امين صالح المترجم




يترجمُ ما يُحب.
هذا هو أمين صالح عندما يترجم. لم يسبق له أن امتثل لأي طلب من أي مؤسسة نشر أو دار طبع، أو أنهم طلبوا منه أن يفعل ذلك. ربما لأن شرطه الأول في النص الذي يترجمه هو الشعرية، وأن يحب هذا النص. هذا هو الشرط الذي ينطوي على حساسية ذائقته الشعرية بالغة العمق، حتى إن أحد القراء المتخصصين قال لي إنه يشعر بأن هذا الكتاب يكاد يكون غير مترجم، إنما هو مكتوب من قبل أمين صالح شخصياً. وظني أن هذا ما يميز الكتب التي ينجز ترجمتها أمين صالح عن غيرها من الكتب المترجمة.
لا يتنازل أمين صالح عن لغته الشعرية عندما يتصدى للترجمة. وأذكر أن مسؤولي مهرجان السينما في السعودية، عندما طلبوا منه إنجاز كتاب سينمائي، اختاروا الموضوع الذي يحبه أمين صالح بالذات: شعرية السينما، خصوصاً بعد اختياره ترجمة نصوص نقدية أدبية عن الشعر بالذات، كتاب «جيوبي مليئة بالفصول أيتها الينابيع».

٭ ٭ ٭

لا يحتاج الكلام عن الأديب أمين صالح مناسبة، لولا صدور اثنين من ترجماته معاً منذ أيام، في سلسلة روايات (إحدى مؤسسات «دار كلمات» في الشارقة). وعندما يعكف أمين صالح على ترجمة كتاب عن الروائي التشيكي ميلان كونديرا فهذا لا يعني إعجابه فقط بهذا الكاتب، لكن خصوصاً لأن فن الرواية المختلف الذي يقترحه كونديرا يحاكي الذهاب الإبداعي الذي ينسجم مع الخاصيات الفنية التي يحبذها أمين صالح.

٭ ٭ ٭

في مقالات هذا الكتاب سيتاح لمن لا يعرف شيئاً عن كونديرا الإنسان والمناضل، أن يكتشف الكثير عن كونديرا في نضاله الإصلاحي مع رفاق الحزب الشيوعي في بلاده، من أجل الخروج من سطوة الجهاز الحزبي المدجج بأيديولوجية حديدية. وسيعرف القارئ عن الموقف التقدمي (سابقاً حزبه) الذي جعل كونديرا يدافع مبكراً عن التجريب الطليعي في التعبير الأدبي، وسيعرف خصوصاً سخريته البالغة من القيود المفروضة على كتّاب بلاده، ولن ينسى القارئ كلمة كونديرا الذي كتب في رسالة لصديقته (التفاؤلية أفيون الشعوب) وهو تعبير ساخر لمقولة ماركس التي قال فيها: «الدين أفيون الشعوب».

٭ ٭ ٭

لعله درس متأخر، لكنني اعتقد أن الوقت لا يزال ممكناً لتدارك دوغمائية الأحزاب الستالينية في العالم (الأحزاب العربية خصوصاً) لئلا تقع الأجيال الجديدة في المأزق الدوغمائي نفسه الذي تورطت فيه أجيالنا. وربما لا بد للمعجبين بأدب كونديرا من إدراك أن التحرر الفكري أحد أهم روافع الأدب الجميل، الذي منحنا إياه هذا الكاتب.

٭ ٭ ٭

في القسم الأول من المقالات يقدم المترجم عدداً مهما من القراءات النقدية لبعض روايات كونديرا، وظروف كتابتها، ومنظور النقاد المعاصرين لفعالية تجربة كونديرا. ونعرف منها المجابهات التي عاشها كونديرا بعد الاحتلال السوفييتي لبلاده، والحصار الشخصي الذي تعرض له حد منعه من الحصول على عمل، وكتابته تلك الروايات الجميلة التي كانت تطبع خارج بلاده بلغات أخرى قبل نشرها في بلاده بعشرين وأربعين عاماً.

٭ ٭ ٭

بالنسبة له، يعتبر «أولئك الذين يبحثون في العمل الفني عن (وضع سياسي، فلسفي، ديني، أو أي كان) مفضلين ذلك على البحث عن محاولة للمعرفة، أو الفهم، للإمساك بهذا المظهر أو ذاك من الواقع، إنما هم الحمقى وقليلو الذكاء، وعدم الاكتراث.
يقول كونديرا: (بوسع الروائي أن يستنطق السياسة من الخارج، حيث الموضع الأعلى للفن. وبوسع الروائي توفير ملاحظات واضحة وشفافة عن السياسة، في الوقت الذي يقاوم الإغراءات بالمشاركة في الانفعالات السياسية والأيديولوجيات السياسية). وهو، في مسيرته النضالية، جابه كل تلك المعارك بكتابة نصوصه بشكل فني راق، جعلته في مقدمة كتاب العالم. وعلى الرغم من الزخم السياسي الذي يتجلى في معظم رواياته، بتجربته العنيفة في المرحلة السوفييتية لبلاده وشعبه، إلا أنه لا يحب وصف رواياته بأنها أعمال سياسية، ما يجعل المسافة بين نية الكاتب ومعطيات أعماله، تتيح غموضاً محفزاً للنقاد في حقل الأدب وعلم الاجتماع.

