الليلة القرمزية


اللوحة من أعمال الفنان الألماني جورج بازل

أحياناً لا أستطيع التحرك من مكاني، أظلّ متجمداً لساعاتٍ طويلة دون أية استجابة لأي تحفيز خارجي.

لا أفعلُ شيئاً، ولا أصلحُ لفعل شيء. أشعرُ بنعاس دائم طوال اليوم. أحلمُ كثيراً، فتختلط الأحلام عليّ وتتشابه وتتكرر، فلا أدري إن كان ما رأيته حلماً أو حقيقة.

تساورني الكثير من الأفكار عن الموت، أشعر بالهلاوس والأوهام، وأصاب بنوبة اكتئاب حادة وشديدة، وأشعر بالملل والضجر والشعور بالخواء والفراغ، وطوال الوقت أشعر بذنب شديد رغم أنني لم أقترف ذنباً.

فكرتُ جدياً في إنهاء حياتي، لكنني في كلّ مرة أضعفُ وأترددُ وأخاف. لستُ شجاعاً بما يكفي، مثل شقيقتى الكبرى، التي انتحرت عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري، دون أن أعرف السبب إلى الآن، أو هكذا أظن ما حدث.

أختى التي كانت تكبرني بخمس سنوات كانت مؤدبة جداً، ضحوكة، فرحة دائماً، لم يلاحظ أحدٌ على سلوكها أي حزن. كانت سعيدة وتنشر السعادة من حولها، مفعمة بالحيوية، تلبس وتتأنق وترتب غرفتها بعناية شديدة، وتجلس في غرفتها المليئة بصوّر الفنانين والمطربين والمشاهير، أوقاتاً طويلة تحتضن ألعابها، وتستمع إلى الأغاني.


القاص والروائي عبدالقادر عقيل

أتذكرها ذات يوم ماطر وهي مبللةٌ كليّة بالمطر، حافية القدمين تضرب الماء كطفلة صغيرة، وتقفز فيتطاير رذاذ الماء من حولها بشدة، ترقص وتغطي أذنيها بيديها وتهز رأسها وهي تدور حول نفسها سعيدة مبتهجة بالمطر. لم تتمالك أمي نفسها فابتسمت على غير عادتها، أما أبي فألقى عليها نظرة صماء من النافذة ولم يقل شيئاً.

في اليوم الذي انتحرت فيه، رأيتُ في عينيها نظرات توديع وحزن، وكانت تحاول ما في وسعها الابتسام في وجهي، أو تضحك بصوت خافت، لكن رغم ذلك لم يتوقع أحداً أن تنتحر. ماذا يمكن أن يدفعها إلى الانتحار؟. ما هي المشاكل التي كانت تعاني منها؟، من أين واتتها الجرأة أن تبلع عشرين حبة منوّمة لتنهي حياتها القصيرة؟.

لقد رحلتْ مبكراً، وتركتْ لنا عبء سرها الذي لم نكتشفه حتى الآن، أو على الأقل الذي لم أكتشفه أنا بعد.

كل ما فعلته هو انها تركت رسالة وداع قصيرة، ذكرت فيها أنها تحبنا جداً، وانها قررتْ إنهاء حياتها لأنها لا تستطيع تحمل هذه الحياة، وستلتقي بنا في الليلة القرمزية القادمة، وأبدت أسفها على ما يمكن أن يسببه انتحارها لوالديها، لكنها لم تذكر سبباً لكآبتها أو حزنها أو يأسها من الحياة، وكررتْ أن نسامحها وأوصتهم بالاهتمام بي، وقالت انها ذاهبة إلى حياة أفضل.

الضابط المكلف بالقضية ظلّ يحقق في واقعة الانتحار أسبوعاً كاملاً، وكان يحاول معرفة معنى العبارات المبهمة في رسالة الانتحار، واستدعى كل معارف أختي، وحقق معي أيضاً، وظل يسألنا مراراً وتكراراً عن الليلة القرمزية، لكنه لم يحصل على إجابة من أحد، رغم أنني كنتُ أعرف ما كانت تعنيه الليلة القرمزية، ثم انتهى التحقيق عند هذا الحدّ، وسجلّ في نهاية المحضر: حالة انتحار نتيجة الكآبة الشديدة.

