المصور الحداد: المنامة ... لا شبيه لها


حكاية المصور الفوتوغرافي جعفر الحداد مع المنامة تمتد لسنوات طويلة، لعلها تقارب سنوات عمره التي لا تتجاوز العشرين وبضعة أعوام. أعلنها رسمياً منذ ما يقرب من العشرة أعوام عبر صور فنية متنوعة قدمها في معارض جماعية مختلفة ومعرض فردي واحد.

لكن البدايات الحقيقية لعلاقة جعفر بالمنامة تعود لما قبل ذلك بكثير، تحديداً، لسنوات طفولته الأولى، ومنذ بدايات إدراكه، حين تعرف عليها من خلال جده الذي ملكت المنامة ذاكرته ووجدانه. داوم على مقاهيها حتى أعجزته سنوات عمره، فأورث الحفيد عشقه. لكن جعفر، وهو المعماري والفنان التشكيلي والمصور الفوتوغرافي، يعلم جيداً بأن عشقه يمكن أن يُترجم بطريقة مغايرة. عرف أن عليه أن يسخر فنه وامكاناته في توثيق محبوبته، وهو يعلم جيدا بأنه لكي يتمكن من فعل ذلك، فإن عليه أن يلتقط صورا استثنائية، تستدعي منه مراقبة محبوبته عن كثب، وبدلا من الجلوس على مقاهيها وتصفح وجوه سكانها، كما فعل جده، أُغرم جعفر بالتجوال في شوارع المنامة والتسلل عبر أزقتها وحواريها.

ولأنه مغرم، كانت حصيلة غرامه تلك، كثير من الصور الاستثنائية الشاهدة على تاريخ هذه المدينة، الموثقة لكل ما تحمله شوراعها اليوم من شواهد على عصر مضى، وتحولات لم تتوقف، وتاريخ لعله لم يُعرف، ولربما لم يُقدر كما يليق به، وكما تجعلنا الصورة نفعل الآن.

"أوان" حاورت جعفر الحداد، حول حميمية الصور وكيف يمكن لها أن تفضح عشقنا للمدن والأماكن، وحول ما يمكن أن يكون لخطه في التصوير الحضري وتصوير الشوارع (المنامة) من أهميه للأجيال القادمة والحالية، حول ما يعنيه توثيق الصور لوجوه المنامة، تنوع سكانها، هندسة شوارعها، وتصميم مبانيها.




جعفر الحداد

- كمصور فوتوغرافي تهتم كثيرا بتوثيق الأماكن، وعلاقة المدن بسكانها، تستأثر المنامة بجزء كبير من اهتمامك هذا عبر أعمال متنوعة قدمتها في معارض مختلفة أقيمت على مدى ما يقرب من عشرة أعوام. ما سر هذا الإهتمام، والذي تعنيه لك المنامة، كشاب بحريني وكمصور فوتوغرافي؟


ولدت و ترعرعت في الحورة الحدادة، قرية تقع غرب المنامة، تؤكد الوثائق وجودها قبل ألف سنة من اليوم، أي قبل وجود المنامة بأكثر من خمسة قرون. وحينما وجدت المدينة العاصمة، أصبحت الحورة الحدادة حي صغير ضمن المدينة، حي بمجتمع قروي مترابط ومنغلق بعض الشيء، لكنه أيضًا جزء من المدينة و متكيف معها. غير أن أجدادي، هم الملاك لسوق الحِدادة في سوق المنامة، سوق البحرين المركزي والأكثر حيوية قديمًا، لذلك لطالما كنت فخورا بأنني أملك عنصرين مهمين، الأول هو تذكرة الدخول للأجزاء الداخلية للمنامة – وأقصد هنا إدراكي بها والقدرة اللوجستية على وصولها مشيًا على الأقدام – كوني أعيش في حي من أحياء المدينة. والعنصر الثاني هو العين الخارجية – و أعني هنا القدرة على ملاحظة الأشياء وتحديدها كعنصر خارج إطار عجلة الحياة اليومية في المدينة – لأنني ليس جزء من مجتمعها وأحيائها الداخلية "الفرقان" بصورة أو بأخرى.


