بين النظرية والتطبيق، مطبعة اليازجي، دمشق، ط1، 2004.

  2. أحمد جاسم الحسين، القصة القصيرة جدًا، دار الفكر، دمشق، ط1، 1997.

  3. ليلى العثمان، قصص قصيرة جدًا، لا دار، الكويت، ط1، 2007.

  4. عبدالعزيز الفارسي، مسامير، بيروت، دار الانتشار العربي، 2006.

  5. يوسف خليفة، أفكار عارية، بيروت، الفارابي، 2007.

  6. عبدالعزيز الموسوي، طلقات، البحرين، دار فراديس، 2010.

  7. رانيا صالح وآخرون، يوم واحد من العزلة، البحرين، دار فراديس، 2013.

  8. فاطمة حسن الحلال وآخرون، خطاطيف، البحرين، دار فراديس، 2017، (صدرت في العام 2016، ولكن سجل عليها 2017)

  9. حسن البطران، مارية وربع من الدائرة – قصص قصيرة جدًا، دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، مصر (بوسعيد)، ط1، 2020.

  10. عبدالجليل الحافظ، ناي، دار الكفاح للنشر والتوزيع، الدمام، ط1، 2010.

  11. عبدالواحد اليحيائي، قصة حب، النادي الأدبي، الرياض، ط1، 2019.

  12. حسين على حسين، العِـقد، النادي الأدبي، الرياض، ط1، 2019.

  13. هاني الحجي، نساء متخشبات، مطبعة الحسيني الحديثة، الأحساء، ط1، 2016.

  14. عزيزة الطائي، ظلال العزلة، (ق ق ج)، دار فضاءات للنشر والتوزيع دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2014.

  15. بسام قطوس، سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، عمّان، ط1، 2001.

178 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email