باتريك زوسكيند.. لغة توقظ الحواس




الكاتب الألماني باتريك زوسكيند

بفضل رواية واحدة، هي "العطر"، نال الكاتب الألماني باتريك زوسكيند Patrick Suskind شهرة عالمية واسعة، وصار واحداً من أهم الأسماء في الأدب الألماني المعاصر.. كما ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات العالمية.

لقد كتب القليل، لكنه جرّب مختلف الأجناس الأدبية، من القصة والرواية والنص المسرحي والسيناريو التلفزيوني والسينمائي.

ولد باتريك زوسكيند في أمباخ، البلدة الواقعة بالقرب من ميونيخ، في 26 مارس 1949. والده كاتب وصحفي معروف، وأخوه مارتن أيضاً صحفي بارز وكاتب سياسي. أما أمه فمدرّبة ألعاب رياضية.

درس في هولزهاوسن، وهي قرية بافارية صغيرة. ثم درس تاريخ القرون الوسطى والتاريخ الحديث في جامعة ميونيخ، وفي فرنسا من العام 1968 وحتى 1974.. غير أنه انقطع عن الدراسة. وبدعم من والديه، أقام في باريس حيث بدأ في ممارسة كتابة القصة وعدد من النصوص التي لم تُنشر، والسيناريوهات التي لم تتحوّل إلى أفلام.



في العام 1980 كتب مسرحيته الأولى "كونترباص". وفي سنوات الثمانينيات كتب عدداً من الأعمال الناجحة للتلفزيون الألماني، تعاون خلالها مع الكاتب والمخرج هيلموت ديتل (مع هيلموت تعاون مرة أخرى في 1996 عندما كتب له فيلم "روسيني" الذي يتابع المسيرة الفنية لتشكيلة من الشخصيات في صناعة السينما الألمانية، تتقاطع حيواتهم في مطعم بميونيخ. زوسكيند حاز على جائزة السيناريو عن هذا الفيلم، والمقدمة من إدارة الثقافة الألمانية).

في العام 1985 طبعت روايته "العطر: قصة قاتل" التي حظيت بشهرة عالمية كاسحة، وظلت في قائمة الأعلى مبيعاً لمدة تسع سنوات، حسب تقارير مجلة دير شبيجل الأسبوعية. بعد محاولات فاشلة عديدة من منتجي الأفلام لشراء حقوق تحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي، وافق زوسكيند على بيع الحقوق في العام 2000. وبعد ست سنوات تحقق الفيلم بإخراج الألماني توم تايكفر.. لكن زوسكيند اعتذر عن حضور حفل افتتاح الفيلم.

في 1988 أصدر روايته القصيرة "الحمامة"، ثم "حكاية السيد زومر" (1991)، والمجموعة القصصية "ثلاث حكايات وملاحظة تأملية" (1996)، وكتاباً يضم عدداً من مقالاته بعنوان "عن الحب والموت" (2006).


المخرج الألماني توم تايكفر

الطاعن في العزلة


معروف عن باتريك زوسكيند نزوعه إلى الانعزال والانطواء في حياته المتوزعة بين ميونيخ وفرنسا، وعزوفه عن الحضور الإعلامي، وابتعاده عن الأضواء وكل ما من شأنه أن يخترق حياته الخاصة، وينتهك عزلته، ويكشف خصوصياته. ومع الشهرة والحفاوة البالغة في الأوساط الثقافية ازداد هو نأياً وإعراضاً عن مظاهر الاحتفاء والتقدير.

حسب إحدى الجرائد، زوسكيند – طوال مسيرته - لم يسمح إلا بإجراء أربع مقابلات معه فقط، وكلها في سنوات الثمانينيات، بعدها قرر ألا يتحدث إلى وسائط الميديا، وأن يمتنع عن التعليق على أعماله أو أعمال الآخرين. أما صوره العامة فهي نادرة جداً. لذلك فإن حياته، في معظم مراحلها، تظل مجهولة ومحفوفة بالأسرار والألغاز.