  • هل يعني اهتمامك الطويل بالمنامة في مقابل سنوات عمرك إلى علاقة بدأت مبكراً؟ عمرك في التصوير على أية حال، مقارب لعمرك في توثيق المدينة؟ من سبق الآخر في حياتك، حب المنامة أم حمل الكاميرا؟

علاقتي مع المنامة بدأت بنظري منذ اللحظة التي ولدت بها، متأثرًا بها ومؤثرا فيها – ولو بصورة مجهرية الحجم، لكن المفارقة العجيبة، أنني لم أدرك هذه العلاقة، ولم أدرك حقيقة العنصرين اللذان أمتلكهما إلا بالصورة.

بدأت التصوير في عام 2008، لكن رحلتي الفوتوغرافية في المنامة بدأت عام 2013، وأدركت كل هذا الزخم في منتصف 2014، أول أيام إنتاجي لمشروع "صور متعددة لمدينة المنامة". ثم بدأت البحث التاريخي والرحلات الميدانية – شبه اليومية – الموجهة في عام 2015، ثم جاء التدوين في مدونتي الخاصة حول هذا الموضوع بالتحديد في عام 2016. بعدها أحتجت لثلاثة أعوام كاملة، إلى جانب العديد من التجارب، كي أستطيع تقديم مادة حول المدينة وأحوالها العميقة، في معرضي الشخصي "مدينة الشرق/ الشوق" في عام 2019.

ما أرنو لقوله هنا، أن الصورة الفوتوغرافية، ومحاولتي لإدراك معانيها، كانت هي وسيلتي في إدراك معانٍ أخرى في هذه الحياة، إحداها هو قدرة هذا المكان – وأعني المنامة – في إبهاري. إنني أرى في هذه المدينة القدرة على تعليمي الكثير من الأشياء، حول الحلم لدى الانسان، الطموح وتحديات الحياة، دائرة الحياة اليومية للبشر، وإسقاطات كل هذا في شتى مآرب الحياة. المنامة بالنسبة لي كتاب مفتوح، أحاول قراءته وفهمه لكي أزداد في فهم الحياة. الحق يقال بأن هذا الحال قد يكون حال مدن عديدة حول العالم، فكل مدينة هي كتاب ورواية، لكنني لا أرى لكتاب المنامة وروايتها شبيه في المنطقة بأسرها.


- أي جانب من تاريخ المنامة ذلك الذي توثقه صورك، وما أهمية ذلك التوثيق، لك كشاب، وللأجيال الشابة الحالية والقادمة؟


تعتمد أعمالي بشكل رئيسي، على توثيق الحالة المكانية للمدينة، المكان والشخوص. صور يمكنها أن ترصد الزمن، المكان، الشخوص، وعلاقاتهم مجتمعين ببعض. هذا النوع من التوثيق إذا ما ربط بنصوص وصفية مصاحبة، يمكنه أن يحمل عمق أكثر ومعانٍ أكبر، يمكن الاستفادة منها لاحقا في مشارب عدة، في فهم طبيعة عمارة المكان، في فهم تأثير الضوء والظل والزمن، في فهم الشخوص التي تشغل المكان، في فهم طبيعة استغلالهم للمكان، فيهم هم، من حيث الملبس والظاهر. قد يبدو ما أركز عليه في صوري هو العِمارة، لكن إذا أمعنا النظر في صور العِمارة والمكان هذه، سنرى بأن الإنسان لا ينفك عنها، كما لا ينفك عنها الزمن، الضوء والظل، والنصوص المصاحبة. بالمختصر، ما أحاول توثيقه هو التجربة المكانية في المنامة في هذا الوقت، وهي كبسولة زمنية، تحفظ التاريخ بتفاصيله الصغيرة جدا للمستقبل، وهي تجربة أحاول جاهداً مشاركتها مع أقراني الشباب. كشاب بحريني، أرى بأن الشباب اليوم يجهل الكثير من تاريخ هذه المنامة، التاريخ الذي يمكنه أن يتحدث عن نفسه، ليخبرنا كيف نتجاوز مشاكل اليوم، وكيف نخلق مجتمع شمولي متكاتف كما هو مجتمع المنامة بوصف التاريخ، المجتمع الذي أنتج الأحلام ومنامة اليوم.


