بيروت


نصوص: أمين صالح

(1)

حمامة بيضاء ترتقي على عجل أدراج السماء

تليها أخرى، بيضاء أيضاً، ترسم شكلاً غامضاً

ثم أخرى، بيضاء، تنقر أطراف الريح لتعبر

حمامات بيض تشق فضاء الغيب بأجنحة لا ترفرف.

لا، ليست حمائم تلك التي تتقاذفها ظهيرة

أيقظها الدويّ فتلفتت ذاهلةً

بل أطفال رُضّع محشورين داخل القُمط البيضاء

لفظتهم مهودهم خشية اللهب الوحشي

فنزحوا بعيداً عن الحضن والثدي والحليب

لتتلقفهم أيادٍ سماوية، أيادٍ رحيمة،

الواحد بعد الآخر.

(2)

لم تسعفها الحنجرة كي تطلق الصرخة الأخيرة

المرأة الواقفة لصق النافذة تصقل زجاجها

وتغسل غبار يوم شاق تلكأ في زواياها

وتمسح أثر حلم عجول مرّ البارحة ولم يدخل نومها

إذ باغتها انفجار غاضب هزّ البيت

هشّم الزجاج الصقيل فتناثرت شظاياه في الأرجاء

شظيةٌ شملت بحنانها وجه امرأة ضرّجه الرعب وأخفى ملامحه،

شظيةٌ لملمت بقايا بيت حزين ما عادت أحجاره تسرد القصص،

شظيةٌ شمّوا فيها أنفاس غرقى كانوا للتوّ يحملون المرفأ بسواعدهم الغضّة،

شظيةٌ رأوا فيها الموت يرنو دامع العينين صوب مدينةٍ تنهش الحرائق أطرافها شارعاً شارعاً.

(3)

حطام سفينة

حطام بيت

حطام مستشفى

حطام فندق

حطام سيارة

حطام شجرة

حطام إنسان

ينظر إلينا دامي الوجه، مغبرّ الشعر، بقميص ممزق ومتسخ

لا تشفّ ملامحه عن غضب أو خوف. تشفّ نظراته عن ذهول وحيرة.

لا يريد يداً تغسل دمه، ولا يداً تنفض الغبار عن شعره وثيابه، ولا صوتاً يحنو ويكترث،

يريد أن يعرف فحسب: ما الذي حدث بالضبط؟ من فجّر المرفأ؟

أمام تحديقته الثاقبة، المخترقة جلودنا، كرمحٍ ينوي ابتكار جرحٍ لا يندمل،

أمام صمته المديد الأشبه بصمت الخليقة إزاء غيب يجترح الخارق والمعجز من دون أن يردّ على الأسئلة،

لا نملك غير أن نشيح وجوهنا، ونطرق إطراقة العاجز الخجول، لعله يرأف بنا، بضعفنا، بوجعنا، بيأسنا،

غير أنه يسرف في الفتك بنا

وليس بيننا غير فراغ وعتمة وتيه.. وانقاض مدينة.

(4)

الطفلة التي كانت تدحرج أعوامها الثلاثة في طرقات الضاحية

وتؤرجح ضاحكةً براعم الصباح فيما تنزّه أحلامها الشفيفة

وتنثر دعاباتها بين رصيف ورصيف،

وترشّ المارة المرحين، العابرين تحت قوس المطر، بأنداء العذوبة

ثم وحيدة تعود إلى حضن أمها ومعها ريش وصُدف وأوراق شجر.

الصغيرة، صديقة النهار وأنيسة المساء،

لم تعد تدحرج أعوامها

والأرصفة لم تعد تصيخ لوقع أقدامها

والأشجار لم تعد تنحني كلما مدّت أناملها

والأحلام الشفيفة ما عادت تشفّ عن لعب وضحك

منذ أن مسّ اللهب ذيل ثوبها.

(5)

الذين دخلوا المرفأ ما خرجوا

والذين ذهبوا مع الدويّ ما عادوا

عاد الدويّ وحده يجرجر أسمال المدينة.

كل مساء

ينسلّ من أطراف المرفأ

أشباح لا ظلال لهم، لا اسم ولا هوية،

من قمصانهم تفوح رائحة الورد.

يتناثرون في الطرقات والأزقة

يطرقون الأبواب ويطلون عبر النوافذ

وفي سلال من قش يلتقطون الأحلام الطافية.

لا حدّ لجذلهم! لا وصف لبراءتهم!

بعد أن أمست الساحات ينابيع

والميادين ملاعب.

وفي آخر الليل ينسحبون صوب المرفأ

مثقلين بالحزن لأن أحداً لم يتعرّف عليهم.

أغسطس 2020


49 مشاهدة