القـــــــــــــــلادة





قصة قصيرة بقلم الأديب الهندي : بريم تشند


تعريف بالكاتب : يعتبر منسي بريم تشند (1880 ـ 1936) واحداً من أبرز الكتّاب في الأدب الهندي والأوردو الحديث . عاش معظم حياته في ظروف معيشية صعبة . أصدر في عام 1910 انطولوجيا القصة القصيرة الهندية . كتب أكثر من 300 قصة جمعها في كتاب بعنوان (مانساروفار) كما كتب 12 رواية ومسرحيتين . ترأس أول مؤتمر لرابطة الكتّاب التقدميين الهنود في عام 1936 . توفى بعد معاناة طويلة مع المرض في نفس العام .

ــــــــــــــ

زوجة بانديت بالاك رام شاستري ، وإسمها مايا ، إشتاقت لوقت طويل لقلادة من ذهب . في كثير من الأحيان كانت تطلب من زوجها اقتناء واحدة لها وكان زوجها يتهرّب من ذلك بعذر أو بآخر ، ولا يعترف أبداً بأنه لا يملك النقود الكافية لشرائها . الأعذار الواضحة كانت : إدخار الحُلي هو مرض ، صاغة الذهب يغشون ولا يحصل المرء إلا على نصف قيمة النقود التي يدفعها ، الحفاظ على الحُلي في المنزل يجلب اللصوص وهكذا . وكونها غير متعلّمة فأن مايا لا تستطيع الإجابة على هذه المبررات التي تبدو وجيهة . على الرغم من ذلك ، لم يمنعها هذا من تكرار الطلب خصوصاً حينما رأت نساء الجيران يتقلّدن كميات كبيرة من المجوهرات . لو أن بانديتجي بذل جهداً أكبر لأصبح بإمكانه تلبية رغبة زوجتـه لكنه لم يكن يؤمن ببذل جهد أكثر مما هو ضروري للمعيشة . كان يحب الحياة السهلة ويمضي معظم وقته في الأكل أو النوم وكان يفضل سخرية زوجته وتهكمها على إنقاص مدة النوم .


القاص والمترجم مهدي عبدالله

......................


في أحد الأيّام ، حينما عاد بانديتجي من المدرسة وجد مايا مرتدية قلادة كبيرة . لمعان القلادة كان يرتعـش أمام تورّد وجـه مايا الأكثر وضوحـاً . مندهشاً سـألها من أين حصلت عليها . " إنها مُلك زوجة جارنا " ردت مايا . " أحببتها جداً وأحضرتها للبيت لأريك إيّاها ، أرجوك إشتر لي واحدة مثلها " . بانديتجي حاول أن يوضّح لها مدى الخطأ في إستعارة مقتنيات الآخرين التي إذا فُقدت فما على المرء سوى أن يستبدلها وعليه أيضاً أن يتحمل الخزي الناتج عن ذلك . لكن عقل مايا كان في إتجاه واحد فأصرت على رأيها : " أريد قلادة مثل هذه القلادة بالضبط ، إنها تزن عشرين تولة فقط " . جادل بانديتجي مرة أخرى بأن من الحماقة تقليد الآخرين . القلادة سوف تكلّف ستمائة روبية على الأقل ، وإذا إفترضنا سعر فائدة مقداره واحد بالمائة فأن المبلغ سيرتفع إلى ألف روبية خلال خمس سنوات في حين أن القلادة سوف تستهلك في هذه الفترة بالطبع وتنخفض قيمتها إلى ثلاثمائة روبية . إن تحمّل مثل هذه الخسارة سيكون حماقة مطلقة . ونصحها بإرجاع القلادة وهو يهم بالخروج من البيت .

......................

قُطع سكون الليل بعنف على صيحات مايا المفاجئة " لص ، لص ، النجدة ، النجدة " . إستيقظ بانديتجي منضماً إليها في الصياح طالباً للنجدة . وسرعان ما تجمع الجيران .

أحدهم سأل : " أي جهة ذهب ؟ " . آخر صاح : " أحضروا فانوساً ، إذهبـوا إلى السطح " . بكت مايا بصوت عال . " أوه أنا مشلولة ، لقد سرق الوغد قلادتي " . مكملة قصتها سردت كيف إستيقظت فجأة لترى رجلاً ينحني فوقها ، وحينما صرخت " لص " ، فرّ الرجل آخذاً معه القلادة . عندما سمع بانديتجي أن القلادة المستعارة قد سرقت ، شحب لون وجهه بضراوة ، ووبّخ مايا بعنف بأنه من الخطر الاحتفاظ بالمجوهرات في المنزل . " لماذا لا تهتمي بالنصيحة الجيدة ؟ أنظري ماذا حدث الآن . "

