انطباعات حول مجموعة (إبتسامات هاربة)


الصديق الأستاذ محمد بو حسن متعدّد المواهب والهوايات، فهو شاعر مبدع باللغة الفصحى والعاميّة، وهو مؤلف ومخرج مسرحي له باع طويل في هذا المجال، وهو أيضاً قاص واعد وكاتب مقالات ثقافية وأدبية متنوّعة. وقد تقلّد خلال مسيرته الحافلة بالأنشطة العديد من المناصب منها رئيس مسرح الريف ورئيس مهرجان الأندية الوطنية للمسرح وهو الآن يشغل منصب نائب رئيس مركز كرزكان الثقافي والرياضي ورئيس اللجنة الثقافية فيه كما يرأس ملتقى القصة في أسرة الأدباء والكتاب البحرينية إلى جانب عضويته في عدّة مراكز ثقافية ومنتديات أدبية داخل البحرين وخارجها.

وقد أصدر محمد بو حسن مؤخراً مجموعته القصصية الأولى وهي (إبتسامات هاربة)، وحينما سمعت بإسم هذه المجموعة، تذكرت على الفور مجموعتي القصصية الثانية (قصص هاربة) التي أصدرتها قبل حوالي عشر سنوات، والتي تتشابه فيها مع هذه المجموعة في صفة (هاربة) لكنها تختلف عنها في الكلمة الأولى، فهنا إبتسامات هاربة وهناك قصص هاربة، وبالطبع هناك اختلاف في مواضيع القصص ومضامينها. وفي رأيي المتواضع أن بو حسن قد وفق في اختياره لهذا الإسم حيث أن غاليبة قصص المجموعة تتحدث عن الأحزان والآلام وحالات الفقد والموت المفاجئ والحرمان والظلم والمعاناه الشديدة التي يكابدها أبطال القصص مما يجعل الإبتسامات وأوقات الفرح بعيدة أو هاربة عنهم.


مهدي عبدالله

تتألف المجموعة من أربع عشرة قصة متوسطة الطول وهي: سأنتظرك هنا، هواجس ضائعة، وعاد من حيث جاء، بقايا سجود، وتناثرالحلم،ظلمة الطريق،القماش الأسود، طموح تائه، وعادت سمر، مجرد حلم، هذيان زائف، سر الإختفاء، مفاجأة غائبة، وعزف آخر. وجميع عنواين هذه القصص تحمل صيغة أدبية جميلة كما أن معظمها لا يبوح بمضمون القصة بل ينبغي علينا قراءتها لمعرفة المقصود بالعنوان.

والآن سوف نتحدث بإيجاز عن عدد من القصص ونقدّم بعض الملاحظات حولها. فقصة (وعاد من حيث جاء)تصوّر الصداقة الحميمة بين شابين من نفس القرية، يعملان في صيد السمك ويركبان قاربهما الصغير " الفرتة " ويتوغلان في عرض البحر طلباً للرزق، ثم تقع الفاجعة حينما يصبح الموج قويّاً عاتياً وتشتد العاصفة وينقلب القارب بهما فيصارعان الموج ويبتعدان عن القارب، ويلقى أحد الشابين مصرعه بينما ينجو الآخر بأعجوبة. ويظل الشاب الناجي وفيّا لصديقه طيلة حياته حيث يأتي كل يوم إلى الصخرة القريبة من البحر التي اعتاد الجلوس عندها مع صديقه ويستذكر الأيام الجميلة التي جمعتهما معاً ويتأسى عليها.

"بكاء وألم وحسرة، عاد بفكره ينظر إلى البحر وإذا به يرى نفسه في ذات المكان، لكنه جاء متعكزاً هذه المرة، رفع رأسه وهو يخاطب هذا الصديق القديم: أخذت مني صديقي وسلبت قواي فلا حاجة لي بك. أدار ظهره إليه وعاد من حيث جاء."

ويتكرر الفقدان والموت في قصة (بقايا سجود) حيث يفقد البطل أمه بعد موت الأب وابنته في حادث أليم. القصة يرويها السارد بضمير الأنا (الضمير المتكلم) وفيها استرجاع لذكريات الطفولة مع الأخت سارة والذهاب إلى ساحل البحر والبراحة مع أمهما ولعبتهما الخشيشة معاً، وحسون الأقرع بدراجته القديمة. وأعتقد أن القصة يمكن أن تنتهي عند عبارة(كي ترتاح) الواردة قبل الفقرة الأخيرة، وما بعد ذلك يعتبر استطرادا زائداً لا لزوم له.