النقاد والقراء والأوساط الثقافية لا يعرفون شيئاً عن آرائه وأفكاره الأدبية أو السياسية، أو طموحاته، أو مشاريعه المستقبلية. لذلك فإن هويته الأدبية غامضة أو ملتبسة. حتى عندما يتطرق إلى المؤثرات الأدبية التي شكّلت توجهاته وغاياته فإنه يزعم أن ذاكرته ضعيفة جداً إلى حد أنه بالكاد يتذكر النص الذي قرأه أو اسم كاتبه، وهو يعتبر نفسه محظوظاً بهذه النعمة لأنها تحرره من قلق التأثر بالآخرين.

ووصل الأمر به حد رفض استلام الجوائز المالية والتقديرية لقاء أعماله الأدبية.


لغة توقظ الحواس


في أعمال زوسكيند نجد أن التركيز الأساسي على سلوك الكائن اللامنتمي، القاطن على هامش المجتمع أو خارجه، ورصد دوافعه ضمن عوالم هي مزيج من الواقعية والغرائبية.

شخصياته أفراد وحيدون، منعزلون، يحيط بهم عالم عدائي لا يكف عن محاولة التدخل في شؤونهم، أو اقتحام حصونهم بغية انتهاك تلك الخصوصية التي يناضلون من أجل حمايتها والمحافظة عليها.

الفكرة في أعمال زوسكيند تبدو عادةً بسيطة، لكن في العمق تكمن رؤية وجودية عميقة.

إن زوسكيند يعتمد في توصيل أفكاره ورؤاه على لغة باهرة، قادرة على إيقاظ حواس القارئ.


مسرحية "الكونترباص"

الكونترباص


مسرحية "الكونترباص" تنتمي إلى نوع المونودراما، القائمة على ممثل واحد، يلقي مونولوجاً طويلاً ذا صبغة جادة وهزلية معاً.. وعبر هذا تسبر المسرحية علاقة العازف بآلته (الكونترباص)، وتلقي ضوءاً على الدور المساعد للعازف وللآلة في الأوركسترا وفي الحياة.

في البداية يعبّر العازف عن احتجاجه وتمرده، لكن في النهاية يضطر هو وآلته إلى الامتثال والقبول بالدور الثانوي المخصص لهما.

المسرحية حققت نجاحاً كبيراً عند عرضها في ألمانيا وسويسرا ولندن وأميركا ومهرجان أدنبره. وفي الموسم المسرحي لعاميّ 1984 و1985 عُرضت المسرحية أكثر من 500 مرّة.

المسرحية في الأصل كانت نصاً نثرياً، رفضت دور النشر طباعتها. وفي العام 1984صدرت في شكل رواية قصيرة.


العطر: قصة قاتل



أثناء دراسة باتريك زوسكيند في الجنوب الفرنسي، البلاد المنتجة للعطور، قام بجولة في أنحاء المنطقة خلالها جمع المادة التي سوف تشكّل في ما بعد رواية "العطر".. غير أنه لم يشر قط إلى مصادره ومراجعه.

عرض زوسكيند المخطوطة على عدة دور نشر، وكلها رفضت طباعة الكتاب. في أواخر العام 1984، اتفقت جريدة تصدر في فرانكفورت مع زوسكيند لنشر روايته الأولى في حلقات مسلسلة. في العام التالي صدرت الرواية في كتاب سرعان ما تصدّر قوائم المبيعات، ومع حلول 1991 بلغ عدد المبيعات أكثر من ستة ملايين نسخة في مختلف أرجاء العالم. كما

تتميّز هذه الرواية التاريخية بأحداثها المشوّقة، بلغتها المثيرة للمشاعر، والوصف الحسي الجذاب. حيث السرد الفاتن، والقدرة الفائقة على مزج الرهيب والشنيع مع السامي والجليل. فضلاً عن ذلك، هي تتطلب أكثر من قراءة، وتحتمل أكثر من تأويل.. سواء من المنظور الديني أو الفلسفي أو السيكولوجي أو الاجتماعي أو كمجاز سياسي (ثمة من قرأ الرواية على أساس أنها مجاز للذهنية الفاشية).