هل سرق أي شيء آخر ؟ . بمساعدة الجيران تم تفتيش البيت بالكامل . لم يعثروا على اللص في أي مساحة ، ولم يسرق أي شيء آخر ، على ما يبدو . تعجب كل واحد كيف دخل اللص البيـت وكيف إستطاع الهرب ، ولماذا ترك كل شيء آخر دون مساس . أستمرت مايا في نحيبها : " سوف لن أهتم لو أن اللص سرق كل حاجياتنا لكن كيف سأواجه صديقتي بدون القلادة ؟ " . " ألم أخبرك بألاّ تستعيرين الأشياء من الناس ؟ " علّق بانديتجي محزوناً وغاضباً . " كيف سيعيد المرء مثل هذه القلادة الثمينة ؟ " . " سوف أخبر جارتنا ببساطة بأن القلادة سرقت " ردت مايا . " على أية حال لا يُتوقع من المرء أن يحاول أن يسرق قلادة ثانية لاستبدال القلادة المسروقة " بانديتجي لم يستطع أن يقدّر منطقها . " القلادة سرقت من بيتك " قال . " وعليك إستبدالها . كيف سيعرف الجيران أبداً إنها حقاً سرقت أم لا " . " نحن مشلولان " صرخت مايا . " من أين ستأتي كل النقود اللازمة لاستبدال القلادة " . " يجب أن نجدها ، " رد بانديتجي . " في آخر الأمر هو سؤال يتعلق بشرف المرء وسمعته ، لكن كم هو فعل أحمق ، إستعارة المجوهرات من الناس ! " . " إنني إمرأة تعيسة " ردت مايا وهي تذرف الدموع . " لا يوجد أحد أتعس مني . وأنظر إلى التدبير القاسي . لم يشهد حتى قلادة مستعارة أرتديها " . حاول بانديتجي تخفيف الأمر على زوجته بالقول بأنه لا فائدة مـن البكاء على اللبن المسكوب وينبغي عليها أن تخبـر صديقتها بأنه سيتم إرجاع القلادة .

......................

لم يكن بانديتجي متعوّداً على القلق . في الواقع لم يكن يعكّر توازنه أي شيء . لكن فقدان القلادة وحقيقة أنه يجب أن يستبدلها إذا أراد الحفاظ على سمعته جعلاه يقلق كثيراً . حياته الخالية من الهموم أضحت شيئاً من الماضي وراح طوال الوقت يفكر في طرق ووسائل لدفع الدين . وشهدت الأشهر الستة التالية تكفيراً حقيقياً للذنوب بالنسبة له . بانديت بالاك رام الذي لم يهتم ولو لمرة واحدة في حياته بأن يبحث عن المصادر العديدة المفتوحة لشخص من الطبقة الدينية العليا مثله لتحقيق أموال إضافية ، صار الآن يستفيد من كل مصدر . فمباشرة بعد الانتهاء من المدرسة كان يذهب لتلاوة الجيتا (1) على الناس . وحتى ساعة متأخرة من الليل كان يراجع أبراج الحظ لهم . وكان يستغل فترات الصباح في الذهاب إلى المعابد لالقاء تعاليم دورجا باث (2) .

......................

ذات مساء وبينما كانت مايا تستعد لإشعال المصابيح ، عاد بانديتجي إلى البيت . مستخرجاً علبة قال لها : " خذي هذا . تستطيعين أن تدفعي دينك الآن " . فتحت مايا العلبة ووجدت قلادة ذهبية بداخلها . لم تصدّق عينيها . فقد إشتاقت منذ زمن طويل لواحدة مثلها .

إنه حلم تحقق . " هل لازلت غاضباً علي ّ " قالت وعيناها ملتصقتان بالقلادة . " الدين يجب أن يُدفع " رد بانديتجي في نبرة مستسلمة. " أين يكمن الغضب ؟ " .

قالت مايا : " ليس هناك دين لاعادته " . فعلّق بانديتجي : " سمّيه إرجاع القرض إن شئت " .

فردت مايا " ليس هناك قرض لإرجاعه أيضاً . هذه هدية منك إليّ " . أنزعج بانديتجي . رأى مشاهد ستة أشهر أخرى من الكدح لتعويض القلادة المسروقة . لكن مايا بسهولة بددت مخاوفة . " القلادة لم تسرق " قالت ببساطة . " تلك كانت الطريقة الوحيدة التي استطعت التفكير فيها لجعلك تشتري لي واحدة " .

أطلق بانديتجي تنهيدة من الارتياح وبدت إبتسامة باهتة على شفتيه . وبدون أن يفصح عن مشاعره الداخلية قال : " الحمد لله أن مطلبك المستمر لوقت طويل قد تحقق لكن لا تستخدمي مثل هذه الحيل مرة ثانية " .

_______________________

  1. (1)الجيتا : كتاب هندوسي مقدس

  2. (2)دورجا باث : كتاب هندوسي مقدس

47 مشاهدة