أما قصة (وتناثر الحلم) فتصوّر الطمع والخداع والنصب على ابن الأخ من قبل عمه الذي أمره ببيع المزرعة التي ورثها عن أبيه فورا وإلا خسرها بالكامل، لكن ابن الأخ لم ينصع لكلام عمه لأن لديه مستندات تثبت ملكيته للمزرعة بالإرث عن ابيه . ثم يموت العم فجأة فيفرح ابن الأخ لأنه سيكون الوريث الوحيد لأملاكه حيث أن الوعم ليس له أولاد وزوجته توفت منذ طويل. لكن الفرحة تبخرت وتناثر الحلم حينما يأتيه إتصال من محامي عمّه يخبره بإخلاء المزرعة فوراً لأن زوجة عمه الثانية سوف تصل من لندن بعد يومين، وهي الوريث الشرعي له.

في هذه القصة والقصص الأخرى نرى معالم القرية الجميلة كالمزرعة وأشجار اللوز والنخيل والبرسيم والطريق الزراعي إضافة إلى البحر، كما يرسم الكاتب بعض العادات القديمة كلعبة الدوامة وشقاوة الأطفال والغزل البريء من جارتهم سارة الجميلة.

قصة(ظلمة الطريق) أيضاً تركز على فقدان البطلة لأمها الحنونة التي تحبها وتحضنها وتسليها في أوقاتها، فتظلم الدنيا في عينها وتصبح وحيدة في البيت مع وساوسها وحزنها رغم وجود والدها العجوز المشلول والمقعد. ثم تصاب بفجيعة جديدة عند موته وهو مبتسم على الكرسي، لكن هناك أملاً وبصيصاً من التفاؤل صوره الكاتب بالنافذة المفتوحة على الخارج والتي تنبيء عن الخير والسعادة القادمة.

أما قصة القماش الأسود فهي قصة اخرى عن الصداقة القوية بين شابين يعملان في نفس المهنة ويقطع هذه الصداقة الحادث المفجع الذي راح ضحيته أحدهما بينما نقل الآخر إلى المستشفى وهو في غيبوبة. وبعد أن يفيق يسأل عن صديقه وينصدم عندما يعلم بخبر مصرعه فلا يصدق ذلك ويظل بقية حياته حزيناً بائساً ومتعباً نفسياً وهو يستذكر الأيام الجميلة التي جمعتهما منذ الطفولة، ويصاب بهلوسات وتيه وحيرة فلا يعرف الطريق الذي يسير فيه ويتخيل انه سيجد صديقه لكن لا محالة. وفي النهاية يرشده أحد كبار السن إلى حفرة كبيرة في المقبرة ويقول له: هنا يوجد صديقك ويرمي على وجهه قماشاً أسود، كناية عن الموت. ومن المميزات الجميلة في هذه القصة إشراك عناصر الطبيعة كالأشجار والأوراق اليابسة والنخيل التي تتفتت جذوعها في مشهد الموت والنهاية والحياة التي لا تدوم لأحد.

قصة (طموح تائه) تحكي عن أخوين أحدهما طيب القلب محب للخير والآخر خبيث وطمّاع وشرس الطباع، يحاول أن يستولي على الأملاك التي تركها لهما والده بعد وفاته ويستفرد بها ويعامل أخيه معاملة سيئة ويهينه دائما رغم أنه ليس أقل منه تعليماً ولا كفاءة، ويسعى لأن يتلاعب بوصية الوالد التي أوصى فيها بإعطاء العامل في مزرعتهم نصيباً من التركة، وفي نهاية القصة تكتشف المحكمة التلاعب وتقرر إغلاق الشركة التي يملكانها، وهذه هي النهاية الطبيعية لكل ظالم، وإنتقام للأجير الذي حرم من نصيبه.

"حاول الإتصال بأخيه في الشركة، حاول عدّة مرات لعل أحداً يرد على الهاتف ولكن بلا فائدة، استقل سيارته مسرعاً، وصل ليرى الشركة محاطة برجال الأمن ، وهنا انصدم بعد أن عرف بأنه تم القبض على أخيه وحجز كل أملاك الشركة وتشميعها من قِبل المحكمة. وصية الوالد لم تجد طريقها للتنفيذ، للحاج ثامر نصيب من المزرعة لكن حضرة الأخ تلاعب بجمر الحرام وركبه العناد، سلب المسكين حقه طوال الأعوام الماضية، ماذا لو عوضه بمبلغ ما، هي كأنها دعوة مظلوم صعدت إلى السماء ثم نزلت إنتقاماً مبرماً، يرحمك الله ياحاج ثامر."

أما قصة (سمر) فتتحدث عن الحب الذي يجمع بين شابين ويتوّج بالزواج، ثم فقد الزوجة وموتها وهي في ريعان شبابها مخلفة طفلة أسمياها سمر، على اسم أمها. الفقد والموت يتكرران هنا أيضاً.

