جميلة الوطني والحنين إلى الوطن



بعد مجموعة شعرية واحدة هي "بهذا الوهج أحيا" صدرت في عام 2019م، تلتها سيرة ذاتية لوالدتها بعنوان "تعبة"، تعود إلينا الأديبة الدكتورة جميلة الوطني هذه المرة بمجموعة قصصية بعنوان جميل أسمته "ضفاف الحنين"، يرتكز على تجربتها ورؤيتها للهجرة خارج الوطن خصوصاً الهجرة القسرية وما يكتنفها من معاناة وعذابات للمهاجرين البعيدين عن أحضان ديارهم ودفء أهاليهم. فقد أشارت القاصة في مقدمة الكتاب إلى أن "الهجرة قبح وعمل شيطاني لجلاد ظالم، يستحل ظلماتٍ داخل النفس المغتربة في الشتات! يمكن للمهاجر أن يجلس على حافة جبل البقاء ولكنه يقع، وإن كان تحت سهل مخضر، وكل ذلك يعني له الفناء".

وفي الصفحة التالية تقول: "تصلبهم الغربة آلاف المرات، والأنس منا في محراب الوطن جموع، وهمم على القمم. الجن منهم سئموا من الإنس بعد أن غشيهم الصمت! صمٌ، بكمٌ! سيطوف هذا الصمت بسحر الوطن، بطعم الحب. سيقبّل أرضها تسعمائة وتسع وتسعين قبلة، وواحدة على عجل، فهو راجع ومؤتمن. وعلى ضفاف الوطن تنام الحياة".

جميلة الوطني

لذلك ليس غريباً أن يكون إهداء هذه المجموعة القصصية إلى الأوطان وكل الشعوب في الغربة والمهجر.

تتألف المجموعة من خمس قصص قصيرة حملت عناوين أدبية جذابة وهي "ابلع دموعك يا بحر" و "ضفاف الحنين" و "أنين المنافي" و "قيثارة مخيم" و "لاعبة الجمباز". معظم هذه القصص تجمعها قضية واحدة وهي التضامن والتعاطف مع المهاجرين ومعاناتهم في الغربة ما عدا قصة "ابلع دموعك يا بحر" التي تسترجع فيها الكاتبة ذكرياتها وهي طفلة في السادسة من عمرها، حيث مرت بتجربة قاسية كادت أن تودي بحياتها وتغرق في وسط البحر، وذلك أثناء سفرها مع عائلتها في مركب كبير من البحرين إلى دولة أخرى، فيتعرض المركب واسمه "عاصي" إلى رياح قوية وأمواج عاتية، فيعيش الركاب في حالة من الرعب والهلع إضافة إلى دوار البحر الشديد، ويزداد الموقف خطورة حينما تبدأ المياه في التسرب إلى داخل السفينة: "بدا المركب الكبير حجماً وثقلاً كقطعة صغيرة من الخشب، تعوم في عباب البحر، لا يستكين ولا يسكن على من هم على متنه، وخوفاً من سقوط أحدهم أتت الأوامر بالتوجه للأسفل. همّ بعض الشباب بالجري على السلّم كي يساعدوا كبار السن ويتلقفوا الأطفال من أعلى. ذهب بعضهم لإنجاز مهمة الحماية وتنزيل كل العائلات بأسرع وقت. رأيت أحدهم يجري لربان المركب قائلاً: المياه بدأت تتسرب من ثقب صغير في السفينة!".

وتذكرني هذه القصة بالفيلم السينمائي الشهير "تايتنك" الذي يروي قصة السفينة الضخمة التي تحمل هذا الاسم وغرقها في عام 1912م وذلك بعد اصطدامها بصخرة بحرية وامتلاء جوفها بالمياه، وغرق الكثير من الركاب بسبب مياه البحر الثلجية وعدم القدرة على إنقاذهم. لكن الحمد لله أن المركب "عاصي" لم يغرق بعد أن "بقي في عرض البحر لثلاثة أيام، كجسد معتل أرهقه الوقوف قبل أن يستعيد عافيته ويبدأ رحلته. قلوب ألجمت بعد أن استمرت العواصف في الإنصات إلى رجفها قبل إذابتها".

وفي قصة "ضفاف الحنين" التي تحمل اسم الكتاب نعيش مع مجموعة من المغتربين العرب الجالسين في مقهى بإحدى الدول الغربية، يستمعون إلى الأغاني الوطنية القريبة إلى قلوبهم والتي تخفف عنهم وطأة الغربة ومنها أغنية الفنان "مارسيل خليفة" المعروفة "أحن إلى خبز أمي" حيث تثير الأغنية فيهم الشجن والحنين إلى الوطن.

"الموسيقى تصدح أينما حلّت. في الهواء الطلق، في السماء والأرض، تنسج سحابات وتعبث بآذان السامعين أينما كانوا وحلّوا! هناك خلف الجدران وخلف زجاج المقهى آتية يسمعها المارة. صوت فنان شجي يدغدغ مشاعر الجالسين في الداخل وربما بعض المارة أمام الباب الذي يفتح دفتيه للريح. فنٌ يهمس سيمفونيات عربية تطرب الروح خلف مُحيّا الغيوم القاطرة، وقد شلّحت أثوابها غيمة بعد أن تحملت لوعات الحنين. نفخت خدودها وقد حجبت الشمس لكن حرارتها في الجوف تندلع كما تذبل أوتار الكمنجات في أنامل عازف. إنها الروح تنشد لرواد المقهى، تتناغم بسخاء وتثير الحواس".

