الكاتب وفعل الكتابة


كانت ولا تزال وستبقى هموم الكتابة الإبداعية تكابد خلجات المبدع بين والحين والآخر، ومن يعتقد أن الكتابة عامة والإبداعية بخاصة هي مذاق يمكن لنا تذوقه بين الحين والآخر فأعتقد لم يقارب هموم الكتابة ومدى تفاعل صاحبها معها وبها ولها، ولأن الكتابة الإبداعية فيها هواجس كثيرة وفق ما يتصف به الكتاب من وعي وثقافة ومواهب، من هنا استحسنا طرح مجموعة من الأسئلة تتعلق بعملية الكتابة، وكيف نفكر بها على أعضاء مختبر سرديات البحرين ، وهي: هل نكتب باللغة أم بالمعنى؟ هل نكتب ما نفكر فيه في الآن أم كان مسبقًا؟ هل الكتابة تسبق التفكير أم العكس؟ ولم؟ من يكتب من؟ هل أنا أكتب النص أم النص يكتبني؟ هل كتابتنا تتخللها أيديولوجياتنا؟ ولم إذا كان نعم؟ ما علاقة الكتابة بقراءة كاتبها؟ لم نكتب؟ هل لإرضاء أنفسنا؟ هل لأننا لدينا أفكار نريد ارسالها للآخر؟ ومن هو هذا الآخر؟ هل نكتب ترفًا أم رغبة أم قناعة أم بناء؟ كيف أؤكد أن هذه الكتابة تشكل بعدًا تنويريًا؟ إذن ما مفهوم التنوير في الكتابة عامة والإبداعية بخاصة.

وقد تفاوتت المداخلات وتباين بعضها وتعاضد بعضها مع البعض الآخر، حيث بدأ الروائي جعفر سلمان الحديث بالقول: نكتب المعنى وباستعمال اللغة، فاللغة مجرد ناقل للمعنى، نستعمل منها ما يفيد المعنى فقط، نحن نكتب ما تراكم عندنا من فكر، وهو ما نفكر فيه الان، وما تجمع عندنا الان. أما التفكير فهو يسبق الكتابة، فالكتابة ليست سوى مظهر من مظاهر التفكير، والكتابة علة وجودها التفكير ، وفيما يخص النص الذي يكتب الكاتب، باعتباره المظهر للكاتب نفسه، والمظهر لما خفي بين صفحات عقله ونفسه وقلبه، وأكد على حضور الايديولوجيا في النصوص، فهي أحد مكنونات النفس والعقل، وأحد تركيبات الشخصية، وكون أحد مفاعيل النص اظهار خبايا النفس والعقل فستكون النتيجة اظهار للأيديولوجيا. كما أوضح أن الكتابة فعل تعبيري يعكس ما في داخل الكاتب، فهي فعل يظن الكاتب أحيانًا أنه مسيطر عليها تمامًا ليكتشف بعد انتهائه منها أنها كتبته وعبرت عنه.


د.فهد حسين

وبخصوص تجربته يشير بالقول: أنا أكتب لعشق للكتابة، ولإيصال أفكار، أو إحداث تغيير ما، أكتب وكلي أمل أن يكون القارئ مختلفًا عنه قبل أن يبدأ القراءة، ربما يقتنع وربما يعرف فقط أن هناك من يختلف معه، وطالما عبرت في كتاباتي عن التنوير كما أراه، فمفهوم التنوير يختلف من كاتب لآخر، فما أراه تنويرًا قد يراه آخر ظلامًا، فالتنوير لا يمكن تعريفة بتعريف يتفق عليه الناس.

وقد اعقب القاص والشاعر جعفر الديري قائلاً: اتصور أن هناك نوعين أو صنفين إن جاز التعبير من الكتّاب، كاتب لا يجد سوى الكتابة أمرًا ملائمًا لحياته، ومثال على ذلك مقالة أدبية هي أقرب للقصة كتبها توفيق الحكيم يتصور فيها أنه يتحاور مع ملاك يسلب منه كل شيء لأنه اختار أن يكون كاتبًا.. أما الصنف الآخر فيكتب تزجية للوقت أو للشهرة أو محبة للجمال. أو خدمة لمبدأ يؤمن به، لكن في النهاية لا تشكل الكتابة محورًا لحياته.