الرواية تكشف عن الاستنطاق المخيف لما يحدث عندما يطلق رجل واحد العنان لشغفه الأكبر، وما يمكن أن يؤدي إليه هذا الانغماس من سلوك إجرامي عنيف ومجنون. إنها تتحرّى تأثيرات السلوك الاستحواذي على حياة الفرد.



هذه الرواية الغريبة تدور أحداثها في باريس وفي الريف الفرنسي. في واحدة من الأحياء الفقيرة المنتشرة في باريس القرن الثامن عشر، وتحديداً في سوق السمك، يختبر جان بابتيست جرينوي صدمة النبذ مع ولادته، فقيراً ويتيماً، غير مرغوب فيه حتى من أمه التي تتركه، وهو مولود حديثاً، طريحاً على كومة من السمك الفاسد. هذا النبذ والعزل والازدراء يولّد لديه بغضاً شديداً للبشر.

مع ذلك هو يتميّز بموهبة نادرة: حاسة شم خارقة.. من خلال هذه الحاسة الحادة بوسعه أن يشم الروائح من مسافات بعيدة ويميّز بين مختلف الروائح.. رغم أنه شخصياً يفتقر إلى الأريج البشري ولا تنبعث من جسمه أية رائحة خاصة بالبشر.. (ربما للدلالة على افتقاده الهوية الفردية).

في طفولته يتعرض لشتى صنوف الإساءة والإذلال، على الصعيدين الجسماني والعاطفي. وفي صباه يكتشف قدرته على فك مغالق روائح باريس العطرة والمنفّرة. إنه يعمل متدرباً عند بالديني، وهو صانع عطور بارز يعلّمه الفنون القديمة في مزج الزيوت النفيسة والأعشاب العطرية.

المفارقة هنا أن بالديني يصنع العطور لكن ليس انطلاقاً من موهبة أو مهارة فطرية بل لمعرفته التقنية في عملية تصنيع العطور، في حين أن جرينوي الذي لا يفرز جسمه أية رائحة، لديه حاسة شم حادة، وقادر أن يبتكر عطوراً تسلب لبّ الزبائن وتجذبهم إلى محل بالديني فيزداد ثراءً.

إنه يتنقل عبر المناطق الباريسية متحرياً ومستكشفاً الروائح البشرية المتاحة، راغباً في الحصول على رائحة خاصة به، والتي سوف تهب جسمه الأريج الذي ينبعث من كل الأجسام ماعدا جسمه. إنه يرغب في أن يكون واحداً من الناس وليس شاذاً عنهم. لذلك هو يمزج عطوراً متنوعة لكي يجد الرائحة التي سوف تفوح منه كأي شخص آخر.



لكن النبوغ الفذ للشاب لا يتوقف عند هذا الحد، فطموحه يتخطى كل انجازاته ونجاحاته في صناعة وابتكار أنواع فريدة وأخاذة من العطور، ليصبح ممسوساً بأسر روائح الأشياء والكائنات، بصنع شذا جديد. والرواية تنسج ببراعة فائقة سرداً تفصيلياً عن تقنيات صناعة العطور من الناحية التاريخية.

إن جرينوي لا يكتفي بخلق رائحته فحسب، بل يرغب في اختراع عطر زكي إلى حد أنه يمنح من يستخدمه القدرة على التحكم في مشاعر من يحيط به من الناس.

ذات يوم، أثناء قيامه بإحدى جولاته لخلق الرائحة الخاصة به، يلتقط ذرّة، أثراً ضئيلاً، من أريج أو رائحة سوف تقوده في بحث شاق ورهيب، وأيضاً شاذ ومنحرف، لابتكار العطر الأخير، المطلق: أريج عذراء شابة جميلة. وتكون الضحية الأولى في سلسلة من جرائم القتل الوحشية التي يرتكبها أثناء تجواله في أنحاء فرنسا، منتقياً ضحاياه من العذارى الجميلات لكي يستقطر شذا أجسادهن، ومن هذا المزيج الغريب يريد أن يصنع عطراً مثالياً فذاً سوف يهبه الجوهر السحري للهوية، ويجعل منه أقوى كائن بشري على وجه الأرض، والأكثر جاذبية. عطره الخاص، شذاه الخاص.

