تحفة كيارستمي الاخيرة


عباس كيارستمي

هذا المقال هو عبارة عن حوار دار بيني وبين صديق على خلفية مشاهدة فيلم عباس كيارستمي. حوار تحليلي لا يخلو من الاختلاف والاتفاق على الكثير من الجوانب والرؤى الفنية والفلسفية والنفسية التي يتناولها هذا الفنان الفذ. حوار نتمنى أن يساهم نوعاً ما في إغناء هذا العمل ويشكّل دعوة جادّة وصريحة لكل من يعشق فن السينما لمشاهدة أو إعادة مشاهدة هذا الفيلم المتميّز.



رؤية تحليلية للفيلم:


ليس غريباً ان نشاهد تحفة فنية أخرى (او نقول أخيرة) لهذا الفنان المخرج الشاعر الرسام المصور والغرافيك ديزاينر متعدد المواهب عباس كيارستمي، فمسيرته الفنية حافلة بالأعمال المبدعة الكثيرة كـ (ثلاثي كوكر، وطعم الكرز، وستحملنا الريح).. ونقول ختامها مسك بفيلمه الأخير هذا.. كيارستمي في نظري، أقرب إلى الإنسان الفيلسوف، منه إلى اي توصيف آخر.

فيلمه الأخير "24Frames"، الذي لم يمهله الموت للاحتفال به مع العالم، افتتح مهرجان كان السينمائي السبعين في ٢٠١٧ بعد وفاته في يوليو ٢٠١٦ وبعد صراع طويل مع سرطان المعدة وعن عمر ناهز الـ ٧٦ ربيعاً ومسيرة فنية امتدت على مدى ٤٦ عاماً.

تعودنا على مشاهدة الأفلام الطويلة التي تحتوي على العشرات من المشاهد وكل مشهد يحتوي على أكثر من لقطة (او إطار أو frame).. وتعدد المشاهد واللقطات عادة ما يساهم في إغناء العمل السينمائي بحيث يضيف إلى حيوية وديناميكية وتفاعلية الكاميرا وبالتالي الفيلم مع المتلقي. هناك طبعاً استثناءات قليلة جداً في تاريخ السينما. من الأمثلة التي تخطر على بالي، فيلم (12Angry Men) إنتاج عام ١٩٥٧ من إخراج سيدني لوميت وبطولة هنري فوندا وكان الفيلم عبارة عن مشهد (set) واحد في حجرة واحدة طوال الفيلم تقريباً والذي استغرق ساعة و ٣٦ دقيقة.


جمال هاشم

الاستثناء الآخر الذي أتذكره هو فيلم (Birdman) إنتاج ٢٠١٤ وإخراج أليخاندرو انريتي وبطولة مايكل كيتون. الفيلم في هذه المرة كان عبارة عن لقطة (frame/shot) واحدة، بدون أي تقطيع، امتدت على مدى ساعتين تقريباً وهي مدة الفيلم.

هذا السياق يأخذنا إلى موضوع حديثنا عن فيلم (24Frames) والذي هو أيضاً، من وجهة نظري، يُعلّق وساماً على صدر السينما العالمية كونه استثناءً مختلفاً ورائعاً ايضاً. الاستثناء هذه المرة كون الفيلم عبارة عن ٢٤ لقطة (shot) فقط، امتدت على طول الفيلم الذي استغرق ساعة و ٥٤ دقيقة، من دون ممثلين وخال تماماً من أي حوار.

فكرة الفيلم جاءت بتساؤل فنتازي من المخرج كيارستمي نفسه الذي افتتح به الفيلم.. يقول كيارستمي "كنت دائماً أتساءل إلى أي مدى يهدف الفنان في تصوير الحقيقة في مشهد ما. الرسامون يوثقون لقطة واحدة فقط من الحقيقة وليس ما قبلها وما بعدها.. في “24Frames” بدأت بلوحات تشكيلية عالمية، لكنني انتقلت إلى تناول صور فوتوغرافية صورتها أنا شخصياً على مدى السنوات. أضفت تقريباً أربع دقائق ونصف مما تخيلته أنا قد حدث قبل أو بعد كل لقطة صورتها".