ويتناول مقود الحديث القاص والروائي فيصل هيات مؤكدًا بأنه بات يؤمن أن بعضاً من الكتّاب إنما هم امتداد لسلف ربما لم يبصروه، فبعد وفاتها بسنوات طويلة، عرفت عن طريق خالي أن جدتي لأمي كانت شاعرة، لذلك فالكتابة هي *استجابة لنداء روح* نُسخت فيك بأمرٍ من قانون الوراثة وانتقال الجينات، وعليك أن تستجيب باكرًا أو متأخرًا .. أو أن تتجاهل هذا النداء الواعد، المصيبة الكبرى أن أغلبنا لا يبحث في تاريخه الشخصي ليفهم نفسه، ويلتقط بروحه نداء الروح المنسوخة فيه، وهذا يأخذنا إلى سؤال: هل نكتب ما نفكر فيه أم كان مسبقا؟ ففي ظني أن الكتابة ولسنوات طويلة تكون تلبية لنداءات الروح، فنظل نكتب بلا تخطيط حتى ننجز المهمة، وبعد حين تتملكنا الدهشة، وعبر، كيف كتبنا ذلك النص؟ وكيف كان بهذه التلقائية والفطنة والجمال من دون أي تخطيط مسبق!؟ ثم بعد سنوات وتراكم التجارب وصدمات الحياة وتشكل الفكر، ننتقل إلى مرحلة التخطيط المسبق، لأن كتاباتنا تكون موجهة لتحقيق غاية ما..

ووفقًا لذلك، يكتبنا النص في البدايات ثم نكتبه بعد التمكن، أما هل كتاباتنا تتخللها أيديولوجياتنا؟ فإنني أعتقد أن الإجابة نعم، أما لِمَ، فلأننا نتقمص دور المبُلِّغ المحمول بهم تكليفه، وبخصوص العلاقة بين الكتابة وقراءة صاحبها فإنها تنطلق في مسارين كما أظن، أي عبر توسيع أفقه ومداركه الكتابية بالتعرف على أنماط متعددة من تقنيات الكتابة أولاً، ثم بتغذية عقله وربما روحه بزاد يكون وقوده للكتابة. ولكن يبقى لم نكتب؟ هل لإرضاء أنفسنا؟ أم لأننا نملك أفكارًا نسعى لإرسالها؟ ولمن؟ وهل نكتب ترفًا أم رغبة أم قناعة أم بناء؟ فكل تلك الأسئلة كما أظن متصلة بقوة النداء الداخلي الذي يتحرك فينا، وفيما يتعلق الأمر بي أنا شخصيًا، فأكتب لأني منصت منذ طفولتي لهذا النداء الذي سكن روحي، لم يكن ترفًا، بل تلبية واستجابة، وربما ليقيني أن الكتابة ضرب من التبليغ واستكمال سيرة بدأت مع تمام الرسالة المحمدية.

ويخوض غمار الحوار القاص عباس عبدالله مجيبًا بالقول: أكتب باللغة طبعًا، ولكني أحرص على تنوعها من دون الاكتفاء بإيصال المعنى، لذا أحاذر من تكرار ذات المفردة الدالة على المعنى نفسه. بل نحن نكتب ما نفكر فيه في الآن، وما كان في السابق، وأن التفكير يسبق الكتابة دائمًا؛ لأن الكتابة عندي فعل لاحق بالتفكير. وفيما يتعلق بسؤال: من يكتب من؟ هل أنا أكتب النص أم النص يكتبني؟ فقد أكد على أنه يكتب النص، ولكن في أحيان يسحبه حيث يريد فينصاع له مع المقاومة طبعا. أما حضور الأدلجة في الكتابة فيقول: مؤكدًا على وجودها، ونادرًا من يحاول الفكاك منها، فهي المخزون الفكري والمغذي الأكبر للرؤية.