الضحايا، إزاء قدراته المغوية وتلاعباته المربكة، يكونون بلا حول، وعاجزين عن مقاومته.

عندما يُقبض عليه أخيراً ويحكم عليه بالإعدام، يرشّ جسمه بالعطر الآسر، الخارق، جاعلاً القضاة والجلادين والناس الذين تحلقوا حوله لمشاهدة اعدامه، يخضعون لمشيئته في افتتان، مأخوذين برائحته، مسلوبي اللب والإرادة، فيشق طريقه بين الحشود مثل ملك منتصر، مبتعداً عن منصة الإعدام.

لكن بعد أن حقّق جرينوي هدفه من ابتكار العطر المثالي، وحاز على قبول الناس به، اكتشف أنه لا يشعر بالرضا والسعادة، ربما لأنهم لم يحبوه لذاته بل بسبب العطر الذي يفوح منه. حتى أنه لا يشعر بالزهو والانتشاء من هيام الآخرين به، ويرى أن كل ما فعله باطل وعبثي وغير مجدٍ. لم يعد لإنجازه أي معنى.

على الرغم من بغضه الشديد للبشر، كان يرغب في إثارة اهتمام الآخرين ونيل محبتهم. أراد أن يفرض عليهم بالقوة الوقوع تحت سحر ونفوذ عطره المثالي ليغرموا به بلا تحفظ، بلا قيد أو شرط. لكن في لحظة انجازه ما حلم به أدرك أن كل ذلك مجرد وهْم، وأن دافعه الحقيقي لنبوغه في صنع العطور ليس الحب بل الكراهية.



لقد حقّق انتصاره على العالم. كانت غاية حياته الوحيدة أن يتوصّل إلى ابتكار العطر الخارق، وبعد أن نجح في ذلك، لم يعد لديه الآن ما يفعله. لم يعد للوجود أي معنى. لا يشعر بمتعة أو بهجة. لذلك هو يعود إلى جذوره، إلى المكان الذي وُلد فيه، إلى الحي الباريسي الفقير، مفعماً بالنفور والاشمئزاز، ويُنهي حياته برشّ نفسه بالعطر المطلق، العطر الفريد، الذي يجعل من جسده موضع رغبة واشتهاء. هكذا يبيح نفسه لحشود من القتلة واللصوص. وفيما هم في حالة هيجان وسعار وجنون بسبب عطره المغوي، يقومون بتمزيق أوصاله والتهامه شيئاً فشيئاً.

يقول جيفري أدامز في مقالته النقدية المنشورة في The Germanic Review، خريف 2000 : "أياً كانت الآراء بشأن المقاصد المتعلقة بموضوع رواية العطر، فإن النقاد يتفقون على أن التناص الثري يستدعي البحث عن المصادر الأدبية للرواية. (..) في مقالته عن فقد الذاكرة الأدبية سخر زوسكيند من قضية الهوية الإبداعية. انطلاقاً من ذلك، انتقد البعض الرواية باعتبارها نتاجاً لطفيلي أدبي يغزو النصوص السابقة ويتغذى منها. هذه الملاحظة حضّت عدداً من النقاد والباحثين لتعقّب المصادر الأدبية – التاريخية التي مارست تأثيرها على الروائي منذ عصر التنوير إلى وقتنا الحاضر. لقد أخفق البعض في إدراك التضمين التهكمي أن كل كتابة هي امتصاص لكتابة سابقة، تماماً كما كل هوية هي امتصاص لنماذج سابقة من الذاتية. زوسكيند يعتبر الانتحال عنصراً أساسياً في الإبداع، بالتالي فإن رواية العطر تقوّض الافتراض التقليدي بأن النص الأدبي هو ملكية شخصية مقصورة على المؤلف. بفعل ذلك، يوحي زوسكيند بأن المفهوم الإنساني للذات المستقلة، المنسوب إليها صفات مثالية منذ عصر التنوير، قد أحدث سوء فهم جوهري، إن لم يكن تحريفاً، للعملية الإبداعية".