تساؤل فنتازي حقاً قد لا يخطر ببال أي أحد عندما يستمتع بمشاهدة لوحة أو صورة أثناء زيارته إلى أحد المعارض الفنية أو تصفح ألبوم من الصور .. تساؤل لا يثار إلا من قبل فنان مبدع وعبقري كعباس كيارستمي، الذي لا يقف عند حد السؤال بل يدفعه فضوله الفني ليتجاوز السؤال إلى الفعل وترجمة فكرته الفنتازية وتحويلها إلى تحفة سينمائية.

الفيلم عبارة عن ٢٤ فيلمًا قصيرًا.. ٢٤ صورة جامدة يتم بث الروح فيها عن طريق بعض المؤثرات والوسائط ويتم استنطاقها بواسطة الجرافيك ديزاين والـ animation. كما أشرنا، الفيلم خال تماماً من الممثلين ومن اي حوار .. البطولة المطلقة هي للطبيعة بامتياز .. البطولة للسماء والأرض والبحر والهواء والتراب. في الفيلم تشعر ببرودة الشمس وحنيتها كما تشعر بدفء الثلج وحرارته وكأن المخرج استبدل المساحات الصفراء لحقول قمح فان غوخ بدفء بياض الثلج واتساعه، كما وتستسلم لفتنة الأبيض والأسود اللونين الغالبين على لوحات الفيلم.


الطير والشجر هما رمزان محوريان يأخذان حيزاً واسعاً في بعدهما الفني والفلسفي في الفيلم.. ربما أرادهما المخرج أن يكونا رمز الطبيعة الأكثر بلاغةً للحرية والحياة والجمال.. حتى الغراب الذي هو عادةً ما يكون عنواناً للشؤم والعدوانية، بتوصيف وتصنيف بنِي البشر، أراده كيارستمي ليكون مختلفاً. أراده أن يكون طائراً وديعاً معبراً عن سكينة وجمال هذا الكون. أراده أن يكون إحدى الكائنات الكثيرة التي احتواها الفيلم كالخيول والوعول والطيور والكلاب والغزلان والبقر والخراف والذئاب والأسود، والتي هي امتداد وجودي لهذه الأرض البكر كما هو البحر والغيم والثلج والتراب والمطر. إنها الطبيعة في أجمل صورها. لهذا السبب لم يرد المخرج تلويث الفيلم بأي حوار، واستعاض عنه بحديث الطبيعة نفسها، كصوت الريح والموج والمطر، وبالموسيقى في بعض الإطارات .

ينتصر المخرج بلا شك، للطبيعة بكل مكوناتها ومخلوقاتها المسالمة، في مقابل وحشية وقسوة الإنسان الذي، عن قصد، يغيبه تماماً عن الفيلم، فيما عدا فعله وسلوكه التدميري الذي نشاهده بشكل غير مباشر في عملية القتل للغزال في إطار رقم 5، وقتل طائر النورس في إطار رقم 13، والعمل الأكثر تدميراً في الإطار ما قبل الأخير رقم 23 في عملية تقطيع الشجر. إنها رسالة قوية، بل وصرخة في وجه السلبية والوحشية التي تحكم العالم وربما دعوة للتأمل والحب والسلام .. صرخة مسجونة مكبوتة تكممها الحواجز والنوافذ المغلقة والأسيجة والتي كانت عاملاً مشتركاً في أغلب إطارات الفيلم الـ 24 ، والتي هي كلها أيضاً من فعل الإنسان .

يختتم المخرج الفيلم بالإطار الأخير رقم 24 في أجواء أشبه بالجنائزية. إطار يغلب عليه السواد والظلمة الحزينة والكئيبة.. إطار يشبه القبر إلى حدٍ كبير.. أو ربما هو القبر فعلاً الذي يرسل منه كيارستمي وصيته الأخيرة يدعو فيها العالم للعناق والحب عبر الأغنية الرائعة لأندرو لويد "الحب لا يموت أبداً" "Love Never Dies”.


رؤية تحليلية أخرى للفيلم:


شكراً عزيزي على الفلم، لقد انتهيت من مشاهدته للتو، لقد شدني الفلم كثيراً بلوحاته الأربع والعشرين..