في هذا الجو الدافئ ينهض رجل كهل من بين الجالسين ويطلب من النادل تغيير الأغنية لأنها تثير فيه أشجاناً وهموماً مؤلمة، لكن بقية الجالسين عارضوا تبديل الأغنية وأصروا على الاستماع إليها، فيقع الجدال والتلاسن بين الرجل والأشخاص الآخرين، وهنا تتدخل فتاة شابة وتقترح بدلاً من ذلك سماع أغنية رومانسية لعبد الحليم حافظ، فيستجيب لها النادل ويهدأ الموقف.

هذه الفتاة كانت تجلس مع حبيبها في طاولة منزوية عن البقية وتدور بينهما الأحاديث العاطفية وشؤون الحب والغرام. وفجأة تدخل إلى المقهى شابة أجنبية وتتجه مباشرة إلى الشاب الجالس مع حبيبته وتخاطبه بلهجة غاضبة وتقع مشادة كلامية بينهما متهمةً إياه بخيانتها. ويدور بين الاثنين نقاش حاد ثم تترك الشابة المقهى وهي غاضبة فيخرج الشاب وراءها تاركاً الفتاة تذرف الدموع وتجهش بالبكاء على حالها. وهكذا يعكس المقهى مشاكل وهموم وآلام المغتربين العرب من حنين إلى الوطن إلى العاطفة والحب إلى البحث عن العمل وغيرها من الهموم.

أما قصة "قيثارة مخيم" فهي تتحدث عن أختين سوريتين هما الرسامة سماء، وهدى التي تهوى العزف على الجيتار وتعيشان في طمأنينة وهدوء في منزل بسيط مع والديهما. وفي رحلة لهذه العائلة إلى منطقة رأس البسيط التي تتميز بجمال الطبيعة كانت وجهتهما للتخييم في المنطقة الساحلية من اللاذقية في رحلة صيد واستجمام في الهواء الطلق بعيداً عن الرفاهية المعتادة طوال مدة الدراسة. تعلموا في المخيم أن لكل واحد منهم مهمة في هذه الرحلة، غسل الأواني والملابس، وإعداد وجبات الطعام وتنظيف الخيمة، والتسامر ليلا ولعب الورق أو القراءة وسرد بعض القصص. وبعد انتهاء الرحلة تعود العائلة إلى منزلها الوادع وحياتها العادية، ثم تبدأ المأساة.

"نامت الفتاتان في سلام بأحلام الطفولة البراقة، في انتظار يوم حافل بالآمال، لكنهما استفاقتا تحت أصوات فوضى عارمة وأصوات جعجعة رصاص لا يبعد كثيراً عن غرفة نومهما. جرت الاثنتان في اتجاه غرفة والديهما فإذا بهما في بهو البيت يحاولان التعرف على ما يحصل خارج المنزل، ومن نشرة الأخبار استوعبت العائلة أن هناك هجوماً مسلحاً على المنطقة والمناطق القريبة من الحارة التي يقطنونها".

ثم اضطرت أعداد هائلة من العوائل إلى النزوح وترك منازلها وكل ما لديها من حياة هانئة. وبدأت معاناة سماء والعائلة بأكملها ولكنها لم تنس أن تحمل معها الألوان ودفتر الرسم لتبدأ برسم كل شيء في طريق الهجرة: بكاء الأطفال، والمعاناة في ذلك اليوم، حيث أمطرت السماء وبللت الدواب المحملة بالأغراض والحجر والشجر.

"كان لسماء موعد ثابت مع الحياة ومتحرك مع الأمل، وبينما هدى لم يسعها حمل قيثارتها، تركت آلتها على أمل الرجوع إليها بعد أيام أو أسابيع، حيث كان الأهم أن تحمل بعض المؤن والملابس. هدى ألجمها الصمت طوال الرحلة إلى المجهول أو ربما تجرعت اليأس من حياة لا تحتمل، تمحو فيها ألوان الفرح عن أوتار قيثارتها. وتتساءل قائلة: كيف للثلج أن يذوب في شتاء قارس وهو يقطن صقيع الوحدة؟ حياة أهل المخيمات باردة وجامدة، مثلجة شتاءً، حارة وجافة صيفاً. تلك الخيام البيضاء المتراصة على أرض صلبة من غبار الصحراء الموحلة، ربما يذوب الثلج في الصيف ولكن كيف يذوب الملح دون ماء، في وقتٍ تكون فيه الحياة قاسية".

طال انتظار الجميع للعودة إلا أن الحرب الدموية المستعرة استمرت في وطنهم واستمر المسلحون في شن معاركهم المتجددة والدامية كل يوم، ولم يتوقف إطلاق النار بالقرب من حارتهم. وفي ظل هذه الظروف تصاب هدى باضطراب في سلوكها ثم هلوسات وتصرفات غير طبيعية فتأخذها العائلة إلى الطبيب النفسي الذي يشخص حالتها بانفصام الشخصية.

ترجع العائلة مكتوفة الأيدي، فكيف لها تقبل وضع ابنتها بأن تصاب بهكذا مرض! فوضع اللاجئين قد يؤدي إلى إصابة أي منهم بمرض نفسي وجسدي معاً.

"رجعوا جميعاً والصدمة تلعب برؤوسهم! ماذا نفعل في ظروف طغت على ذهن ابنتنا! في وطنها الصغير ، القيثارة وأوتارها التي ارتطمت بأوتاد الخيمة، فتناثرت أحلامها وافتضحت سوءات الحرب!".

175 مشاهدة