من بين ما ترتكز عليه الرواية، يشير الناقد لي كوستوديو، في مقالة نشرها في 29 يوليو 2018، إلى التباينات المتنوعة، والثنائيات في المجتمع، مثل: أن يكون المرء موهوباً وأن يكون عادياً، أن يكون مقبولاً ومعترفاً به وأن يكون منبوذاً، الأشياء السطحية الظاهرة والموثوقية، الشغف والاعتدال، الواعي واللاواعي، الحب والكراهية.



الحمامة


في العام 1987، أصدر زوسكيند روايته القصيرة "الحمامة" التي استقبلها النقاد بشكل جيد لكنها لم تلق اقبالاً من القراء.

الرواية تركّز بؤرتها على يوم واحد في حياة جوناثان نويل، الذي تجاوز الخمسين من عمره، والذي نجده سعيداً وراضياً عن عمله، كحارس أمن في بنك باريسي، وعن عزلته التي يصونها ويحصّنها في غرفته الضيقة. غير أنه في هذا اليوم يجد ما يعكّر صفو وسكون عزلته في صورة حمامة تحط أمام بابه صباحاً، أثناء محاولته الذهاب إلى الحمّام المشترك.

إن زوسكيند يرسم ببراعة هذا اليوم الخطير، غير العادي، في حياة جوناثان. الصفحات الأولى من الرواية تقدّم معلومات موجزة عن حياة جوناثان، منذ إرسال والديه إلى معسكر اعتقال نازي. انتقاله مع أخته إلى الريف والعيش في منزل عمهما حتى نهاية الحرب. العمل في حقول الخضار. التطوع في الجيش بطلب من عمه، وإصابته برصاصتين في حرب الهند الصينية. عودته واختفاء أخته. زواجه بأمر من عمه بفتاة لم يرها من قبل لعله يجد في الزواج ما تهفو إليه ذاته: حياة رتيبة هادئة لا يعكر صفوها أي حدث. غير أنها بعد شهور قليلة تهرب مع بائع خضار تونسي. عندئذ يتوصل إلى حقيقة أن الناس لا يمكن الوثوق بهم أو الاعتماد عليهم،وأن المرء لن يجد الطمأنينة والسلام في حياته إلا إذا نجح في الابتعاد عنهم. لذا يرحل إلى باريس، ويجد عملاً وغرفةً عاش فيها ثلاثين سنة. يغادرها إلى البنك صباحاً ثم يعود مساء ولا يغادرها. يعتبرها جزيرته الآمنة في هذا العالم المضطرب،حصنه المنيع وملجؤه وعشيقته التي تدفئه وتحميه وتغذي روحه وجسده، ولا تهجره أبداً. لقد كانت الشيء الوحيد في حياته الذي أثبت أنه يمكن الوثوق به، بل إنه يشتريها لتصبح ملكه.

لقد عاش جوناثان طيلة هذه السنوات حياة ذات وتيرة هادئة، ساكنة، بسيطة، لا إثارة فيها ولا توترات، قانعاً بما لديه، مكتفياً بذاته.. حتى جاء هذا اليوم بمفاجأته الرهيبة، غير المتوقعة، في صورة حمامة جاثمة عند بابه تنظر إليه بعين ملأته رعباً. شعر بالذهول ثم انتابه الذعر.

هذا الحضور الاستثنائي يفقده صوابه ويزلزل حواسه ويسبّب له انهياراً عصبياً تاماً، فيشعر أن عالمه كله يتداعى وينهار مثل بناء ظن أنه صلب ومتماسك ليكتشف مدى هشاشته.

في المرة الثانية يفتح الباب ويهرب من المبنى. يجد نفسه غارقاً في خضم أزمة تعصف بكل مخطط حياته الذي جهد في وضعه والعمل من أجله، لتجعل منه معتوهاً ضائعاً وخائفاً.

الحمامة هنا تجسيد للفوضى العارمة التي تقتحم وجوده المنظم الرتيب، وقد تكون إحدى تجليات التطفّل الشيطاني الذي يأتي ليرجّ قوقعته وينتهك عزلته ويفقده حس التوازن.