قراءتي أن كيارستمي كان يتهيأ لرحيله عبر هذا الفلم الذي أنهى به مشواره الفني ليجعل منه فيلمه الأخير عن قصد لذلك المشوار الغني..


في تقديري، الراحل حافظ في هذا الفلم على رؤيته للعمل السينمائي باعتباره حاضنًا لفنون عديدة، فالرجل بدأ إطاراته بلوحة عالمية بعث فيها الروح والحياة -وإن كانت باردة- وواصل في إطاراته الأخرى بصور فوتغرافية ساكنة من أرشيفه الخاص لينطقها ويبعث فيها الحياة أيضاً باستخدام مهاراته التقنية الرقمية والفنية المتعددة والعالية، ليجعل من كل من صورها قصيدة شعرية قصيرة وجميلة -على شكل قصائد الهايكو التي كان مغرماً بها وله إصدارات ورقية عديدة منها- وهو المولع في إدماجها في فنه الذي يعرف بالسينما الشعرية..

وفي تقديري إنه اختار عدد لوحاته، ليرمز إلى ساعات اليوم الواحد، في دلالة على كونه اليوم الأخير في حياته.. موضوع كل إطار يختلف عن غيره من الإطارات الأخرى شكلياً، ولكن بينها ثيمة مشتركة واحدة، حياة باردة رتيبة متكررة تهيمن عليها الوحدة وتبعث على السأم والضجر، لشخص يتهيأ للرحيل..

كل لوحة منها فيها نفس الرتابة، شيء فيها يذكرنا بعذابات سيزيف مع الصخرة التي فرضت عليه إلهة الأولومب أن يدفعها إلى أعلى الجبل كل يوم لتعود وتنزلق إلى سفحه من جديد في نهايته، لشخص لا علم لديه متى تنتهي عذاباته..

إلى جانب طغيان البرودة القارسة على إطاراته التي تخلو تقريبا من الحضور البشري، هناك كائن واحد يتكرر حضوره تقريباً في اللوحات ، الغراب. حيث أن هذا الحضور الطاغي له يوحي أن هناك "موت" يجثم على المكان، و"حياة" تصارع للهرب من الوقوع بين براثنه لتقع فيها من جديد (البقرة المحتضرة على الساحل، الطائر الذي هرب من مخالب القط)، تلك الحياة انطفأت في الإطار قبل الأخير ليتم التهيؤ لحرقها بقطع الأخشاب، لتنتهي في الإطار الأخير بالإعلان على أن الحب أكبر من الحياة عبر تلك الأغنية الساحرة التي جعلت من هذا الإطار أجمل إطاراته..

وأقدر أيضاً، أن عباس كيارستمي في فيلمه هذا يشير على نحو خفي ولكنه واضح وجلي انتماءه إلى ثقافة الحداثة الكونية الواسعة وتعلقه بها دون التخلي عن تجلياتها الضيقة، فالإطار الوحيد الذي كان به حضور إنساني واضح من بين إطارات الفلم الكثيرة هو الإطار الخامس عشر الذي يبدو فيه أفراد من قومه يشاهدون برج إيفل وهو يتلألأ بالأضواء ، إلى جانب أن لحظة السكينة الوحيدة تقريباً بين إطارات الفلم كانت في الإطار الذي كان يصدح في خلفيته أغنية "إيفا ماريا" ذات الدلالات الدينية الواضحة. هذا هو تقديري وأرجو أن حدسي بشأنه لا يكون خادعاً..


حوار رقم 1:

قراءتك للفلم جميلة وكلماتك المستخدمة في وصفها أجمل،،

نحن الآن على الأرجح في مواجهة قراءتين لهذا العمل الجميل، بها مشتركات كثيرة غير أنها في جوهرها مختلفة. فأنت تركز في قراءتك لهذا العمل، على فهمك له بصفته تعبير الفنان/الفيلسوف/الشاعر عن حالة عامة، على خلاف فهمي له على أن هذا الفنان/الفيلسوف/الشاعر يعبر في لوحاته عن حالة شخصية أكثر من كونها عامة..

