القلعة



نحن محاصرون في القلعة.

هذه القلعة حُوصرت أكثر من عشرين مرة خلال السنوات الماضية، لكن لم يتم الاستيلاء عليها بالقوة، فجدرانها مبنية على أرضٍ شديدة الانحدار، وهنا سورٌ عال بارتفاع أربعين قدماً تقريباً، له متراسٌ على طول أعلى السور، خلف أبراجٍ وكوى رماية عميقة.

القلعة بُنيت على ارتفاع 2100 متر، بطريقة أن لا يكون لها إلا طريقٌ واحدٌ يصل من وإليها، ويلفّ على منحدر خطير. كانت القلعة حصينة جداً، أو هذا ما اعتقدناه.

أمام سور القلعة العظيم كانت توجد مساحة من الأرض المنسبطة، التي تفصل السور عن السور الخارجي، أن أي غزاة يستطيعون عبور السور الخارجي سيقعون في شرك منطقة الموت هذه، حيث يقوم المدافعون بامطارهم بالحجارة والرماح والزيت المغلي من فوقهم.

كان ارتفاع السور الخارجي نحو خمس وعشرين قدماً، والوصول إليها يتطلب اجتياز سلسلة من العقبات، أولاها خندقٌ عميقٌ عرضه ستون قدماً، وعمقه نحو خمس عشرة قدماً، ويمكن أن يغمر بالمياه ليتحوّل إلى خندق مائي، وبمجرد أن يعبر عليه أي أحد، سيجد نفسه واقفاً على أرض مكشوفة أمام السور الخارجي حيث يتم رميه بوابل من السهام والقذائف الأخرى من كلا السورين والأبراج.

عبدالقادر عقل

في القلعة سردابٌ تحت الأرض طوله ألف وسبعمائه قدم ليوصل مياه النهر إلى داخل القلعة، كما بها أماكنٌ لتجميع المؤن والغلال، وتحتوي على مخرن للطعام بما يكفي لحصار طويل، ومستودع للمعدات العسكرية للصمود أمام الهجمات التي قد تتعرض لها، كذلك بئرٌ يوفر المياه العذبه لسكان القلعة، وهناك قنوات تقوم بتخزين مياه المطر لتوفير مصدر للمياه أوقات الحصار.

يبلغ ارتفاع السور الداخلي للقلعة نحو أربعين قدماً، ومدعم بأبراج يبلغ ارتفاعها ستين قدماً، وتبلغ المسافة بين كلّ برج وآخر نحو مائة وثمانين قدماً، وتوجد في الأبراج فتحات على شكل مستطيل يتم من خلالها رمي السهام، وكانت المداخل الخارجية مزوّدة بجسور متحركة، لها بوابات مصنوعة من الحديد أو الخشب، يتم انزالها لتغلق المدخل الذي كان في معظم الأحيان مغلقاً أمام أي غريب.

بعد حصار دام ثلاثة وخمسين يوماً شعر الجميع بأن المدينة ستسقط لا محالة، ولن تتمكن من الصمود لفترة أطول. وكان واضحاً أن الغزاة يعدون لهجوم كبير، فقد جرت المدافع وآلات الحرب الضخمة قريباً من أسوار القلعة ونشروا راية الحرب السوداء، وبدأت منذ الصباح طبول الحرب تقرع استعداداً للهجوم على القلعة.

أمر قائد القلعة بتثبيت ثلاثة مدافع ضخمة على أسوار القلعة، ورفع الأعلام الحمراء فوق الأبراج، وأمر باشعال النيران، لاعطاء انطباع بوجود حامية ضخمة تستعد لمقاومة الغزاة، وبدأ يوجه كلامه للجنود اليائسين:

" ستكون حرباً من دون رحمة، سبعة آلاف مقاتل منا في مواجهة نحو مائة ألف من الجنود القساة، سيحاولون اقتحام القلعة واخضاعها، ولا خيار لنا إلا الموت أو الاستسلام".

كانت المدفعية لا تهدأ في رمي القذائف لدكّ الأسوار والتحصينات من مواقع مختلفة، وكان لصوتها الرهيب دورٌ كبيرٌ في ايقاع الرعب في قلوبنا، وجراء ذلك القصف تهدمت أجزاء كبيرة من السور والأبراج، وامتلئت الخنادق بالأنقاض التي يئس المدافعون من إزالتها، وأصبحت إمكانية اقتحام القلعة واردة في أي لحظة.

سرت إشاعة قوية بأن العدو يستخدم منجنيقاً خاصاً لرمي الأفاعي السامة والعقارب والجثث والحيوانات الميتة لإصابة المحاصرين بالأمراض، وأنهم يقومون بإلقاء الجثث المصابة بالطاعون علينا.