حكاية السيد زومر


هذه الرواية القصيرة، الصادرة في 1991، مروية من وجهة نظر طفل يعيش ويكبر في قرية صغيرة في جنوبي ألمانيا، وتتمحور حكايته حول مكسميليان زومّر، غريب الأطوار، الذي لا يكفّ عن المشي، كل يوم وبلا انقطاع، منذ الفجر وحتى مغيب الشمس.

إنه يمشي على نحو استحواذي مهما كانت أحوال الطقس، متوكئاً عصا طويلة يضرب بها الأرض في كل خطوة. إنه يمشي عبر الحقول والسهول، دونما تعب أو ضجر، في مسيرة طويلة لا أحد يعرف معناها وغايتها والدافع إليها. كما لا يعرف أحد ما يمتهنه وما هي خلفيته، ومن أين جاء. إن زومر ومسيراته تبقى لغزاً مستعصياً على الفهم.

الغرابة والغموض تحيط بالرجل. الأشياء المعروفة عن زومر قليلة جداً: متزوج من امرأة تصنع الدمى. يذهب ويعود كل يوم في التوقيت نفسه، بدقة فائقة. لا يرغب في تبادل الحديث مع أحد.

أهالي القرية يحللون هوس زومر بالمشي كنوع من الخوف المرَضي من الأماكن المغلقة أو الضيقة، لذلك هو يلجأ إلى العراء، إلى المساحات الرحبة والمفتوحة. كأنه يهرب من الناس، ويتحاشي الالتقاء بهم أو تبادل الحديث معهم أو إقامة أي علاقة معهم.

أخيراً، يرصد الطفل الجالس على غصن شجرة، وهو يراقب زومر، نهاية الرجل الغامض، إذ يراه ماشياً نحو البحيرة، متقدماً مع عصاه الطويلة، حتى يختفى كليًا، ولا يبقى منه غير قبعة من القش، وفقاعات الماء التي سرعان ما تختفي.


ثلاث حكايات وملاحظة تأملية


هذا الكتاب الصادر في 1996 يحتوي على ثلاث قصص ومقالة أدبية. القصة الأولى بعنوان "بحثاً عن العمق" عن فنانة تشكيلية شابة، يوجّه لها أحد النقاد، أثناء معرض لها، ملاحظة نقدية مفادها أن أعمالها سطحية وتفتقر إلى العمق. هي تصبح ممسوسة بهذه الملاحظة، وفي محاولتها لفهم هذه الملاحظة، وسرّ افتقارها إلى العمق، تعتزل الناس والعالم، وفي نهاية المطاف، تقتل نفسها بالصعود إلى مكان مرتفع ورمي نفسها.

القصة الثانية "الصراع" تشتمل على مباراة في الشطرنج، في حدائق لوكسمبرغ بباريس، بين شيخ هو بطل في اللعبة، وشاب غريب، مندفع وجرئ. على نحو غير متوقع، مع تقدّم اللعبة، يتضح فوز الشاب المتهور، الواثق من نفسه، على البطل الضليع في اللعبة، أمام ذهول المتفرجين. وفي الأخير، يفرض على الشيخ أن يترك اللعبة نهائياً.

القصة الثالثة، وهي الأطول من بين قصص المجموعة، بعنوان "وصية المعلّم موسارد". تتألف من كتابات موسارد، المكتوبة بصيغة المتكلم، في ساعات الاحتضار الأخيرة. وموسارد هذا شخصية تاريخية وردت في اعترافات جان جاك روسو في القرن الثامن عشر. وكان يعاني من وهْم أن العالم على وشك التحجّر.

في ملحق إضافي، يخبرنا راوٍ مجهول أن ماسارد مات وهو في شكل غريب من الشلل، وبالتالي يتعيّن دفنه في حفرة ذات زاوية سليمة.

المادة الرابعة التي يحتويها الكتاب عبارة عن تأمل في الكتب وفقدان الذاكرة، حيث يعلن أنه نسى كل كتاب قرأه ومارس تأثيراً عميقاً عليه.

0 عرض