- قدمت المنامة عبر صور كثيرة اشتغلت من خلالها على ثيمات وتقنيات متنوعة من أجل الوصول لغاية التوثيق والاحتفاء بالمنامة، مكاناً وشخوصاً. وقد أبرزت جهدك هذا بالشكل الأكبر عبر معرضك الأخير الذي أٌقمته عام 2019 تحت عنوان مدينة الشرق/ الشوق.. كيف أرضى المعرض شغفك التوثيقي؟


معرض مدينة الشرق/ الشوق هو معرضي الشخصي الأول، والتجربة الأولى لي في خلق مساحة تتناول موضوع واحد محدد بأبعاد عدة. فكرة صنع معرض شخصي في حد ذاتها لم تكن في مجال تفكيري سابقًا أبدًا، فأنا لا أزال أرى بأنني في مجال واسع، أنمو فيه كل يوم، اكتشف المزيد، وأسعى لصنع فن بصري أكثر نضوجاً من سابقه، يومًا بعد يومًا. ويجب عليّ أن اشكر في هذا الصدد إدارة بيت السلمانية، إلهام فخرو و طاقم العمل معها، الذين سعوا لإتاحة الفرص لي، لكي أقوم بأخذ هذه الخطوة، وأنشىء وسيلة تواصل أعمق بيني و بين الجمهور والساحة الفنية في البحرين. كانت رحلة طويلة، على مدى سنة أو أكثر، من التحضيرات و السعي وراء الفن والرسالة. رحلة علمتني الكثير، وأفخر بها، كما أفخر بكل من ساعدني في إنجاز المعرض.

وفي إطار التحضير المبدئي لهذا المعرض، كنت في خضم رحلة تدويني التي عنونتها بـ "رحلة في المدينة" والتي اختتمت سنتها الرابعة في شهر مايو 2019 وهو ذات الشهر الذي أقيم فيه المعرض. كانت رحلة تدوينية لإعادة استكشاف المنامة بصورة شخصية. كان السؤال حينها كيف يمكن عرض هذا المحتوى الذي أجمعه بطريقة قريبة من المجتمع، طريقة تتيح الفرصة للمجتمع بأن يرى ما كنت أراه في رحلتي، يلمسه و يتفاعل معه. لذلك قبلت التحدي، في أن اصنع معرض شخصي، يبني تجربة متكاملة للمشاهد، تجربة يستحضر معها المنامة، كمدينة شاهدة على تغير أحوال الزمان و أحلام الناس، رحلة قريبة للمشاهد، رحلة شخصية معي، و أتمنى أن أكون قد وفقت لهذا.

في سبيل الوصول لهذه الغاية، كان المعرض يتألف من أربع مجموعات فنية، عملين تركبيين (installation artworks) هدفهما هو الدفع بالمشاهد للسؤال والتفكر في عمق علاقتنا بالمدينة. بالإضافة إلى "صورة متعددة لمدينة المنامة – المجموعة الكاملة" وهي أعمال فوتوغرافية بتقنية التعريضات المتعددة، تسلط الضوء على العلاقة الفردية بين الانسان و المكان في المنامة. أما المجموعة الفنية الأخيرة، وهي الأهم في رأيي، فهي التي كان عنوانها "قراءات حول مدينة المنامة" والتي تضم طاولة خشبية مصنوعة باليد تمتد بطول ثمانية أمتار و عرض مترين، تأخذ شكل ثلاثة من أهم شوارع المنامة. تحمل هذه الطاولة، جزءًا مختصراً من رحلة بحثي و تدويناتي: مجموعة من المباني التي تحكي تاريخ المدينة، قراءات وصور حول كل مبنى، ومواد معماري تحليلية. كلها معا، جنبا إلى جنب، مع صور فوتوغرافية على الجدران، تحمل مشاهد مميزة لمدينة المنامة.


