جنّة المستحيل


الشاعر عبدالله زهير

عبرنا الحدود القريبة كان المدى يمدُّ ذراعيهِ يرسم تلويحةً للوداع عبرنا الشوارع ملتحفين الزنابق والكستناء وكان شريطٌ يُؤرجحُ ذاكرة الأرض فصلاً ففصلاً مشى فاصلٌ فاضحاً ثقل هذا المساء عبرنا حدود المجازات كنا نُعدُّ عِتاد الحقيقة ثم نقيس رماد حفرتنا: يومٌ فيومان سبعة عشر يوماً ثلاثون يوماً وكنا نُعدُّ عِتاد الحقيقةِ نصغي لصوت المجازر تعزف خارطة النزفِ فوق الحقول ونرقص ما بين هاويتيْ حنينٍ ويأسٍ ونُحصي خُطانا: ثلاثة أشهر تسعة أشهر عامٌ وعامان ثلاثون عاماً كنا نظن المسافة بين الخروج وبين المدينة رميةَ نردٍ وكنا نُعدُّ الزوادة كنا نُعدُّ عِتاد الحقيقة ونصقل معدن هذي المفاتيح من وحشة الذكريات ومن صدإ الانتظار الطويل ونُحصي تقاسيمَ هذا الوجع الأبديِّ: خمسون عاماً مشينا هنا فوق جمر المنايا على لعنةِ الموتِ. سبعون عاماً نقيس تضاريس هاوية تتسيّج وجهاً كمثل الهديل وصار يُكسّرنا اللامكان شظايا عبرنا التواريخ واستيقظتْ كلُّ حواسّ الخليقةِ وسط حناجرنا استيقظ الغجر النائمون على دمنا نادمونا إلى أن تلبّسنا: وجهُهم، صوتُهم، يأسُهم ، خيطُ خُطاهم، ورقصٌ يدرّبُ أقدامنا إلى جنّة المستحيل ...

12 مشاهدة