ولأننا ندرك أن الحقيقة لا تكشف عن نفسها في لوحة واحدة بل في لوحات متعددة وعلى مستويات مختلفة، على نحو يوحي بتعددها بوجود شيء من التعارض والتناقض بينها، لكن في جوهرها ستبقى واحدة.. فإنه في تقديري، إن الحقيقة في هذا الفلم تكمن في نقطة ما مشتركة بين قراءتينا، علينا أن نبحث عنها.. وفد تكون أي قراءات أخرى تدعم وجهة نظر ثالثة تقف في وسط القراءتين ، ونحن بانتظار أن يتحفنا بها باقي الأصدقاء في المجموعة بقراءتهم للفيلم إن تسنى لهم فرصة مشاهدته .


حوار رقم 2:


عزيزي، تعدد التأويلات والقراءات لعمل فني ما هو بحد ذاته، من وجهة نظري، مؤشر على المستوى الفني وعظمة العمل نفسه، فالأعمال المباشرة البسيطة والسطحية هي فقط عادةً ما تؤدي إلى الإجماع.

لذلك فإن الاختلاف في قراءة وإعادة خلق هذا الفيلم، ليست فقط مشروعة، وإنما غنية وجميلة.

أعجبتني قراءتك النفسية الداخلية والشخصية، في مقابل قراءتي كرؤية للمخرج الخارجية للعالم.. لا أعتقد بأن اختلافنا ينحصر في القراءة العامة للفيلم وإنما اختلاف الرؤية تنطبق أيضاً في تحليل كل إطار ورمز على حده، كاختلافنا في تناول رمز الغراب وفي تحليل الإطار ٢٣ الذي يتناول موضوع تقطيع الأشجار والخشب. رغم اختلافي معك، إلا أن تحليلك أيضاً يطرح تأويلاً منطقياً ومثيراً للإعجاب. الجميل في الفيلم، أن كل إطار يحتمل أكثر من قراءة وتأويل وبالتالي مقال على حدة ..


أردت فقط الإشارة إلى موضوعة التوحش، ومن باب الإضافة، للتأكيد على تحليلي بأن المخرج تعمّد إبراز وداعة الطبيعة في مقابل وحشية الإنسان.. فحتى الحيوانات الأكثر شراسة، كالذئاب والأسود تبدو في الفيلم مسالمة ووديعة ولم تقم بأي فعل يدل على وحشيتها.. وفي رأيي بأن الطير لم يفلت من فك القط وإنما القط هو من أطلق سراح الطير ومضى في طريقه وكأنهما كانا في حالة مداعبة.. وهذه اللقطة أيضاً لم تأتِ اعتباطاً، بل أراد المخرج أن يوصل رسالة عن مدى سلمية هذه الكائنات، مهما كانت شراستها، في مقابل توحش الإنسان .

هذه تظل إحدى القراءات.. وتعددها لا يدل إلا على عظمة هذا العمل السينمائي الرائع.

حوار رقم 3:

أتفق معك عزيزي فيما ذهبت إليه بشأن تعدد القراءات وهو شيء لا يعيب العمل بل يغنيه.. لكن دعنا لوهلة أن نبعد عباس كيارستمي عن المشهد وكل معرفتنا عنه كفنان/شاعر/فيلسوف متميز وكبير، أزحه تماماً عن المشهد.. وحاول في هذا العمل أن لا تعرف هوية صانعه، ماذا سيكون انطباعك عن هذا العمل؟