وعن الكتابة وعلاقتها بقراءة كاتبها، فقط أشار إلى أن القراءة تشكل الفكر والوعي فلا تنتظر ممن يغرق في كتب معينة أن يأتيك بما يخالفها الا نادرًا، وأظنها حالة خاصة للذين يقرؤون لإثبات المخالف لما بين أيديهم، وهنا نقف على السؤال: لم نكتب؟ هل لإرضاء أنفسنا؟ هل لأننا لدينا أفكار نريد ارسالها للآخر؟ ومن هو هذا الآخر؟ هل نكتب ترفًا أم رغبة أم قناعة أم بناء؟ هنا أقول: أكتب لمتعة الكتابة، وأكتفي بها على الرغم مما يتعبني في بعض الكتابات التي اجتر بها الخيبات والمرارات، أما كيف أؤكد أن هذه الكتابة تشكل بعدًا تنويريًا؟ فأعتقد، إذا وجدت فيها ما يفتح عيني على أمور ويبعث فيها الشك أو يوصلني لليقين. من هنا فالتنوير في الكتابة عامة والإبداعية بخاصة هو خلق الوعي وتوضيح الأمور بالمنطق والعقل بأسهل الطرق.

لكن فيصل هيات بيّن أيضًا أن الحديث عن الكتابة، وهل نكتب لمتعة الكتابة ونكتفي بها؟ فهذا أمر مهم جدًا، ويتطلب نقاشًا طويلاً لما له من تباين في وجهات النظر، إذ أرى أن متعة الكتابة ليست غاية في حد ذاتها، الأمر الذي جعل عباس عبدالله يعقب أيضًا بقوله: نعم أستاذ فيصل أكتب لمتعة الكتابة فقط، وقد نشرت لي قبل سنوات عشرات القصص في الجرائد المحلية وكذلك الدوريات التخصصية في الأدب في بعض الدول الخليجية والعربية فلم أجد متعة في ذلك لهذا توقفت عن النشر وللأمانة أقول أنني تلقيت من بعض الاصدقاء والمهتمين عروضًا لطباعة ونشر مجموعات قصصية لي يتحملون كافة مصاريفها، ولكني سوفت وتهربت منهم، لأن غايتي من الكتابة هي الكتابة ولا شيء سواها.

وهنا انبرى الدكتور علي خميس الفردان القاص والشاعر ليدلو بدلوه فيما طرح من أسئلة وما دار من حوار، فقال: أشعر بفكرة تراودني وأنا اتناول فطوري أو مستيقظًا من نومي لأشرب جرعة ماء أو أثناء قيادة سيارتي. تلمع وتتدلى أمامي. أمسك بها كحمامة بيضاء. أصب مفتاحها أو أكتب مسودتها على ورقة، أو في هاتفي. ثم اتركها. ثم أعود لها بعد ساعة أو يوم أو شهر، فأجدها كبرت وترعرعت. أكتبها ثانية، وكأنها اكتملت، وأضع تحتها تاريخ تدوينها، ثم أضعها في سلة الأفكار الجميلة، وقد أنشرها هنا أو هناك، هذه الكتابة قد تكون شعرًا أو قصة أو مقالة.

وغالبا أفكر بالفصحى، لكن الفكرة أحيانًا مذاقها عامي، فليكن، فهذا لا يهمني، فكل مولود له طبيعته، لا دخل لي في الطبائع. وسرد رأيه حول الكتابة والفكرة مشيرًا إلى أن الفكرة تسبق. فالكتابة لون من قوالب التجسيد والحفظ. والفكرة كيان قائم حفظته في قالب الكتابة، أو في الذاكرة. إنما الكتابة الحبرية وبعدها الإلكترونية وسيخترع الإنسان الكثير من قوالب وأوعية الحفظ. وتبقى خاوية بلا فكرة. بينما الفكرة قائمة في العقول.

