تسلسل الأحزان في رواية ... عشت خادمة


في البداية أود أن أؤكد بأنني لست ناقدا أدبياً وأن السطور التالية هي مجرد انطباعات متواضعة لقارئ متذوق للقصة والرواية.

(عشت خادمة) هي الرواية الثانية للكاتبة الواعدة ندى نسيم بعد روايتها البكر (بديع المحيا) التي صدرت في عام 2018م، وهذا يدل على أن المؤلفة تشق طريقها بإصرار في عالم الرواية الواسع والمتشعب. ومن خلال اطلاعي بين حين وآخر على نتاجها الأدبي المستمر في وسائط التواصل الاجتماعي ونشاطها البارز في أسرة الأدباء والكتاب البحرينية، يبدو لي أنها تسير في الاتجاه الصحيح.

تبدأ الرواية في نهاية القصة أو قرب نهايتها حيث تخبرنا البطلة أنها تنتظر قرار المحكمة بسجنها في يوم الغد، ولا نعرف السبب. ثم تعود بذاكرتها إلى الوراء مستخدمة تقنية الفلاش باك أو استرجاع الأحداث وهي تبوح أو تفضفض عن أحزانها للدكتورة سعاد، الطبيبة النفسية، منذ طفولتها وشبابها وحتى يومها الحالي، حيث تأخذنا الكاتبة، على لسان البطلة، في سلسلة متواصلة من الأحداث المحزنة والأقدار التعيسة التي تعرضت لها في حياتها وكلما تجاوزت إحدى المحن وبدا بصيص الأمل بالتفاؤل والخير تظهر لها محنة أخرى أسوأ منها، ومما يزيد الأمر إيلاماً أن معظم هذه الصدمات أو النكبات إذا جاز القول سببها بعض أفراد عائلتها وهنا يصدق بيت الشعر القائل: وظلم ذوي القربى أشد مرارة من ظلم الحسام المهند. وقبل نهاية الرواية تعود البطلة إلى النقطة الأولى وهي انتظار حكم المحكمة حيث تصدر المحكمة قراراً بسجنها ثلاث سنوات مع النفاذ.



أسلوب الكاتبة سلس وجذاب حيث تتمتع بمخزون لغوي طيب وقدرة على التصوير والوصف بصدق للأحداث والشخصيات، كما تتميز بالقدرة على الإمساك بخيوط الرواية والتمكن من أدوات السرد وشد انتباه القارئ حتى النهاية، كذلك فإن خبرتها العملية في مجال الاستشارات النفسية وكونها باحثة في المجال النفسي والأسري، كما تقول سيرتها الأدبية والمهنية، قد وظفتها بنجاح في تقديم الشخصيات وتطورها.

"قرُب موعد جلستي فاستقبلتني بحرارة وكأنها تدرك إنها لن تراني مرة أخرى وواصلت حديثي عن حزن دفين آخر كنت أعيشه في هذه الفترة، وأنا أرى ابنتي الأخرى عائشة قد تمكن منها الاكتئاب وركنها في زاوية مظلمة، وكأن الحياة عندها أصبحت ليلاً، ولا يزورها النهار أبداً. وقد ازداد حالها سوءاً عندما حرمها زوجها من ابنها (سفيان) على اعتبار أنها فاقدة الأهلية، وغير قادرة على مراعاة الابن، بعدما قدم للمحكمة مجموعة تقارير من مستشفى الطب النفسي عن تلقيها العلاج من الاكتئاب، وكنت في هذه الفترة حريصة جداً على متابعة عائشة من طبيبها النفسي، وتلقيها العلاج الذي سيساعدها على الشفاء، والعودة إلى حياتها الطبيعية، ومن مفاجآت الصدف العجيبة وأثناء تلقي عائشة العلاج، كنت طرفاً يسعى لدعمها من خلال محاورتي الدائمة مع طبيبها وفي أثناء وصف حالتها مع زوجها وما تعرضت له، علمت من طبيبها أن (بلال) كان يتعالج لمدة عشرين عاماً من اضطراب الفصام عند نفس الطبيب الذي يعالج ابنتي."

من الملاحظ أن غالبية الشخصيات الرجالية في الرواية شخصيات سيئة أو شريرة ابتداء من الأب الغائص في ملذاته والظالم لأفراد أسرته وتدليله الزائد لزوجته الثانية بعد وفاة زوجته الأولى، ومرورا بالأخ الذي ينصب على اخته (البطلة) مرتين ويسلب كل أموالها ويتركها أسيرة للإفلاس ثم السجن، وكذلك زوج البنت الكبرى عائشة الذي يعاملها بقسوة شديدة ويضربها في كل وقت فتصاب بالاكتئاب وتودع المستشفى قبل أن يطلقها ويتمسك بحضانة الطفل ومنع أمه من رؤيته. كذلك الشخصيات الرجالية الثانوية نجد فيها خصلة الشر والخيانة ومن امثلتها زوج الصديقة التي تأوي البطلة بعد طردها من البيت وكذلك الرجل الذي يتقدم لخطبتها طمعاً في مالها لمساعدته في مصاريف عائلته.

"ها أنا أُلدغ مرتين من نفس الشخص، الذي أحمل معه نفس الدم، والذي شاركني في لحظة الهم. سقيته من كأس الأمان، فسقاني باقي عمري كؤوساً من الغم. لا أدري لماذا سامحت؟ لماذا وثقت؟ لماذا صدّقت؟ ليتني تمسكت بظنوني وما أبصرت الحقيقة الكاذبة. ليتني كنت قاسية. عاتبت نفسي عتاباً تقرحت بعده أمعائي كلها. وما زاد الموضوع شقاء هو ردة فعل صالحة، فقد كانت تعاتبني، ليلاً نهاراً، وكأن أكبر ذنوبي هو أني أردت رؤيتها في أحسن حال".

فهل أرادت الكاتبة أن تقول لنا شيئاً من خلال هذه الشخصيات السيئة؟

من جهة اخرى نجد أن الشخصيات النسائية متنوعة في الصفات فمنها الطيبة والمتعاونة والراغبة في المساعدة كالدكتورة سعاد وصديقة العمل أم وليد ومديرة المدرسة وغيرها، وهناك الشخصيات الشريرة والمخادعة كزوجة الأب وزوجة الأخ وأم الزوج.

ختاماً هناك عدد من الأخطاء الإملائية والنحوية في ثنايا الرواية التي يمكن تلافيها في الطبعة الثانية منها. كما توجد بعض الهفوات الفنية الصغيرة ومنها على سبيل المثال ما جاء في الصفحة 31: "كنت ألعب مع أخي حسام الذي يكبرني بأربع سنوات"، ثم تأتي بعد صفحتين، أي في صفحة 33 لتقول: "وحسام الذي يصغرني بعام كان لا يتجاوز السادسة من عمره".

٨٤ مشاهدة