بالنسبة لي سيكون هذا العمل لشخص يمتلك تقنيات رقمية عالية ويحاول أن يطبق مهاراته على هذه اللوحات عبر تحريكها وبعث الروح بين جنباتها، "تكرار" استخدامه لنفس التقنيات على صور أخرى لا تزيده عمقاً ولا تمنحه رؤية بقدر ما تزيد في مهاراته الفنية والجمالية، وهو أمر سيبعث أمام مشاهده الضجر والسأم والكآبة وسيكون سبباً كافياً لأن يتوقف عن مشاهدة باقي لوحاته. هذا ما ولّده التكرار معي، حالة من الضجر لعمل يكرر فيه صانعه مهاراته والتي لا أنكر جمالها ولكن يسيئني وقوعه في هذا التكرار الممل ليس في تلك التقنيات فقط بل حتى في انتقائه للصور التي يمارس عليها تلك التقنيات. لماذا ينتقي من كل صور الحياة في تنوعها وتعدد فصولها وأجوائها، لماذا ينتقي منها صورًا تخلق لديك الإحساس بالبرودة المهيمنة على أجوائها، لماذا من كل الطيور يركز على الغربان؟ لماذا يحضر الموت بين جنبات عدد ليس قليل من تلك الصور؟ لماذا تكرار حضور النوافذ في اللوحات؟ ثم ما الحاجة أصلاً لهذا العدد الكبير من اللوحات التي بين صورها الكثير من المتشابهات؟

لو نظرنا للوحات بصفتها لوحة لوحة بتقنيات رتيبة وليس عقدًا من اللوحات يربط بينها خيط خفي، لتلمسنا للعمل ما يتناول سطحه دون عمقه..

وفي هذا الزمن، إن تحريك عناصر صورة ساكنة لم يعد أمراً لا يتقنها إلا الفنانون الكبار منهم فقط، بل إنها مهارات يتقنها الكثيرون وبعضهم ليسو فنانين وقد ينتجون صوراً متحركة أكثر إبداعاً مما أنتجه كيارستمي في هذه اللوحات..


وحتى لا تطغى صورة الفنان والشاعر على هذا العمل على حساب الفيلسوف، علينا أن نغور عمقه.

في تقديري، إن تكرار استخدامه لذات التقنيات على صورة تحمل في غالبها جواً واحداً، شيء لا يعيب العمل وتقصده شخصية الفيلسوف لدى كيارستمي. الضجر، السأم، العزلة، هي مقولات فلسفية يصنع أجواءها الفيلسوف، ليثير لدى المشاهد الأسئلة المتعلقة بقلق الوجود، وهذا ما سعى إلى خلقها كيارستمي في عمله عن قصد، من لم يلتقط حضور سيزيف الطاغي بين جنبات هذا العمل، لم يصل في رؤيته إلى عمق هذا العمل، وهذا رأيي .

حوار رقم 4:

عزيزي، اتفق معك في موضوع الرتابة.. أنا شخصياً اضطررت إلى مشاهدة الفيلم على دفعتين.

في الوقت الذي اتفق معك مرة أخرى في أن الرتابة تخدم تحليلك النفسي الوجودي، إلا أنها أيضاً كانت ضرورية للوصول إلى الكثير من الاستنتاجات التي توصلت لها أنا في تحليلي.. كان لا بد من تكرار بعض الأمور من أجل الربط بين الأفكار الأحادية في كل إطار وبالتالي الجزم بمقاصد المخرج، حسب التأويل.

حوار رقم 5:

عزيزي .. كل اللوحات تقريبًا، يطغى على أجوائها الاضطراب والتقلب ويبعث على القلق، إلا لوحة واحدة في منتصف السلسلة وأعتقد أنها كانت اللوحة رقم ١٢، كان الجو فيها صحواً وتبعث على شيء من الطمأنينة وخلفيتها تصدح بأغنية "أيا ماريا".. هذا يقتضي معه إثارة السؤال، لماذا تغير الجو في هذه اللوحة، ثم عاد إلى طبيعته الباردة والمتقلب بعدها

حوار رقم 6:

الحوار شيق معك يا صديقي.. وخصوصاً في إثارة تساؤلك هذا. لا أتذكر بالضبط اللوحة التي تشير إليها، لكنني متأكد من أن هناك لوحة أخرى يبدو فيها الجو صحواً، وهي لوحة تقطيع الشجر رقم ٢٣.

بالإمكان أن نواصل هذا الحوار الشيق غداً بعد مشاهدتي مرة أخرى للمقطع الذي تشير إليه.. أما الآن فالفراش يناديني، وغداً ينتظرني عمل.. تصبح على خير.