فجأة اندفعت ألوف السهام نحو القلعة، وبدأوا يطلقون قذائف على هيئة كرات من الحجارة من أربعة عشر منجنيقاً دون توقف، قذفت حزماً ملتهبة من العصي والأغصان المغموسة بالكبريت والزيت، مما أدى إلى اشتعال النيران في أماكن متفرقة من القلعة.

واستمر اطلاق المجانيق والنبال والحجارة دون توقف وعلى نطاق واسع، وأحدث ثقل الحجارة وقوة اندفاعاتها ثغرات كبيرة في القلعة، ورافق هذا الهجوم الوحشي قرع الطبول، وصراخ العدو المرعب، وصيحاتهم الحادة.

دبّ الرعب فينا من بطش العدو ، وأدركنا أن انتقامهم سيكون رهيباً، فتأهب الأهالي للدفاع عن أنفسم حتى الموت.

وصلت الأخبار بسقوط القلعة، واقتحام آلاف الجنود الذين كانوا يتقدمون كالسيول الجارفة في جحيم من النيران، غير عابئين بالأكوام من جثث قتلاهم.

سكان القلعة الذين أصيبوا بالذعر بدأوا في تأدية الصلوات الجماعية طلباً للعون من الله، كما لو أن هذا اليوم سيكون يوم الهلاك العظيم.

صعدت الصلوات إلى السماء، واستعد الجنود لملاقاة الأعداء والدفاع عن القلعة.

كانت النساء والاطفال والعجائز يتدافعون في خوف لعبور النفق قبل وصول العدو. بدأنا في الهروب والاختفاء في السردايب والخنادق. صرخت أمرأة مذعورة بأعلى صوتها: لتعلموا انهم يُشكون الأطفال في سفافيد، ويلتهمونهم مشويين..انجوا بأنفسكم.

قيل لنا أن جنود العدو بلا قلب، وهم يخربون كل ما يصادف في طريقهم، ويبيدون أهل المدن، يقتلون الآلاف، ويحرقون البيوت والزرع، ويسلبون المواشي، ويسبون النساء، ويبيدون أهل المدن، لا يفرقون بين طفل وكهل، الكل عندهم سواء، ولا عهد لهم مطلقاً، ولا أيسر عندهم من نقض العهود واخلاف المواثيق، ويفعلون الفواحش مع النساء بحضور أهلهن، ويشقون بطون الحوامل، ويقتلون الأجنة في بطون أمهاتهن.

لهم وجوه كالحة، وسحنة نارية قبيحة ليس لها مثيل بين البشر، يثيرون الاشمئزاز والرعب، عيونهم صغيرة سوداء ومدفونة بعمق في الرأس، وأنوفهم مسطحة، وشعرهم أسود صلب، وأجسامهم ممتلئة ومنتصبة على الدوام، وأطرافهم قوية ومكتنزة، ورقابهم غليظة وصلبة، وأكتافهم عريضة، وعضلاتهم بارزة.

يركبون الخيل ببراعة لا مثيل لها، ولا يعرفون الخوف ولا الرحمة، ولا يتفوق عليهم أحد في استخدام القوس والسهم، ولا يفوقهم شعب على وجه الارض في الجلد وتحمل الشدائد، وتحمل أنواع العذاب والحرمان، لا شيء يقف في طريقهم، كل الممالك تنهار أمامهم خلال أسابيع قليلة.

الآن جاء دورنا.

قتلوا الرجال والأطفال وهتكوا أعراض النساء، وبقروا بطون الحوامل، وقتلوا كل حي رأوه، ولم يسلم منهم إلا من اختفي في باطن الأرض، أو تصنع الموت، ونام بين الجثث.

كنا نركض وصراخنا يعلو السماء، وكانت جثث القتلى في الطرقات كأنها التلول.

عمت رائحة النتن من اللحم المحروق من مئات الجثث في المدينة وداخل الأسوار، والدم جرى في البالوعات ملوّناً مياه القلعة، مئات الرؤوس المقطوعة ووجوهها نحو الأعلى، أخذوا الرجال والنساء أسرى حرب، وسرقوا البيوت ونهبوها حاملين الغنائم.

لم يستطع أحد أن ينجو بنفسه، ونزلوا فينا قتلاً دون رحمة، ثم كدسوا جثثنا حول شجرة دلب ضخمة في وسط القلعة وأوقدوا فيها النار. لم يرحمنا أحد، ولم ينجنينا أحد.

73 مشاهدة