٭ ٭ ٭

يبقى أن القسم الأكثر إمتاعاً في ترجمة أمين صالح، هو قسم الحوارات، التي اختارها المترجم بقدر من الوعي الجميل لتجربة الروائي الذي يتحدث بحرية مذهلة. فعندما يقول كونديرا، مثلاً: (لقد ولدنا دون أخذ مشورتنا) سوف تشعر بأن ثمة أسئلة جذرية يصدر عنها كونديرا، ويحرض القارئ على تداولها بجدية. ولكي تعرف ملاحظاته وانطباعاته عما صادفه في أبرز الأعمال الأدبية العالمية، يتوقع منك الروائي والمترجم أنك قد اطلعت على تلك الأعمال، لكي تعود للقراءة وتعيد النظر في فهمك القديم لها.

٭ ٭ ٭

سيتحدث خصوصاً عن الأجواء الأوروبية التي تتحرك فيها رواياته، أبعد من براغ، سيرى إلى الثورات الأوروبية، بوصف أوروبا الكوكب المنفلت دون سيد.
عليك، في ما تقرأ حوارات كونديرا أن تمنع رأسك من الدوار.
كاتب مثله، يتحدث بهذه الدرجة من الحرية (التي لا تحتمل) من شأنه أن يبوح ويشطح، ومن شأننا إعادة قراءة كتاباته.

٭ ٭ ٭

لكن تعالوا اسمعوا ما يقوله عن الحرب، كأنه الآن: (لو أن شخصاً قال لي وأنا صبي: يوما ما سترى بلادك تختفي من خريطة العالم، لاعتبرت كلامه هراءً، وشيئاً لا يمكن تصوره. كل فرد منا يعلم أنه سيموت يوماً ما، لكن ليس بلاده. يعتقد أنها تمتلك نوعاً من الحياة الأبدية. لكن بعد الغزو الروسي في 1968، كان كل تشيكي تراوده فكرة أن بلده وأمته يمكن لها أن تُزال من أوروبا، تماماً مثلما حدث في العقود الخمسة السابقة، عندما اختفى، في هدوء شديد 40 مليون أوكراني من العالم، دون أن يظهر هذا العالم أي اهتمام بالأمر، أو الليتوانيون، هل تعلم أن ليتوانيا في القرن السابع عشر كانت أمة أوروبية قوية وذات نفوذ؟
اليوم يعمل الروس على إبقاء الليتوانيين في أراضيهم مثل قبيلة شبه منقرضة. وهم محتجزون داخل حدودهم، ولا يُسمح بزيارتهم للحيلولة دون تسرب المعلومات عن وجودهم إلى الخارج. لا أعلم ما يخبئه المستقبل لأمتي. لكن من المؤكد أن الروس سيبذلون كل ما في وسعهم لتذويب هذه الأمة تدريجياً داخل حضارتها. لا أحد يعلم ما إذا كانوا سينجحون في تحقيق ذلك، لكن الاحتمال قائم. وهذا كفيل بتغيير إحساس الإنسان بالحياة كلياً، حتى أوروبا تبدو في هذه الأيام هشة وأقرب إلى الفناء».

٭ ٭ ٭

سيخاف كونديرا من الأشخاص فاقدي حس الدعابة.. وسيقول إنه اكتشف حس الدعابة خلال سنوات الإرهاب الستاليني. الدعابة التي تتفاقم في العديد من رواياته، حيث تتحول الدعابة كقوة تدميرية أقوى على مجابهة التجهم السوفييتي في الحياة داخل دول أوروبا الشرقية.

٭ ٭ ٭

يبقى أيضاً تأمل تأملات كونديرا التي اختارها لنا أمين صالح في شذرات صغيرة في نهاية الكتاب. يجوز لنا التعرف في هذه الشذرات على الجواهر المسحوبة من منجم كونديرا، تلك الكلمات التي تختزل جانباً من رواياته ومقالاته التي مرت علينا دون ملاحظتها، فيما كنا نقرأ كونديرا في سابق الأيام. من منا يتذكر مثلاً أنه توقف عند جمل مثل هذه: (عاطفة الحب تمنحنا وهماً أننا نعرف الآخر- من رواية «خفة الكائن التي لا تحتمل»). (هل تظن أن الماضي، لمجرد أنه حدث سابقاً أنه قد انتهى ولم يعد قابلاً للتغير؟ آه، لا. الماضي مغطى بعباءة من النسيج الحريري المتعدد الألوان، وفي كل مرة ننظر إليه نرى تدرجاً لونياً مختلفاً- من رواية «الحياة في مكان آخر»)

٣٥ مشاهدة