- أيهما أهم بالنسبة لك كموثق فوتوغرافي، الجانب الجمالي في الصورة أم المعلومات والتفاصيل التوثيقية التي تحتويها الصورة؟


بالنسبة لي، أرى أنني فنان الرسالة والهدف قبل أن أن أكون فنان جمالي – بمعنى أن أكون فنان مهتم أولًا وأخيرًا بنقل جماليات المشهد البصري فقط – وهذا يعني أن الثيم هو ما ابدأ به، الرسالة والهدف، الغاية والجمهور، ثم بعد ذلك، أحرص على الحصول على الإطار المطلوب بشكل جمالي يجذب المشاهد، ويثبت المشهد في عقله، و يخلق تجربة محببة لديه.

- معظم صورك الموثقة لمدينة المنامة أحادية اللون "أبيض وأسود". هل لذلك أي أهمية ذات علاقة بالثيمة وبالهدف التوثيقي، أم أن الأمر لا يتعدى اختيارا وذائقة فنيين؟


كل الصورة في المعرض هي أحادية اللون "أبيض وأسود"، لأنني أرى أن الصور الأحادية تجعل المحتوى أعمق، والاحساس بالضوء والظل بالنسبة للمشاهد أفضل، وهما عنصرين مهمين في نقل التجربة المكانية عن طريق الصورة الفوتوغرافية. خليط بين تصوير الشارع والبورتريه.


- بمناسبة ثيمة الضوء والظل، أرى أنك تركز كثيرا على هذه الثيمة في معظم أعمالك الفوتوغرافية بل إنك خصصت لها مشروعا أسميته بمشروع "الانسان مقابل الضوء". كيف توظف هذه الثيمة في الاحتفاء بتاريخ المنامة؟


الانسان مقابل الضوء، هو المشروع الفوتوغرافي الأول الذي عملت عليه. بشكل أو بآخر، كان هذا المشروع هو تجربة شخصية عميقة لإدراك الصورة والموضوع، الضوء والظل، الانسان والمكان. كلمات عميقة في المعنى، كبيرة في الإدراك، لكنني أرى أن التجربة القصيرة هذه – التي امتدت على ما اذكر لسنتين أو ثلاث – جعلتني أدرك أن القيمة والعنصر الحقيقي في الصورة الفوتوغرافية بطبيعة الحال هو الضوء، لكنه دائما ما يكون في ثنائية مع الظل. إن القدرة على تطويع هذه الثنائية في الصورة، هو ما يجعل الصورة كمادة بصرية قادرة على جذب المشاهد والتخاطب معه. سعيي لنقل التجربة المكانية – أو علاقة الانسان بالمكان – في المنامة للمشاهد، جعلني أطوع هذه الثنائية، الضوء والظل، في كل الأطر الفوتوغرافية، التي تحمل هذا المضمون. أنا بصورة شخصية أرى الضوء هو ما يخلق لدينا المكان، فهو الوسيلة الأهم لإدراك المساحة والمكان. جزء كبير من علاقتنا مع المكان، هو في علاقتنا مع الضوء. وفي بيئة مثيرة للاهتمام بثنائيات الضوء والظل مثل المنامة، يبدو الموضوع برمته مكون من طبقتين، الانسان والضوء، في المكان".


يعرف جعفر أن لكل مدينة مذاقها الخاص ونكهتها المميزة. يعرف أن بعض المدن كالمنامة تحمل من التفاصيل ما يجعلك في حالة حنين دائم، للمكان، المنامة، الذي يحمل قدرة اسثنائية لأن يخبرك بكل قصص المنامة، عبر الأزقة والحواري، عبر شارع الشيخ عبدالله، والسوق القديم، عبر "فرجان" المنامة، عبر وجوه أهلها من "المناميين" ومن سكانها من مختلف الجنسيات. كذلك هي صور جعفر تخبرك قصص هؤلاء، تخبرك عن علاقة هؤلاء بمدينتهم، كيف يرتبطون بها وكيف ينفصلون عنها. تقدم لك تصريحاتها عن الحياة في المنامة اليوم، عن الجانب النفسي وذلك البيئي، وقبلهما الهندسي للمنامة. عن تنوع أجناسها عن شموليتها عن دفئها وحميميتها. عن المنامة كما لم نعرفها.

117 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email