الكتلة الحرجة


هوراس يقرأ على مايسينا، بريشة فيودور برونيكوڤ


قرأتُ في ستينيات القرن الماضي ما يسميه النقد الإنكليزي، الرقعة الأرجوانية، وعندما بدأت أفكر في ما أحبُ تسميته بالكتلة الحرجة/ القلقة، عرفت أن أول من قال بالرقعة الأرجوانية هو هوراس في كتابه الشهير «فن الشعر». وكان يقصد به ما يتميز في نص الشاعر من كتابة تلفت القارئ، بأسلوب ولغة بارزين. وظني أن هذا ما تطور في ما لحق من الأدب، واستخدمه النقد الإنكليزي في مصطلحاته الحديثة.


في الشعر


هي الكلمات المتواليات في سرد متواصل، يستلهم صوره من الشعر، دون اكتراث بيّن بالموسيقى. فيتصل مستهل الكتلة بما قبلها من الدلالات، متحرراً من المعنى المباشر، ويتوهج النص بما يتفجر من الصور في الكتلة، وللنص أن يستمد شعريته مما يقترح في الكتلة من مخيلة نشيطة، تفيض على سياق النص، وعلى موسيقية شعريته، فيتجلى في نص مضاعف، يكاد يكون غريباً، حدّ الاندساس الطارئ، غير المتوقع، غير أنه محسوب، بهندسة احترافية، تجعل الشعر في النص يأخذ مسارات جديدة، للمضمون، أكثر عمقاً في المعنى.

وربما حسبتَ الرقعة الأرجوانية زائدة، وهي ليست بزائدة، فالسياق يحتاجها والقارئ يستوعبها، والفن يفسّرها لتكون في الأصل.

الشاعر الراحل أمجد ناصر، في سنواته الاخيرة، كان قد تكلم ذات حوار عما سماه (شعر الكتلة) مستصدراً له التأويل الفني من التجربة الشعرية في الغرب، ليمنح (قصيدة النثر) العربية، توصيفاً شعرياً يميزها، في حين أن شعراء من جيله، كانوا قد سبقوه في مثل هذه التجربة، دون تنظير. وكانت الكتلة، التي اقترحها أمجد ناصر، بمثابة الطَرق المبكر لخزّان الشعر في صحراء القصيدة العربية، فطبيعة كتابة أمجد ناصر تجلو روح البحث الرؤيوية، التي تشكل محور كتابته، نثر اًو شعراً. وكان أمجد ناصر قد كتبَ قصيدته، في سنواته الأخيرة، في كتلة سردية كاملة، بلغة شبه مباشرة، منسوجة بحساسية شعرية، يجعلها السرد على حواف النثر المسرود لكأنها موازية للقصة القصيرة، لولا البعد الشعري في النص. قبل ذلك بسنوات، في أواخر الستينيات من القرن الماضي، كان الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر قد اقترح على التجربة الشعرية العربية ما سماه النقاد «القصيدة الدائرية» وكان جعفر يكتب شعره في كتلة سرد شعرية موزونة ومتواصلة، وأظن ان أمجد ناصر صار يكتب «كتلته الشعرية» نثرا مسروداً بعد التخلي عن الوزن الموسيقي المعروف في الشعر.


في النثر


سنتذكر دوماً أن الأدب الإنكليزي ظل يتداول مصطلح (الرقعة الأرجوانية) كناية عن المقطع المتميز في السرد القصصي والروائي. فيما راح النقد الأدبي يبتكر مصطلحاته في حقل الشعر بشكل متسارع بحيث تتبلور التجربة الشعرية أسرع من نقدها، في حين أن القلق هو العنصر المكون للطبيعة الشعرية عبر العصور والمراحل وعموم الاتجاهات الشعرية في العالم.


في الحياة


سياسيونا ابتكروا لنا في سياق تنظيرهم لما يذهبون إليه من اجتهادات، تستدعيها التحولات في الواقع، مصطلحَ (الكتلة التاريخية) لكي يفسّروا لنا منظوراتهم الفكرية للحظتهم السياسية. قبل المفكر المغربي محمد عابد الجابري، كان الفكر الايطالي قد اقترح في أوروبا هذا المصطلح في وقته، وبملابساته السياسية والفكرية المرتبطة بتحالفات الاشتراكيين والرأسمالية آنذاك. وإذا كانت (الكتلة) من جهة فكر اليسار، ضرورة تاريخية، فهي من جهة اليمين صارت مدخلاً لتبرير التلاقي البراغماتي مع تسّييس الإسلام، تحت شعار «التنوع الفكري والتعددية السياسية».

وأذكر أن مؤسسات الفكر والسياسة القوميين قد تنادوا في غير مؤتمر، من بينها الندوة (2019) الخاصة بفكر محمد عابد الجابري، لمناقشة الأطروحة الفكرية الأخيرة للجابري، المتمثلة في فكرة (الكتلة التاريخية). وأذكر أن معظم المثقفين العرب الذين كانوا قد شاركوا في تلك الندوات والملتقيات، المتصلة بأطروحة (الكتلة التاريخية) حين عادوا إلى بلدانهم، يحملون، بحماس، تلك الأطروحة لتكريسها في حقل عنايتهم الفكرية والسياسية. وربما التقط الإسلاميون تلك الأطروحة لتوسيع توجهاتهم العملية في الواقع العربي، وبلورة توالفاتهم النضالية مع القوى الأخرى. كما ستظل (الكتلة الحرجة) مفهوماً يلجأ إليه سياسيون يذهبون للتمهيد لسعيهم نحو نوع طارئ من الائتلافات وجبهات العمل العام، في سبيل التنظير للانتقالات الماثلة من مرحلة إلى أخرى، لا تكون موفقة بالضرورة.

وبما أنه ليس، في هذه العجالة، مجالٌ للاستطراد التفصيلي، لنقد وجهات نظر هذه الأطروحة وانعكاساتها في الواقع، لكن، تجدر الإشارة إلى أن مفهوم (الكتلة) يظل مصدراً للقلق الإنساني، بوصفه الحرج الفكري والمفاهيمي الذي يتطلب المزيد من التأمل والنقاش، تفادياً للارتباك السلبي، الذي يعطّل حيوية النشاط في حياتنا.

٣٠ مشاهدة