حوار رقم 7:

حاول أيضا أن تنظر إلى لوحة الرحّالة الشرقيين وهم ينظرون إلى برج إيفل، وحاول أن تستنطقها وتقع على مدلولاتها

حوار رقم 8:

عزيزي ، عودة إلى حوارنا الممتع..

هناك ثلاثة غطارات يبدو فيها الجو صحواً: ١٢ و ١٤ و ٢٣.. حقيقة ليس لدي تفسير واضح لهذا الموضوع.. ربما يكون الاختيار تم عن قصد وبالتالي لها ابعاد لا أستطيع تفسيرها، وربما تم بشكل اعتباطي، كونها صور تم التقاطها في هذه الأجواء وتم اختيارها كونها جميلة في ذاتها وتخدم السياق العام للفيلم.. حقيقة لا أعرف..! متشوق لتحليلك أنت.


على فكرة، من قراءاتي، يبدو أن كيارستمي عكف على إنتاج ما مجموعه ٤٠ إطاراً وتم اختيار ٢٤ منها.. أعتقد أن ابنه، أحمد كيارستمي، ينوي استثمار البقية في إنتاج قادم.

إطار ٢٣، ورغم صحوة أجوائه، كان أكثرهم بؤساً وإيلاماً بالنسبة لي. كان مقطعاً صادماً.. الأخشاب المتراكمة كانت مجرد أخشاب حتى حدث تقطيع الشجر في خلفية الصورة، لتتحول الأخشاب المتراكمة إلى أجساد وجثث.

فيما يتعلق بإطار ١٥، مقطع المهاجرين وبرج إيفل، هو أيضاً من المقاطع الصعبة، التي حاولت تحاشيها في تحليلي الأولي. هذا الإطار بالإضافة إلى إطار ٢٤، هما الإطاران الوحيدان اللذان يحتويان على وجود آدمي.. لكنه وجود سلبي بلا حياة إذا ما قارناه ببقية الكائنات في بقية الإطارات.

إطار ١٥: ربما يكون فيه حنين ذاتي للحضارة الأوروبية والفرنسية بشكل خاص.. ربما يكون لها دور خاص في تشكيل حياة كيارستمي وشخصيته وثقافته بشكل عام..

في هذا الإطار هناك نوعان من البشر.. المهاجرون الشرقيون، هم بلا ملامح وبلا وجوه وبلا حركة.. أجساد شبه ميتة مشدوهة بحضارة تضيء العالم.. مقابل أبناء تلك الحضارة الأوربيين الذين يمرون مرور الكرام في الإطار بحركة وإيقاع سريعين إلى درجة يفقدون فيه هم أيضاً ملامحهم، وإن كان بشكل مختلف..

وددت معرفة الأغنية التي كانت تغنيها عازفة الغيثار، لعلها تعينني في تفسير هذه الشخصية.. لكنني فشلت. بشكل عام، هذا الإطار يؤكد على سلبية الإنسان بشكل عام، إذا ما قارناه بباقي الكائنات في باقي إطارات الفيلم.


حوار رقم 9:

عزيزي، لقد بدأت قراءتي للوحات كيارستمي، على أنها تهيمن عليها البرودة والثلج وحضور للموت لشخص يتهيأ للرحيل النهائي ، واختار عن قصد واضح أن يكون فلمه هذا هو الأخير في مشواره الفني ليختم به حياته (لاحظ الأغنية في اللوحة الثانية ، through my sad farewell you shall feel the emotion of all my pain)..

ليس سراً أن كيارستمي كان يصارع السرطان خلال نفس الوقت الذي كان يعمل في إعداد هذا الفلم، لذلك فإن هيمنة الجو المتقلب البارد على معظم اللوحات لم يأتِ عبطاً ولم يكن حضور النوافذ والأسوار بين شخص الرائي وموضوعاته في اللوحات خيالًا فارغًا من الدلالات، أو تكرار أجواء البرودة المحيطة بها والمولدة للسأم هو من قبيل العبث، إنها حالات تهيمن على حياة أي شخص يتهيأ للرحيل ، وهي صور تحمل رسائل يريد هذا الفنان/الشاعر/الفيلسوف توصيلها لمشاهديه، وسيكون مهيناً لشخصه أن نتصور أن السيادة (المطلقة) لهذه الأجواء على لوحاته هو من قبيل المصادفة أو تكرار صورها هو عمل صبياني لمراهق يمتلك تقنيات فنية يريد أن يدهشنا في النظر بقدرته على تحريك موضوعات صوره الساكنة..