قصة (مجرد حلم) تدور حول شاب يصاب في حادث ويصبح في غيبوية ثم يفيق ويجيء اليه الطبيب ويقول له: سامحنا لا نستطيع أن نفعل لك شيئاً، ستعيش طول عمرك على كرسي متحرّك، فيحزن حزناً شديدا، ويرى وهو بين الغفوة والنوم حبيبته (ملاك) تأتي إليه وتطمئنه إلى أنها ستقف بجانبه إلى الأبد. ثم نكتشف في النهاية ان هذا كان حلماً كابوسيا راوده أثناء نومه حين تأتي أمه لتوقظه لكي يذهب إلى العمل. القصة جميلة وفيها هواجس ومخاوف الشاب وحبذا لو كان عنوان القصة مختلفاً عن مجرد حلم لأن هذا العنوان قد باح بسرّ القصة من البداية.

قصة (هذيان زائف) تحكي أيضاً فقدان رجل لزوجته التي يحبها ويعشقها، فيصاب بالهذيان ويتخيل أيامهما الحلوة معاً وسنوات الحب والصخرة التي يجلسان عليها عند ساحل البحر، ثم يتخيل انها غاضبة عليه لكنه لا يعرف السبب. يتخيلها في كل مكان يذهب إليه، في غرفة النوم وباقي أرجاء المنزل ولا يستطيع أن يهرب من مخيلاته الزائفة.

أما قصة (سرّ الإختفاء) فتتحدث عن اختفاء مفاجئ لصديقة بطلة القصة العزيزة جداَ على قلبها والتي تدرس معها في الجامعة وحين تسأل الجيران عنها يقال لها أنها هاجرت دون رجعة . وتمر الأيام وتتزوج البطلة (نجلاء) وتتأخر في الحمل وتقرر أن تسافر مع زوجها إلى إحدى الدول الأوروبية للعلاج. وفي المستشفى تقع المفاجأة حين تكتشف أن الطبيبة المعالجة لها هي صديقتها المهاجرة.

وتدور قصة (مفاجأة غائبة) حول شاب تصادفه في المقهي إمرأة رائعة الجمال فيحاول التعرف عليها لكنها لاتوليه إهتماماً وتأتي سيارة مرسيدس فتركب فيها المرأة وتسير بعيداً ثم بعد بضعة أيام يشاهدها في المقهى مرة ثانية ولكن هذه المرة مع طفلها الصغير، فيسعى الشاب إلى التحدّث معها لكنها تتجاهله.

وبعد خروجه من المقهى يتفاجأ باتصالها به عبر الجوال فيتساءل كيف عرفت رقمه وماذا تريد منه؟ فتطلب المرأة منه التخلص من زوجها الشرس الطباع.

"بقيت أفكر فلم أنم طيلة تلك الليلة، قلت في نفسي ما الذي يحدث وماذا تريد مني هذه السيدة لتطلب منّي هذا الطلب الغريب بعجالة وجرأة ولم تعرف عني شيئاً؟ تمنيت أن يأتي الصباح على عجل لمعرفة هذا الأمر، إلا أنها هي من بادرت الإتصال بي ، وهنا إستمعت لصوتها المبحوح بعلامات الحزن والألم وقسوة الزمن وما نال منها وهي في ريعان شبابها لتشتكي لي من معاناة وجبروت ذلك الرجل المتسلط الذي استغلها بثروته واقنع والدها المسكين العامل بشركته في الزواج منها نظير إقتراضه مبلغاً من المال ، كانت هي عبارة عن صفقة مربحة في القصة التعيسة."

وفي اليوم التالي يتفاجأ مرة أخرى بطرق على باب بيته وحينما فتحه وجد المرأة أمامه وطلبت الدخول، فتردد وارتبك فدخلت إلى البيت وذهبت مباشرة إلى غرفة والدته التي عانقتها بحرارة وتبين له إنها جارتهما القديمة وصديقة الطفولة. توسلت المرأة إلى الشاب أن يخلصها من مخالب زوجها الظالم الذي حوّل حياتها إلى جحيم مما سبب لها من معاناة بجبروته وتسلطه وتركها تعاني من الحزن والألم وقسوة الزمن، فوعدها الشاب أن يبذل قصارى جهده لمساعدتها في ذلك عن طريق أحد المحامين الكبار.

(عزف آخر) ، القصة الأخيرة، قصة حزينة جاءت بضمير المتكلم وفيها إسترجاع للماضي المؤلم وربما تكون جزءاً من سيرة ذاتية للكاتب، حيث يتحدث البطل عن مأساة فقدان طفلهما الوحيد المعاق وهو في سن الخامسة، والحياة البائسة و التعيسة التي عاشها الزوجان بعد ذلك، وفيها استذكار للوالد الفقير وظلم العم الشديد له رغم إنهما يعملان في نفس مؤسسة البناء التي يملكانها معاً، وهذا المشهد أي ظلم العم للأب تكررّ في أكثر من قصة من قصص المجموعة. رغم ذلك لايزال هناك بصيص من النور والأمل ومتسع للفرح حيث يحتفل الزوجان سنوياً بذكرى الطفل وسط الشموع والإيمان بقضاء الله وقدره. وهذه القصة من أجمل القصص في المجموعة.

29 عرض