القـفـص



قصة قصيرة بقلم : هنريتش بول Heinrich Böll

______________

هنريتش بول (1917 – 1985م) أديب ألماني حصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1972م. من كتبه (القطار كان في موعده) و (المهرج) و (البلياردو في التاسعة والنصف).

_______________

وقف رجل بجانب السياج ينظر مستغرقاً في الدغل ذي الأسلاك الشائكة. كان يبحث عن شيء إنساني لكن كل الذي رآه كان التشابك ، هذا التشابك المنتظم المخيف من الأسلاك ثم بعض الأشخاص الهزيلين الذين يمشون تحت و هج الحرارة تجاه المراحيض ، أرض قاحلة و خيام، أسلاك إضافية، أشخاص هزيلين إضافيين ، ارض قاحلة وخيام تمتد بعيداً إلى ما لا نهاية . في نقطة ما قيل أنه لا يوجد أسلاك أخرى لكنه لم يستطع أن يصدق ذلك . بدرجة متساوية من اللاإنسانية كان هناك الوجه الحارق و الجامد للسماء الزرقاء الممتقعة اللون حيث تطفو الشمس في مكان ما بنفس القسوة . تقلّص العالم بأكمله إلى حرارة مستشيطة ثابتة ، موضوعه في ما يشبه تنفس حيوان تحت سطوة الظهر . الحرارة التي تصب ثقلها عليه تشبه برجاً مرعباً من النيران العارية التي تبدو أنها تنمـو و تنمو و تنمو .

لم تلتق عيناه بأي شيء أنساني و خلفه استطاع أن يرى ذلك بوضوح أكثر ، بدون الالتفات حوله ، كان رعباً مطبقاً . كانوا يستلقون هناك ، الآخرون ، حول ساحة كرة القدم مصطفين جنبا إلى جنب كالسمكة البالية و بعدهم تأتي المراحيض النظيفة الدقيقة ، و في مكان ما على مسافة بعيدة خلفهم كانت هناك جنة أيضاً : الخيام الفارغة المظللة محروسة برجال شرطة التغذية .

ما أهدأ ذلك، ما أعظمها من حرارة !

فجأة أحنى رأسه كما لو كانت عنقه تنكسر تحت ضربة مطرقة نارية ، و رأي شيئاً أفرحه : الظلال الدقيقة للسلك الجارح على الأرض القاحلة . كانت تشبه زخرفة الأشجار الجميلة للأغصان المجدولة، رهيفة و جميلة ، و بدا له بأن الظلال لابد أن تكون باردة إلى ما لا نهاية ، تلك الزخارف الدقيقة جميعها متصلة ببعضها البعض ، نعم إنها تبدو مبتسمة ، بهدوء و سكون . انحنى إلى الأسفل و بعناية وصل إلى ما بين الأسلاك ليلتقط واحداً من الأغصان الجميلة ، حمله إلى و جهـه وأبتسم كما لو كانت مروحة قد هبت أمامه بلطف . ثم مد كلتي يديه ليجمع تلك الظلال الحلوة . نظر شمالاً و يميناً إلى الدغل فشحبت الابتسامة الهادئة في عينيه . موجة متوحشة من الرغبة توهجت ، حيث أبصر زخارف صغيرة لا معدودة التي حين تجمع لابد أن توفّر كمية أزلية من الظلال الثمينة الباردة . بؤبؤتا عينيه اتسعتا كأنهما على وشك الانفجار من سجن مقلتيهما . بصرخة عارمة غاص في الدغل و كلما أصبح مقيداً أكثر بالأسلاك الصغيرة الجارحة كلما ضرب بوحشية أشبه بذبابة في شبكة عنكبوت في الوقت الذي يحاول امتصاص أغصان الظلال الحادة بيديه . كانت ضرباته قد أصبحت خافتة مع مجيء رجال الشرطة المطعمين جيداً لتحريره بقاطعات الأسلاك التي يحملونها .

٣٦ مشاهدة