المخرج سلمان يوسف : نحتاج إلى خطة وطنية للنهوض بالسينما



علي محمد مرهون أثناء محاورته للمخرج البحريني سلمان يوسف

سلمان يوسف كاتب ومخرج سينمائي، حمل الكاميرا وجعلها أداته التي يروي بها قصصه للآخرين، سافر إلى فرنسا لدراسة الإخراج في جامعة لا فيميز العريقة. يضم في رصيده 5 أفلام روائية قصيرة حصلت على العديد من الجوائز في المهرجانات ونالت على إشادة النقاد، وهو المدير الفني لمهرجان صنع بشغف السينمائي التابع لمركز عيسى الثقافي. ومن منطلق تسليط الضوء على المشهد السينمائي في البحرين جاء لقائي مع المخرج سلمان.


س : في فترة التسعينات إلى بداية الألفية شهد الواقع السينمائي البحريني أوج ذروته بإنتاج 3 أفلام روائية طويلة عبر عدسة المخرج بسام الذوادي ؟ في رأيك ماهي المقومات التي دفعت لإنتاج هذه الأفلام ؟ وماهي أسباب ركود الإنتاج في الآونة الأخيرة ؟


إزدهر الإنتاج بسبب وجود جيل نشط يريد استكشاف هذه الصناعة، متأثرين بالسينما المصرية وعشق الشاشة الفضية، فعراب السينما فريد رمضان مع بسام الذوادي وأمين صالح وآخرون نشطوا في تلك الفترة، وبحكم وجود معظهم في وزارة الإعلام، استطاعوا الحصول على تسهيلات لسرد قصصهم.

أما الركود فبسبب عدم وجود مادة تحرك عجلة إنتاج الأفلام، حيث أن الأفلام هي صناعة وبالتالي إذا كانت هذه العجلة مربعة الشكل بمعنى تستغرق فترات زمنية لتدور بسبب الدعم والمحاولات المتقطعة لن نرى إنتاج مستمر، كما تحول الإهتمام والتركيز للأسف إلى التلفزيون بحكم توفره في كل منزل، وهجرت دور العرض على الرغم أن البحرين هي أول دول في الخليج تدخلها السينما.


الروائي والسيناريست والمنتج السينمائي فريد رمضان

س : لو أعدنا النظر إلى بعض الأفلام الروائية الطويلة التي أنتجت في السنوات الأخيرة مثل فيلم الشجرة النائمة عام 2014 للمخرج محمد بوعلي هل حقق الفيلم أرباح في شباك التذاكر و استطاع منتجو الفيلم تغطية الميزانية أم لا ؟ ولماذا ؟


فيلم الشجرة النائمة هو فيلم ذو إيقاع بطيء، يطرح قضية إنسانية وإسقاطات دينية، وبالتالي إذا أردت أن تقيس نجاحه في شباك التذاكر، فهو لم يحق نجاحاً، وهناك أسباب كثيرة منها، أول فيلم بحريني ينتج من 10 سنوات، وكما قلت هو فيلم فني حيث أن ذائقة الجمهور المحلي اعتادت على صورة التوليفة الهووليودية، فالفيلم الذي حقق أعلى إيرادات في تاريخ شباك التذاكرالبحريني هو Fast & Furious ، وهذا ما أجده مخزياً بالنسبة لي على الأقل، ولكن هذه هو ذوق الجمهور.

غير أنني أرى أن الفيلم حقق لنا الكثير، فهو أول فيلم روائي طويل يفوز بجوائز خارج البحرين، وقاب قوسين أو أدنى ليدخل في سباق الأوسكار، فالذي أريده من وراء الفيلم هو أن أقص للعالم حكايتي وهويتي ومن أكون، وبالتالي تبرز البحرين على الخارطة الثقافية وهذا ماكان يطمح له فيلم الشجرة النائمة. وكذلك أرى أن من الصعب أن يغطي الجمهور البحريني تكاليف إنتاج فيلم روائي طويل.



س : هناك الكثير من الأفلام الروائية القصيرة الطويلة التي تنتج بين فترة وأخرى ولكن الجمهور العام بالكاد يعرف عنها ؟ هل يعود الأمر إلى جهل الصناع بمرحلة التوزيع والتسويق ؟ أم أن الأمر متعلق بطبيعية الإفلام ؟ أم أن هناك أسباب أخرى ؟


الأمر يعود إلى أنه لا توجد صناعة حقيقة، فهناك صناع يتحملون بأنفسهم تكلفة إنتاج الفيلم ومن ثم المشاركة في المهرجانات لعرضه على الشاشة الكبيرة في قاعة السينما، حيث لايمكن عرض فيلمك في منصات مفتوحة ليشاهده العامة وبالتالي تفقد حضوره في المهرجانات، وأما بشأن لماذا الجمهور لايعرفون عنها شيء بكل بساطة الناس غير مهتمة ! وهذا يعود منذ التنشئة، فهل درسنا شيئاً عن السينما في الفصول الدراسية ؟ أم هل اصطحبنا أحد المدرسين إلى قاعة سينما ونحن طلاب ؟

وكذلك لو قمت بتوزيع مستقل لفيلمك فأنت مضطر إلى تكوين جمهور خاص فيك، وأن تتخلى عن دور العرض وتتجه نحو السوشل ميديا، ومن ثم يتوجب عليك بذل جهده في هذا السياق، حتى تجد نفسك شيئاً فشيئاً تفقد استقلاليتك وتخطع تجاه رغبات الجمهور، فيصبح هدفك المشاهدات والمتابعين، وهذا التشيت ما لا أستطيع القيام به، فالشيء الذي أريده هو رواية القصص وصنع أفلامي الخاص.


س : يقول المخرج البحريني بسام الذوادي " أن عدد السكان في المملكة قليل، فإذا أردت إنتاج فيلم فستكون في حيرة، حيث أن رفع المستوى الإنتاجي سيكلف ميزانيات طائلة وبالتالي كيف ستغطي التكاليف وأي منتج سيخاطر بأمواله ؟ وإن قمت بخفض مستوى الإنتاج فلن تقدم منتج يشبع رغبة المشاهد !" فما رأيك بتحليله وكيف يمكن تجاوز هذه المعضلة ؟


بطبع للمخرج بسام الأسبقية، ولكن آخر فيلم له هو منذ 2006، في رأيي لو أردت إنتاج فيلم روائي طويل بميزانية منخفضة فسيكلفك 20 ألف دينار على أقل تقدير، ولكن المنتج لن يكون فيلم أكشن يضاهي أفلام مارفل، بل سيكون قصة درامية بطابع بحريني وهنا يجب إعادة توجيه رغبة المشاهد بإن يسمع قصته ويشاهد نفسه على الشاشة، ولايترقب سرد هوليوودي أو بوليوودي، وهذا مايستلزم خطة وطنية تتظافر فيها الجهود مابين هيئة الآثار والثقافة و وزارة التربية والتعليم مع وزارة الشباب وغيرهم من المؤسسات الحكومية والخاصة مثل ماحصل مع الفيلم الأردني ذيب والذي دعم محلياً حتى وصل للأوسكار.

كما أختلف مع الأستاذ بسام فالأفلام الإيرانية على سبيل المثال تصنع بأقل الميزانيات وبمعدات متواضعة ولكن قصصها تشدك من بداية الفيلم إلى نهايته مثل فيلم Salesman الذي فاز بالأوسكار 2016، فلغة فرهادي السينمائية رائعة، ولكن هل ميزانيته بمقدار ميزانية أفلام مارفل، لا طبعاً. وعموماً اعتقد أن الجمهور البحريني لايمكن القياس عليه، وبالتالي يمكن تصدير الأفلام للسوق السعودي الضخم، خصوصاً أننا نتشارك مع المنطقة الشرقية في الثقافة.


المخرج البحريني بسام الذوادي

س : دائماً مايتعذر صناع الأفلام بضعف التمويل كمبرر لعدم الإنتاج، في حين نرى كل عام أمثال فيلم Tangerine والذي تم تصويره بالكامل من خلال عدسة iphone 5s وعرض في مهرجان Sundacne -حلم كل صانع أفلام مستقل- وحصد العديد من الجوائز العالمية كما حقق مايزيد عن 1.5 ميلون دولار ! هل المادة عائق فعلاً أم أنها شماعة لتعليق الأعذار ؟


عندما تريد أن تروي قصتك لن تهمك الوسيلة، نعم اليوم أجد الكثير من المخرجين يتذمر لأنه لم يحصل على المعدات السينمائية الباهظة لتصوير فيلمه !، صحيح وجود ميزانية للتمثيل مثلاً سيسهل الحصول على ممثلين جادين، ولكن لايوجد شيء يقف عائق أمام القصة، والذي لا يريد أن يعمل سيجد له أي مبرر لتعذر، بدل أن يستغل الظروف والأشخاص من حوله لكي يساهمون في إنتاج الفيلم.




س : بعد الإزدهار المخيف لصناعة الأفلام في السعودية، من افتتاح 80 دار عرض سينمائي مع نهاية العام الجاري إلى اختيار 5 نصوص في معمل البحر الأحمر السينمائي تمهيداً لإنتاجها وأخيراً توقيع نتفليكس إتفاقية إنتاج 8 أفلام روائية طويلة مع شركة تلفاز، هل ترى لهذا الحراك إنعكاس على الواقع المحلي ؟


بطبع، بحجم الإزدهار في قطاع السينما بالمملكة سيقابله إنتعاش في السوق المحلي، فمع بداية تمويل بعض المشاريع السينمائية السعودية، بدأت شركات إنتاج في العمل، من مخرجين وممنتجين ومصورين بحرينين، فالسعودية هي سوق كبيرة ولكن للأسف لو كانت هناك خطة واضحة ومنسقة بين الجهات المعنية لكانت الطفرة التي تحدث في السعودية متوازية مع البحرين، ولكن لازلت متفائل أن هذا سينعكس وإن كان بعد سنوات.


س : في ظل المنافسة الشرسة لمنصات البث في إنتاج محتوى مخصص لمختلف الجماهير، هل ترى للفيلم البحريني حضور خاصة مع اعتياد الجيل الحالي على الإنتاج الغربي رفيع المستوى ؟ وهل هناك آفاق محتملة لإنتاج حصري مثل ما حصل مع المسلسل المصري الأخير ما وراء الطبيعة ؟


نتفلكس في رأيي تبحث عن الجمهور، المشاهدات، الأرباح، مصر عدد سكانها 100 مليون نسمة، ومن ثم مشاهدات بالملايين، فمهم إلى منصة نتفلكس الدخول في السوق المصري، ولكن الجمهور البحريني غير مغري لهم، خصوصاً أن في السابق كنا نملك شيء مميز وهو المسلسلات التراثية، غير أن الإنتاج توقف وابتعدنا عن الساحة، وبالتالي إذا كنت لاتملك شيء مميز كيف تستطيع بيعه؟، ولكن هذا لايمنع أن يُنتج عمل بحريني يغري نتفلكس وبتالي تشتري حقوقه وتسوقه.


س : أخيراً ماهي النصائح التي توجهها للشباب المهتم بمجال الأفلام والسينما ؟


شاهد أفلام، شاهد أفلام، شاهد المزيد من الأفلام، ابتعد عن إنتاجات هووليود، شاهد أفلام فنية، الأفلام التي تفوز بجوائز في برلين وفينيس وكان، لماذا فازت، أقرأ تحليل عنها، تعرف على اللغة السينمائية، الحركة والإضاءة، تعرف على التمثيل الجيد، حاول أن تتعمق في قراءة السينما، راقب القصص من حولك، فكر في سيناريوهات تشابهنا.