انتحارها كان أمراً مقلقاً لأمي، فبقدر حزنها إلا أنها كانت خائفة من الأقاويل التي يمكن أن تثار حول انتحارها، ولم تشعر بالراحة إلا حين تلقت تقرير الطبيب الشرعي، الذي أكدّ على عذريتها عند موتها.

(2)

أطلتّ الممرضة الثرثارة برأسها، قالت مبتسمة:

" هل أنتَ مستعد؟".

اومأت برأسي علامة الايجاب.

" – سأعود إليك حالاً".

" – هل سأل عني أحد؟".

" – حتما سيأتون لزيارتك".

أسرعتْ بالذهاب فقلت لنفسي: لن يأتي أحد.

بعد قليل، عادت ومعها ممرض مساعد ليُخرج سريري من الغرفة باتجاه جناح العلاج.

قالت الممرضة الثرثارة بابتسامتها العريضة:

" هل أفرغتَ مثانتك من البول؟".

" – نعم".

" – هل امتنعت عن الطعام والشراب منذ ست ساعات؟".

" – نعم".

" – هل أنتَ موافقٌ على تلقي العلاج؟".

" – نعم".

" – قبل إجراء العملية سيراقبون سرعة قلبك، ومستوى الأوكسجين، وسلامة جهازك العصبي، وسيعطيك طبيب التخدير عقار (الميثوهكستون) عبر إبرة التخدير، التي سيدخلها في وريد صغير على ظهر يدك، ومع المخدر سيعطيك عقار (الأتربين 6 مغم)، فترتخي عضلاتك، وتجعل تأثير النوبة الاختلاجية على الجسم أقل ما يمكن، ثم ستغيب عن الوعي، حينها سيضعون الأقطاب الكهربائية في المنطقة التي تلامس جنابي رأسك لتمرير التيار الكهربائي. العملية لن تستغرق أكثر من خمس ثواني فقط، ولن تشعر بأي ألم".

هززتُ رأسي عدة مرات.

" – ها قد وصلنا جناح العلاج بالصدمة الكهربائية، لا تخف".

" – لستُ خائفاً".

" – اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وبصفاتك العلا، وبرحمتك التي وسعت كل شيء، أن تمنّ على أخينا بالشفاء، ولا تدع فيه جرحاً إلا داويته، ولا ألماً إلا أسكنته، ولا مرضاً إلا شفيته، اللهم شافه وعافه وأعفو عنه، اللهم تولاه برحمتك، واشمله بمغفرتك".

ابتسمتُ، فقالت بابتسامتها العريضة:

" – هذا دعاء ما قبل العملية".

قلت لها:

" – هل تعرفين إن (أرنست هيمنغواي) انتحر بعد وقت قصير من تلقيه العلاج بالصدمات الكهربائية عام 1961؟".

قالت وهي تدفع سريري إلى الداخل:

" للأسف لا أعرف عنه شيئاً، لكن تأكد أنك لن تتعرض لأي ألم جسماني أو نفسي، ولا تقلق من التأثيرات الجانبية على ذاكرتك، فالأمور ستتحسن بعد أسبوعين من العلاج".

(3)

فوجئت بصوت أجوف صادر من وراء الجدار كأنه صوت آلة حديدية تدق الأحجار. تناولت حجراً وضربت به الجدار، ثم أنتظرت قليلاً. فلم أسمع شيئاً. بعد قليل عاود الصوت كأنه صادر من تحت الأرض، فنجحت في إزالة طبقة الأسمنت التي تكسو الجدار، والكشف حجر كبير وراءها. انفتحت في الجدار ثغرة، وهالني رؤية رأس رجل يبرز أولاً، ثم يتبعه جسمه. كان رجلاً ضئيل ا لجسم، أبيض الشعر، له لحية طويلة تصل إلى صدره.

قال بصوت يائس:

" حفرت خمسين قدماً لأصل إليك، ظننتُ أنني سأكون حراً".

قلتُ له:

" سأساعدك في الخروج من هنا".

