الموت الإيطالي




 كنت بين اليقظة والنعاس. أخذتني فجأة رعدة السقوط في هوة النوم. تعرفون تلك الرعدة التي خبرها الكل. نفضة الجسد. تأتيك حين تكون في برزخ الانتقال من يقظتك إلى نومك. يقول خبراء هي لحظة انتقال الدماغ من الصحو إلى النوم. وقفت فسمعت خلفي صوتا. صحت من؟ قال أنا الله. نظرت إلى سقف الغرفة حيث مكبرات الصوت. لم أر أحدا. قلت نسيت أنك هنا. قال أنتم تنسون دائما. لست هنا فقط. لمس جبهتي بيد تشبه في الحجم يد أبي وفي الملمس يد أمي. هل أنت بخير؟ قال. قلت مثلك لا يحتاج إلى أن يسأل. ابتسم الله بحزن خفيف. قال أجل. لكن أحب أن أسمع صوتك. أنا بخير. لكن يا الله من هذا الوحش الضئيل جدا؟. عهدنا الوحوش بأقدام عالية كالجبال وانياب هائلة كالمناشير. قال هذا ما تظنون. قلت كيف؟. قال هذا ما تختلف به عيوني عن عيونكم، إنني أبصر اما أنتم فترون. أغشي علي لدقيقة واحدة لهول المعنى. قلت يا الله. ما الفرق بين الرؤية والإبصار؟. قال الرؤية هو ما اكتشفه الحسن بن الهيثم أن الأشياء ترسل انعكاسها إلى الدماغ فيكون عنها صورة. أما الإبصار فهو أن العيون تضيء عتمة الوجود وهذا ما لم يختص به مخلوق أبدا. بل هو خاصية إلهية. ما تظنونه وحشا هو مجرد صورة في اذهانكم للوحش. حجمه وشكله.أما معرفة الفعل الحقيقي للكائن فهي من اختصاصي. الوحشية في النهاية فعل. أما الصور فتخدع كثيرا. كاد أن يغشى علي مرة أخرى لهول المعنى. لكنه جس رقبتي من أسفل الأذن وقال إنك محموم. الفايروس يعمل عمله في جسدك الهش. يحفر نسيجك بلا كلل مثل سرب من النمل في جسد حيوان ميت. قريبا ينخرك هذا النهش فتصبح مثل موشور على سطح الماء. التهب حلقي كمن يتجرع سما. تذكرت سقراط وهو ينفذ حكم القضاة القساة بكل صبر واحترام للقانون. برباطة جأش وامتنان يتجرع السم في كأس محلول الشوكران. فيما زوجته تنظر إليه. بكت وقالت إنهم يعدمونك ظلما. ضحك. قال وهل يعجبك ان يعدموني عدلا؟ كم أنت عظيم يا سقراط. هل قيل أنك رفضت الهرب من باب السجن الذي نسوه مفتوحا عن عمد لكي يكون الفرار عارك إلى الأبد؟ لو فررت لكان لهم المجد. كان إعدامك يخجل عدالتهم. شرد ذهني للحظة. ما العلاقة بين الشوكران والسكر؟. أقصد هذا التناص اللفظي. تذكرت أن كلمة سكر هي في كل اللغات تلفظ صوتيا بأشكال قريبة جدا من بعضها. سكر، شكر، زخر، شوغر، زوكر. من اليونان إذن جاء أصل كل لغات الأرض. هههه، الشوكران كان سما. السكر الآن يوصف ايضا بأنه سم الحضارة الحديثة. قال لي الله شرد ذهنك؟. ذهبت بعيدا في كوكب الكلام. قلت كما ترى. قال هذا أفضل. ليست وظيفة اللغة القول فقط. بل أن تأخذكم في رأفة النص كلما جرح أعماقكم الألم الممض. لهذا علمتكم الأسماء. منحني ليمونة حمراء بلون التفاح. قال هذا من الجنة. ابتسمت وقلت كأبينا آدم إذن. قال نعم ولكنها تفاحة حمضية. ظاهرها التفاح وباطنها الليمون. كان طعمها حارقا لاسعا كطعم حمض الكبريتيك. أنساني احتراق حنجرتي بالمرض. سمعت صوت تقصف ملايين الفيروسات في حلقي. طق طق. ضحكت برغم الألم. قلت المزيد. قال لا. هذا يكفي لليلة. وقفت وكان طعم الليمون الحارق يجتاحني كأني ابتلعت جمرة من منقلة الشواء. شاهدت الفيروسات تخرج من فمي زرقاء وسوداء متعددة الأشكال والالوان وهي مصابة بالهذيان. تموت أمامي. تتوسلني أن أسامحها. لكني برغم بحة صوتي الصادر من أوتار يحرقها الحمض اللاذع، قلت لها مقهقها موتي أيتها الوحوش الضئيلة. سرى بعضها على وجهي ودخل في عيني. شاهدتها تسير على سطح بياض مقلتي. لم أقلق. رحت أسخر منها. فرغم بلوغي