أما الأفكار في أي صورة تجيء هي منتج ثقافي. والأيديولوجيا مكون أساسي وموثر في الثقافة. بل لم أجد كاتبًا قط لا يصدر عن تأثير أديولوجي. حتى الكاتب العدمي والعلماني والحداثي والشيوعي والرأسمالي. فكلهم يستندون لأيديولوجيا ولو كانت أيديولوجا ألا أيديولوجيا. وفيما يتعلق بي فأنا أكتب لأنها تشكل امتدادي الفكري والروحي والوجداني. وتمثل الجانب الجميل الممتع من الحياة. فالكتابة هي علاقتي المنظورة مع الكون والوجود. هي النبض الذي يؤكد وجودي واستمراريتي، وعندي أن كل نص يحمل رسالة تهدف لإزاحة غشاوة، أو لتأكيد قيمة جمالية ترتقي بالذوق الإنساني، أو لتكشف عما وراء سلوك ما، لذلك فيما يتعلق بالتنوير في تظري هو النية الإيجابية المطلقة.

كما شاركنا في الحوار الروائي والمترجم رسول درويش قائلاً: نحن نكتب المعنى ونضعه في قالب لغوي، ونقوم بالإعداد والتحضير اللذين يسبقان الكتابة، وغالبًا ما تأتي الأفكار لوحدها تباعًا، لأننا نعتمد في كتابتنا على المعرفة/ الخيال، ولذلك فالتفكير يسبق الكتابة، ولكن يأخذ القلم الطليعة في التعبير لاحقًا، لذلك إذا كتبتَ النص فهو منتج طبيعي، وإذا كتبك النص فهو منتجٌ إبداعي، وهما يحدثان معا خلال الكتابة، وعن حضور الأيديولوجيا، فأغلب الكتّاب تتضح أيديولوجيتهم من خلال كتاباتهم، لأن الكتابة رسالة، والكاتب يريد أن يوصل فكرته ورسالته، وهناك مثل أمريكي جميل يلخص هذا: tp write, must read، وحول طبيعة الكتابة فيقول: أكتبُ لكي أحقق ذاتي، كما بقية الفنون؛ فالمسرحي يحقق ذاته من خلال المسرح، والناقد يحقق ذاته من خلال النقد، لكن توجه الكتابة لغاية التنوير الذي هو (enlightenment) فمنذ أن قرأت (مدخل إلى التنوير الأوربي)، علمتُ أن هذا المصطلح استخدم قبل وبعد حروب النهضة بين البروتستانت والكاثوليك، ولكن إذا كان القصد (الوعظ والإرشاد) في الكتابة، فلا أظن أن السرد معنيٌ بذلك، وهنا تداخل علي خميس الفردان معقبًا: العالم كما يتناسل الجينات يتناسل الأفكار والمشاعر والفرح والحزن والمخاوف. ولأن الإنسان كائن مبدع. يوجه مخزون الحزن والألم من الذات نحو الآخر فيقيم بذلك أجمل حضارة، كما عقب الشاعر كريم رضي قائلا: جميل جدًا فكرة نداءات الروح، بالعفل فجزء كبير من الفن تلبية لظمأ داخلي ورثناه من جد حرفي على الخشب أو حكواتي أو جدة ملاية أو قاصة حزاوي أ أب أو أمي لكن يحب يسمع ويتخيل.