كان بادياً عليه الاعياء والتعب، فقال:

" لن أستطيع أن أكمل، لكن عليك أن تهرب من هنا، وتنفذ بجلدك، قبل أن يمسحوا ذاكرتك، اذهب للبحث عن الرجل الذي سيعلمك الحكمة، ستجده أقبح إنسان يمشي على هذه الأرض، عيناه جاحظتان كعيني ضفدعة، وشفتاه غليظتان، وأنفه أفطس، قصير القامة، قبيح الوجه، يمشي على نحو غريب، وله عادة تحريك عينيه بشكل دائري، يرتدي الملابس ذاتها كل يوم، ويمشي حافياً، ويسمونه الضفدع، لكن عقله وعلمه لا يجاريهما أحد. ستجده في الأسواق حيث يتجمع الناس، ويتناقش معهم حول الحياة والموت والكون والطبيعة، أو تجده على الشاطيء ينحني على الماء فيغطس يديه ثم يرفعها إلى جبهته، وبعد أن تغرب الشمس ويستحيل وهجهها الأحمر أقحوانياً في السماء الداكنة، يستدير الرجل نحو الغروب ثلاث مرات، ونحو الجنوب ثلاث مرات، ونحو الشرق ثلاث مرات، ونحو الشمال ثلاث مرات، ثم يغطس يديه من جديد في المياه الراكدة ويرفعها إلى جبهته. خذ منه كل شيء، وتعلم كل شيء، كن تلميذه الموهوب، وأطلب منه أن يدلك على عرق السواحل، فأعلم أنه عندما تحصل علىه ستحصل على الكنز الذي سيغير حياتك وقدرك تماماً".

" – ماذا أفعل إن لم أجد هذا الرجل؟".

" – حينها راقب سير القنفذ، وتتبعه حتى المكان الذي يضع صغاره فيه، وتنتظر حتى ذهابه لكي يأتي بالطعام لصغاره، عليك أن تغلق مكان الصغار، وتضع الطين على الباب وتغلقه، عندما يعود القنفذ إلى صغاره سيرى أن الباب مقفول بالطين فيرمي الأكل ويذهب باحثاً عن شيء هو عرق السواحل، فيأتي به، ويوجهه على باب الطين، فينفتح الباب ويسقط الطين كأنه ضربه برصاصة. بعد ذلك يسقطه من فمه ويتبول عليه، عليك الحصول عليه قبل أن يتبول القنفذ، لأنه بعد بول القنفذ عليه سيبطل عرق السواحل عمله".

(4)

أفقتُ وصداع شديد يلفّ رأسي، وظللتُ ناعساً، مشوش التفكير، لا أقوى على الحركة، ولا أذكر الصدمة الكهربائية أو ما سبقها مباشرة.

عادت الممرضة الثرثارة للظهور، قالتْ بكل لطف:

" سأعطيك كأساً من الشاي الساخن لتستعيد عافيتك، وتستعيد ذاكرتك".

ذهبتْ، وعادت بكاس الشاي، قالتْ وهي تساعدني في احتسائه:

" ستشعر بتحسن الآن".

قلتُ لها:

" هل سأل عني أحد؟".

قالت وهي تمسح برفق شفتيّ:

" حتماً سيأتون لزيارتك".

وضعتُ رأسي على المخدة البيضاء، وأغمضتُ عينيّ، وأنا على يقين من أن لا أحد سوف يأتي.

سمعتُ صوتاً مألوفاً، ويدٌ تهزني بشدة.

" هيا، قم أيها الكسول، ستمرض أكثر إذا بقيتَ في فراشك نائماً".

فتحتُ عيني ورأيتُ أختي تهزني بشدة:

" اشرب هذا الشاي الساخن وستشعر بتحسن".

قلتُ لها وقد تشوش عقلي تماماً:

" أين أنا؟".

قالتْ وهي تجلس على السرير بالقرب مني:

" لقد قال الطبيب أن ما أصبتَ به هو حمى التيفوس، لقد حذرتكَ من قبل أن تغسل شعركَ كل يوم، وتنظف جسمك النتن هذا، لكنك تجاهلتَ نصيحتي".

" – هل قال الطبيب أنني مصابٌ بالتيفوس؟".

" – نعم، هذا ما قاله الملا اسماعيل قبل شهرين، منذ إصابتك المرض، وقاله اليوم أيضاً".

" – أنا مريضٌ بالتيفوس منذ شهرين".

" – لقد أصبتَ بالصداع الشديد والقشعريرة والحمى والطفح الجلدي الذي انتشر في جميع أجزاء جسمك، وظهر القمل بكثرة في شعرك، لقد كنتَ تهذي طوال الوقت، وتقول كلاماً لم أفهمه أبداً".

" – لكن الطبيب قال لي أنني مصابٌ بمرض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب"