المرأة في مخاطبات الوزراء السبعة



مهما كتب عن الكاتب والباحث والمترجم سعيد الغانمي فلا أحد يمكنه تغطية مشروعه الثقافي والأدبي المكتوب بالغربية أو المترجم إليها، حيث قدم للمكتبة العربية ما كوّنه من ثقافة واسعة، واطلاع على المعارف العالمية، والثقافات العربية والأجنبية، التي برزت بروز الشمس، إذ أسهم بعدد من الكتب الثقافية والأدبية والمترجمة، وها هو يتحفنا بكتاب مهم - بحسب اعتقادي- كتاب لا يخرج عن دائرة التراث الأدبي والاجتماعي والثقافي، فهو كتاب يتصل بشكل أو بآخر بالكتاب الذي شغل القراء والكتاب والباحثين والمترجمين، إنه: حكايات ألف ليلة وليلة، هذا الكتاب الذي سار على نهجه أو دخل ضمن سياقاته الفنية والسردية والقولية، وتلك الأبعاد الوعظية والإرشادية، أي الكتاب الذي نحن بصدده في هذا المقال، وهو: (مخاطبات الوزراء السبعة)، وهو الترجمة العربية لكتاب سندبادنامة المنحدر من أصول ألف ليلة وليلة، حيث حقق الباحث الكتاب من خلال مجموعة من النسخ المخطوطة التي تباين بعضها في سرد حكاية هنا وأخرى هناك، أو جاء بنقص من هذه الحكاية أو زيادة في أخرى، حتى ظهر الكتاب للعيان والقراء، وإلى المهتمين بالتراث الأدبي، مرتبًا مقننًا وبنصوص معيارية رائعة في الطرح والموضوع.


د. فهد حسين

وتدور حكايات الكتاب الصادر عن منشورات الجمل بطبعته الأولى في العام 2019، حول أحد الملوك الذين عاشوا وهم يحلمون بأبناء يلتفون حوله أينما حلّ أو ذهب، إلا أن القدر لم يمنحه هذه الأمنية، حتى وقت كان يحسبه بدقة عالم الرياضيات والحساب، ولكي يحقق هذه الأمنية، استدعى الأطباء والفلكيين والمنجمين والمبصرين والرافين طالبًا منهم أن يتأملوا الطالع والنجوم والأفلاك، ويحسبوا ما بوسعهم من أجل معرفة إن كان يستطيع إنجاب مولد ذكر، يحمل اسمه وملكه من بعده، ودعد مخاض عاشه هؤلاء المتخصصون، وصلوا إلى إمكانية الإنجاب تحت شروط معنية معنية بالوقت والليلة والحالة، وهكذا طبق ما طلب منه حتى تحققت أمنيته في إنجاب المولود الذي فرح به أيما فرح، بل قدم المساعدات والمعونات إلى كل محتاج.

ومع مرور الوقت وتعاقب الأيام والأزمان بدأ الطفل يكبر، إلا أن الملك لم ير فيه النباهة والذكاء كما ينبغي، لذلك أمر أن يعلمه أفضل معلم في مملكته، وهو سندبادنامة العارف بكل العلوم وجل الفنون، إذ قام هذا المعلم على تربية الابن وتعليمه وتقويم لسانه ولغته، وتنمية مداركه المختلفة، وتدريبه على فنون القول والحفظ، وطرائق الحوار والمناقشات والاستدلالات، ومعرفة متى يتكلم، ومع من يتكلم، وفيما يتكلم، ومع الوقت يكبر هذا الفتى حتى اقتنع المعلم أن تلميذه بات جاهزًا لخوض غمار الحياة ومشكلاتها وتقلباتها، أي بعد انقضاء بعض السنوات، وعرف الصبي شتى المعارف والعلوم، أخبر المعلمُ الملكَ بما وصل إليه ابنه، فطلب عودته إليه، وهنا تبدأ عقدة الكتاب والحكايات، ففي الوقت الذي أخبر الملك بمستوى الابن، فأمر له بالرحيل، ولكن هنا تبدأ عقد الحكايات التي ستتلو عودة الفتى إلى قصر أبيه، إذ يخبره معلمه سندبادنامة بأنه يمكن العودة إلى أبيه شريطة أو لا يتحدث أو ينبس ببنت شفة طيلة سبعة أيام متتالية؛ لأن طالعه يؤكد هذا، وإن خالف الطالع سيموت مباشرة.


الكاتب والباحث والمترجم سعيد الغانمي

يعود الفتى، لكن الملك لم توقع ما لاحظه، فمحاولاته مع ابنه مترجمًا فرحته بتخرج ابنه من مدرسة المعلم والحياة، فلا كلام ولا إشارة تنبئ بأن الابن فاهم وواع، لأن الملك لا يعلم عن الاتفاق الذي أبرمه الابن مع معلمه، ولعدم وجود تفاعل وتجاوب بين الملك والابن، اعتقد الملك أن الخجل في حضرة الملك وبين حاشيته هو السبب، لذلك أمر بإدخاله على الجواري؛ لأنهن يملكن طرقًا لانتزاع هذا الخجل، وعندما أخدته إحداهن، أعجبت به، فحاولت التقرب منه، بل طلبته للمعاشرة الجسدية، والعمل معًا على انتزاع الحكم من أبيه، ليكون هو الملك الحاكم الآمر الناهي في المملكة، لكنه رفض رفضًا قاطعًا، وهنا يأتي السؤال: ما علامات الرفض هذه؟ هل رفض بالقول، أم بالإشارة، أم بيان علامة الغضب؟ أم بأمر آخر، حيث النص أشار إلى أن الفتى أعلن رفضه.

ولكي لا يكشف أمر الجارية بعد الرفض، ذهبت مباشرة إلى الملك تخبره بما لم يقع، ولم يكن حقيقة، وهو أن ابنه حاول الاعتداء عليه مطالبًا إياها بالمعاشرة الجسدية، وهذا لا بجوز أبدًا، فالجارية حق للملك، ولا يجوز التعدي على ذلك، الأمر الذي استغلته الجارية طالبة من الملك إصدار أوامره بقتل ابنه، ومع بموافقة الملك تبدأ سرد الحكايات عن طريق الوزراء السبعة الذين سمعوا عن قرار الملك، وأيقنوا أن الأمر سينفذ إذا لم يتحركوا مفندين تخرصات الجارية، وثني الملك عن قراره بسرد بعض الحكايات التي تكشف خداع النساء، وكيدهن، ورغبتهن في الاستحواذ والسيطرة، وهنا يبدأ الوزراء السبعة متعاقبين بالدخول كل يوم على الملك طيلة سبعة أيام، بعد خروج الجارية التي تبث سمومها محاولة إقناع الملك بقتل ابنه، فيبدأ الوزير الأول في اليوم الأول طارحًا قصة أو مجموعة من القصص فيها من العبرة والموعظة والتأني في اتخاذ أي قرار حتى لا يندم عليه الإنسان، ويكون عرضة للقيل والقال بين الناس، لتأتي بعده الجارية تفند محاولة الوزير، مستعينة أيضًا بمجموعة من القصص تحاول من خلالها بيان ما تقوم به الرجال ضد بعضهم البعض، وضد النساء، والسعى للنيل من أجل مصالحهم الشخصية، وهكذا تستمر الحكايات سردًا شفاهيًا على ألسنة الوزراء من جهة، وعلى لسان الجارية من جهة أخرى، حتى تنتهي الأيام السبعة.

وحين يستمع الملك إلى حكايات الوزير يعلن الملك تراجعه عن قتل ابنه، إلا أنه يعود مرة أخرى لقرار القتل بعد سماع قصص الجارية، وبعد الأيام السبعة التي تعاقب عليها الوزراء، وهم يدافعون عن الابن من كيد المرأة وطموحاتها غير المشروعة من جهة، وتعاقب المرأة نفسها طوال الايام للدفاع عن نفسها من الرجال وكيدهم، تنتهي كل الحكايات بمحاسبة المرأة وموتها، وبخاصة بعد ما التزم الابن بالسكوت والصمت طيلة الأيام المتفق عليها مع معلمه سندبادنامة.

حين العودة إلى حكايات ألف ليلة وليلة ذات الشهرة الواسعة، وما تحمله بين لياليها من حكايات مشبعة بالمواعظ والحكم والأمثال في سرديتها أو شعرها، فإن كتاب مخاطبات الوزراء السبعة لا تختلف البتة عن ذلك النهج الذي أتبع، والمتمثل في سرد الحكايات المتضمنة المواعظ والأشعار وغيرهما، بل نجد الصراع القائم في الكتابين هو صراع على الوجود والبقاء ومحاولة ثني صاحب القرار عن القتل، الذي هو الرجل (الملك) الذي ليس له دور في الحكايات كلها غير الإنصات ثم القرار، ففي ألف ليلة وليلة كانت شهرزاد تحكي الحكايات من أجل بقائها وبني جنسها من القتل المحتم، وهنا شهريار يبقى منصتًا لما تقوله شهرزاد ثم يعد عن قرار قتلها، وكذل كتاب مخاطبات الوزراء السبعة يتحدثون والملك يستمع صامتًا ليعد عن قرار قتل ابنه، إلا أن زاوية التبئير في الكتاب هذا تكمن في دور المرأة ونظرة الرجل لها، وهي الخيانة، تلك التي برزت في الكتابين أو في الحكايات كلها، فما حاول شهريار الإقدام عليه كان بسبب زوجته التي خانته مع أحد عبيد القصر، وهنا الجارية هي التي خانته أو حاولت ذلك مع الابن. وكأن الكتابين هما كتاب واحد انفصلا عن بعضهما البعض ربما بسبب الزمن أو النقل أو تعدد المخطوطات.

أما اللغة فقد حاول الباحث والمحقق أن يجعلها لغة أدبية، تتوغل في التراث، وقضايا الإنسان والمجتمع لتكشف عن الصراع الأبدي بين المرأة والرجل، أي منذ الخليقة وخروج آدم من الجنة والعالم لم يهدأ باتهام حواء التي شجعت بينا آدم على أكل التفاحة، على الرغم أن القرآن الكريم لم يأت بهذا أبدًا، ولكن بقيت الدونية والنظرة تجاه المرأة من الرجل قائمة، بل نظرة كليهما لبعضهما البعض، وما يسودها من تقلبات وتناقضات في غالبها، ومحبة وصفاء وسعادة في أقلها، بالإضافة إلى أن الكتاب والباحث وقف بشكل غير مباشر على تلك الثقافة الاجتماعية والمعرفية التي تسلح بها كلاهما عبر التاريخ، سواء في الوسائط الاجتماعية المتدنية أم الراقية، وبنيت ذاكرة ثقافية عبر التاريخ تحاول هذه الذاكرة التي توزعت بين الرجل والمرأة أن تقتص من بعضهما، مما يوحي أن التباين والخلاف بين الرجل والمرأة يظهر في كل طبقات المجتمع، ولكن إذا نجحت شهرزاد أن تنهي حكاياتها لصالح المرأة، فكتاب المخاطبات جعل حكاياته تنتهي لصالح الرجل، الذي كانت تراه مصدر الصدق والوداعة والمحبة والرأفة، وهو عكس تصويرها للمرأة التي جوبهت من قبل عدد من الرجال وصوروها بالصفات الخيانة وضعف العقل وعدم القدرة على التفكير والتمييز، وهنا ليس العبرة في الجنسوية، وما آلت إليه النتيجة، وإنما الذهاب إلى القيم الأخلاقية، والمبادئ والإنسانية التي تؤكد أن استقرار المجتمع يكمن في التمسك بها، والعمل على ترجمة ما تنادي به، وتبقى ذاكرتنا الثقافية والاجتماعية محملة بإرث مارسه واقعًا كل من الرجل والمرأة من عامة المجتمع بشكل عام، وفئة المثقفين على اختلاف مشاربهم وتنوع تخصصاتهم، حيث علينا جميعًا نحن أبناء المجتمع الإنساني ألا ننادي بالمدنية، ومطالبة المجتمع بنيل المرأة حقوقها التي نكررها في محافلنا المختلفة، ولكن لا تؤكد هذا عمليًا في حياتنا اليومية، وتحديدًا حينما يصل أمر التحرر والمدنية إلى إحدى القريبات منا.

25 مشاهدة