الروائية شيماء الوطني

أما مداخلة القاصة والروائية مديرة منصات المختبر التواصلية شيماء الوطني فقالت: الكتابة تكون علاقتها تكاملية ما بين اللغة والمعنى، وعند الكتابة والتفكير، الأمر يعتمد أحدهما، بمعنى قد يسبق الآخر في كل مرة أو يكونان الاثنان متلازمين؛ لأننا أحيانًا نكتب ما نفكر فيه، وأحيانًا نفكر قبل أن نكتب. لذلك أجزم أن لكل نص ظروفه، فهناك نص أكتبه، وهناك نص يكتبني. ولكن هل الكتابة تدخلها الأيديولوجية؟ فإن هذا شيء مؤكد، والكاتب المحترف هو من يستطيع تنحية أيدولوجياته، ولكن على الكاتب أن يعي أهمية العلاقة الوثيقة بين كتابته وقراءاته المتعددة، حيث الكتابة نتاج ما يقرأه الكاتب، وأن الكتابة رغبة وقناعة، أما من يكتب لأجل الترف فإن كتابته تكون سطحية ومجرد قشور ، في الوقت الذي تؤكد الكتابة على العمق في المعنى، والتأثير ، وكلما كانت الكتابة تحمل وعيًا، فلا شك أنها تسهم في مفهوم التنوير الذي هو الإتيان لأمر غير مسبوق، قد يغير ما هو من الثوابت، فالتنوير في الكتابة الإبداعية قول ما هو معروف بطريقة مغايرة تجعل منه قولاً مختلفًا ومميزًا.

وبمجرد انتهت شيماء الوطني حديثها قدمت القاصة والباحثة في التراث الشعبي زهراء المبارك مداخلتها مشيرة إلى أننا نكتب بالمعنى أولا ثم اللغة، كما أنه أحيانًا تولد الفكرة فتنطق الحروف في حينها، وأحيانًا نستحضر ونرتب ونهيئ قبل البدء، لذلك فالكتابة لا تسبق التفكير، لأن ما يلح على تدفق القلم هو التفكير فيما نريد أن ننقله من الذهن الى الورق، من هنا فأنا أكتب النص فيتلبسني، وفيما يتعلق بالأيديولوجيات، فقد أكدت على حضورها بشكل أو بآخر، ولكن كتاباتي ومشروعي في النتاج من خلال القصص أو البحث والكتابية في الموروث الشعبي، حيث هدفي هو الوصول لقلوب الآخرين؛ لأنه هو الشريان المتصل بيني وبينهم. وبخاصة أن الكتابة تترجم ثقافة الإنسان، ومدى اتساعها وفهمها وهي آلية الفصل بين التنوع والارتقاء والأفضلية والجمال، لذلك فنحن نكتب، لأن ما في قلوبنا وفكرنا يعجز اللسان عن نطقه، من هنا

نكتب لأننا نريد أن نصافح الآخرين بفكرنا من أقصاها إلى أقصاها من خلال كتاباتنا، فإننا بحسب تصوري نكتب رغبة وقناعة وبناء، لذلك حينما نفكر في مفهوم ما نريد إيصاله كمفهوم التنوير فيكون منطلقًا من وعينا وثقافتنا، لذا فالتنوير في نظري هو تفتق الفكر بالمعرفة والقلب بالاختيار، وأمة لا تقرأ هي أمة لا تمنح نفسها البحث عن الجمال.

وعلى هذا قدم القاص والروائي الدكتور جعفر الهدي مداخلته والإجابة عن الأسئلة التي طرحت منطلقًا في المداخلة بوضع العلاقة الإشائكة بين اللغة والعقل، قائلاً: هناك ثلاثة رموز أساسية حينما نتحدث عن علاقة اللغة بالعقل وهي: الأصوات، والمعاني، والذاكرة، وتبرز عدة أسئلة ومنها ما يتعلق بعلاقة اللغة بالعقل، هل اللغة سابقة للفكر؟ أم هي جزء منه؟ ففي الواقع هناك اتجاهان في مجال تشخيص علاقة اللغة بالعقل: الأول يرى أن اللغة جزء من العقل، لا تنفك ولا تنفصل عنه، وبالتالي فإن الذاكرة ترتبط بهما ارتباطًا كاملاً. وهذا الاتجاه يرى ببساطة أن اللغة ولدت بولادة الإنسان وأصبحت جزءًا من تفكيره وذاكرته، وأبرز فلاسفة هذا الاتجاه "هاملتون" الذي يقول: إن الألفاظ حصون المعاني. وهذا يعني إن هذا الاتجاه يجيب عن سؤال الدكتور فهد بأن اللغة جزء من التفكير، وهي الأداة التي تسجل المعاني وتحفظها في الذاكرة البشرية من جيل إلى جيل.

ويقترب هذا المعنى من قول الجاحظ الذي ذهب إلى أن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وجودة السبك" بينما يرى الاتجاه الثاني أن اللغة والعقل أو التفكيرين أمران منفصلان، ويدعي أصحاب هذا الاتجاه أن اللغة قد تعجز عن التعبير عن بعض المعاني، وأن الأفكار الجميلة هي التي لم تكتب بعد، هذا الاتجاه يعتقد أن الإنسان يبدأ في تكوين تصوراته ثم يتعلم اللغة للتعبير عن هذه التصورات، فالتصور أو التفكير يسبق اللغة وهو ليس جزءًا منها، أنا في السرد فتجتمع التصورات والحروف والذاكرة لتشكل عالمًا موازيًا من المعاني المختزلة في ذهن فرد من البشر يتمكن من وضعها في قالب إبداعي مشوق.

كما قدمت القاصة زكية شبر مداخلتها بالقول: عندما نكتب فنحن نشتق المعنى من اللغة، لأن اللغة هي النبع والرفد والمرفد و الأم، ونحن نستقي المعنى من اللغة، فكيف للحرف أن يحمل معنى دون أن يكون منتميًا للفكرة أو الشعور، لذلك أجد التكامل بين المعنى واللغة هي علاقة شمولية، وأكاد أجزم أحيانا أن اللغة لا تسعفني لأجد المعنى، لذلك قد نقول أحيانًا لا أستطيع أن أعبر عما يختلج بالصدر، وهذا ليس نقصًا باللغة، ولكن المعنى قد يختلف فيه الاشخاص، وهنا أقصد التفسير .

وقد ابحث عن المعنى في اللغة، لذلك قد نجد التمثيل و الموسيقى مثالاً واضحًا للتعبير عن المعنى، فهما لغتان لمعان مختلفة، كما أن الأمس واليوم وهاجس الغد، هي مكون زمني لا نستطيع الانفصال عنه، فعندما نكتب، فنحن نكتب اللحظة مستشهدين بتجارب الأمس دون أن نعي ذلك أحيانًا، لذلك لا كتابة دون فكر، فالفكرة هي المكون الأساسي للكتابة، وقد تكون الفكرة حالة شعورية أو لا شعورية، ولكن حينما نسأل: من يكتب؟؟ فالأمر يختلف الوضع بحسب نوع النص المكتوب، والحالة الشعورية، فان كانت مقصودة (كالكتابة لمناسبة معينة) فهي مخطط لها ومنتقاة، ولكن هناك بعض الكتّاب الذين يذكرون هذا التعبير أن النص يكتبني ولكن غالبًا بحسب قراءتي أن كتابة الرواية الافضل أن يكون مخطط لها، وتكتب بشكل دقيق ليكون النص متناسقًا.

أما من نحن؟؟ فإننا مكون أيديولوجي بامتياز، فالبيئة والثقافة المجتمعية هي النسيج الأصيل لتكويننا، وكذلك قراءتنا وطريقة تفكيرنا وخليط المكون القيمي والسلوكي و الفكري، كل هذا هي عناصر مهمة جدًا لكل حرف نخطه أو نفكر فيه، لذلك فالعلاقة وثيقة جدًا بين ما نقرأ وما نكتب، لأن الكتابة رئة ثالثة، ومتنفس وحياة أخرى ننقلها للآخرين، وكون الانسان كائنًا اجتماعيًا مفكرًا، فهو يكتب لهدف، وتختلف الأهداف باختلاف الثقافات والأديان، كما أن الكتابة مسؤولية كبيرة، فنحن مسؤولون عما نكتب، وهو إرث للأجيال .