فأنا أتفهم شخصًا يصارع قدره أن تسود البرودة في حياته، ولا أستغرب أن تتخللها لحظات صحو وهي لحظات قليلة سيكون القلق حاضراً فيها أيضاً.. دعك الآن موقتاً من اللوحة ٢٣ حيث الصحو فيه مطلق، ففي اللوحة ١٢ هناك صحو وسكينة يتخلله قلق وصوت صلاة وسور يعزل الرائي عن موضوعاته، حمائم وغربان، وكذلك الحال في اللوحة ١٤، أمواج وبط وسور *يعزل* بطة عن اللحاق بصاحباتها.. الوحدة والعزلة (منذ زجاج السيارة في اللوحة ٢)، هي كما التكرار والبرودة والسأم وحضور الموت هي الثيمات الأساسية في الفلم.

لحظة الصحو المطلقة في اللوحة ٢٣، لا أسوار ولا غربان ولا بطة معزولة تدور حول نفسها ولا برودة، هي اللوحة الأخيرة في حياة الرائي القلق أو بالأصح ما بعد حياته ورحيله، غير شخص ما آخر يهيأ خشباً "لموقد ما" إعلاناً للدفء وإسدال للستارة على تلك البرودة ..


اللوحة ٢٤، لا تنتمي إلى ألم الرائي إنما إلى حزن من تركهم الرائي خلفه في الحياة بعد رحيله، لذا لا أستغرب أن يختاره كيارستمي ليكون الشخص الذي يلقي برأسه على الطاولة ، فتاة وليس رجل.. أما قراءتك للوحة الشرقيين في مواجهة الحداثة فهي صحيحة وتتفق تماماً مع ما أشرت إليه بخصوصها في تعليقي الأول، فقط أود أن أضيف أن ألمه الشخصي المهيمن على كل اللوحات زاده قلقاً عاماً هنا على حال قومه/قومنا في موقفهم تجاه الحداثة.. قراءتي هذه قد تكون فيها جرأة، لكنها جرأة لا أخاف منها.

حوار رقم 10:

تعجبني جرأتك واختلافك في التحليل الذي أتفق معه إلى حد كبير فيما ذهبت إليه من ربط بين أجواء الفيلم الكئيبة وتقلباته بالحالة النفسية للمخرج، خصوصاً وأن بعض كلمات الأغاني تخدم هذا التحليل.. رغم أن إقحامك لهذا التحليل للإطار رقم ٢٣ بالذات ليس مقنعاً تماماً.. مازلت أعتقد جازماً أن تحليلي لهذا الإطار هو الأقرب للصحة ويأتي ليؤكد على ما أتيت به أنا من تحليل عن رسالة كيارستمي عن الطبيعة المسالمة ضد الإنسان المتوحش، ولا أريد أن أعيد ما قلته من تحليل قوي، من وجهة نظري في الربط بين كل عناصر الطبيعة وكائناتها المسالمة ضد الإنسان المغيّب من الفيلم تماماً، وهذا أيضاً لم يأتِ اعتباطاً..

لا أعتقد بأن هناك سيادة لتحليل على آخر.. فكما قلت، العمل الفني العظيم يحتمل أكثر من رؤية وتحليل، بل أصبحت أنا الآن متيقن، بعد كل هذا الحوار المثمر، أن الفيلم ربما جاء ليعكس حالة المخرج الداخلية وفلسفته للحياة والموت، وفي نفس الوقت جاء ليعطي رؤيته لهذا العالم والكون الخارجي ايضاً. ليس من الضروري أن يكون هناك تعارض، بل تكامل في الرؤيتين، فمثلاً، أعجبني تحليلك للنوافذ والأسوار، وأعجبني تحليلي لها أيضاً ولبقية عناصر وسياق الفيلم.. إعجاب لا أخاف منه..

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email