الستين من العمر، وكوني معرضا أكثر من غيري للموت الإيطالي، إلا أنني تذكرت كلام وزيرة الصحة في روما هذا فايروس يصيب الجهاز التنفسي. فيما عدا ذلك هو لا يفعل شيئا في بقية أجهزة الجسم. شكرا لك يا روما. يا عظمة الأساطير النائمة في مركب الخلود. يا روما الحزينة الصامدة. يا من علمتنا سر الموت، فخذلك سر الحياة. يا روما القوية. لقد نجوت من الطاعون العنيف. يوم كان عدد من تبقى من الأحياء لا يكاد يكفي لدفن الموتى كما يقول إلبير كامي. اصمدي أكثر. ابقي قوية من أجلي. ركضت إلى الحوض. غسلت يدي متبعا بالدقة تعليمات اللجنة الوطنية لمكافحة الوباء. عليك أن تمارس عملية غسل اليد برتابة التفاصيل بدون أي تجاوز. غسل بطن الكفين ببعضهما فركا. غسل ظهر اليد الأولى ببطن الثانية ثم العكس. غسل جانبي الكفين. تخليل الغشاء الرقيق ما بين اصابع اليد الاولى باستخدام اصابع الثانية. ثم العكس. فرك قمم أصابع الكف الأولى بباطن الكف الثانية. ثم عكس العملية. كشط داخل الأظافر. انسابت الفيروسات مليون، مليونان، ثلاثة، إلى مجرى الماء في المغسلة. كانت لها عيون تستغيث. قلت اذهبي إلى حيث يليق بك. استلقيت على سريري الأبيض. كان الله لطيفا جدا معي. بحثت حولي فلم أره. لكني سمعت صوته من جهاز البث الصوتي في المستشفى. انا قريب جدا. كونوا بخير. نهض جسدي من السرير وروحي لا تزال نائمة عليه. رأيت جسدي يذهب مرة أخرى إلى المغسلة. الفيروسات اللعينة تخرج. حمراء، صفراء، سوداء، باشكال والوان عديدة. روحي كانت تشاهد جسدي. الفيروسات تنظر إلي بغضب. كدت اقول لها اذهبي إلى الجحيم. لكن كان صوت روحي صامتا. كنت أصرخ لكن دون صوت. رجع جسدي منهكا. لكنه كان سعيدا متشفيا في الفيروسات التي جرفها الماء إلى البالوعة. دخل في روحي مجددا. كان دخول الجسد في الروح سهلا. كان نحيلا جدا. لقد قاتل بشرف. وكانت فراغات الروح مصممة بدقة متناهية. بكل بساطة تدخل الاجزاء مكانها عن طريق ملء فراغات الروح بأعضاء الجسد. مثل لعبة الجيغسو. ظل جسدي طوال الليل يخرج من روحي ويفرغ الفيروسات في المغسلة ثم يعود. كان ينحف أكثر فأكثر. كان يبدو أنه يشفى قليلا قليلا. لكن يدفع ثمن الشفاء من لحمه. لا بد من شقاء لكل شفاء. النقطة التي تضاف وتحذف. فاء، قاف، فاء، قاف. الفيروسات اللعينة تخرج منه ببقايا من نسيجه في انيابها المدببة. في المرة الأخيرة لم يعد جسدي إلي. ظل واقفا منحنيا على المغسلة. يتلاشى. تنفتح فراغاته من كل جانب. يدخله ضوء الفلورسنت الأبيض. يشع. جسدي امحى. قامت روحي من السرير. مشيت بلا جسد. نظرت إلى المغسلة. كانت عميقة جدا. تطل على هوة تشبه واديا مهولا. رأيت الفيروسات هناك يأكل بعضها بعضا. أكثر توحشا. كانت تحاول الخروج لتعود إلي. خرج بعضها بصعوبة. حاول أن يدخلني لكن لم يكن ثمة جسد. حاول دخول روحي. كان ملمس روحي انزلاقيا. سطح روحي صابونة من النعناع. كلما لامسته الفيروسات أنزلقت إلى وادي الموت. أشفقت عليها. التفت خلفي. كان الله ينظر إلي. أخذ روحي وطواها مثل السجل. رتب حوافها بدقة وجمال لتبدو بشكل مستطيل أبيض. حملها في يده وخرج. تناهى إلى سمعي صوت امرأة تنشج. سمعت صوت الممرضة تعتذر إلى الطبيب المناوب. كان المريض هنا في الغرفة. لا أعلم أين اختفى. قال الطبيب يبدو أنك تهذين. جس حرارتها. كانت ٣٧،٨ درجة مئوية. قال لها ليس مهما أين ذهب المريض. الآن ما يهمني هو سلامتك. انت مصابة بالمرحلة الأولى من المرض. خذي إجازة لمدة اسبوعين.

27 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email