حالة الاستقبال والسجال




الشاعر قاسم حداد


بسبب من الطبيعة الاستقبالية التي يتميز بها مجتمعنا، باعتباره مجتمعاً مستهلكاً بالدرجة الأولى، نجد أنفسنا غالباً معرضين لحالة من الانبهار بإنتاج المجتمعات (المتقدمة) على الأصعدة كافة، سواء أكان هذا الإنتاج اختراعاً إلكترونياً أو إسهاماً فكرياً أو فلسفياً، نتعامل معه كفعالية متقدمة أنتجها إنسان غير عادي، وبالتالي يأتي تعاملنا مع هذا النتاج متخلفاً هو الآخر.

إننا مثلاً نستخدم جهاز الكمبيوتر، لكن بعد أن يصيبه عطلٌ ما، لا نعرف إصابته. دعك من إمكانية إصلاحه، سنعجز عن اكتشاف سبب العطل، ليس هذا فحسب بل إننا ربما، لسبب حضاري، أيضاً، سنكون في عجلة من أمرنا، بحيث نسارع إلى شراء جهاز آخر جديد. ومثل هذا السلوك ينم عن اعتقاد لا شعوري، بأن الشيء الحي إذا تعطل فهذا يعني أن (حياته) قد توقفت، ولا يمكن إعادتها (استعادتها) تماماً، مثل الحصان أو أي حيوان آخر. ولابد من شراء أداة أخرى. نشتري، ونستهلك فحسب، هذا حسبنا.

2

أما على صعيد الثقافة والفكر، فإن الأمر سيبدو أكثر تعقيداً وخطورة، استقبالنا لمعطيات الفكر الآخر يكاد يكون منشطراً إلى موقفين متناقضين حدّ الهلاك.

الشطر الأول، يرى أن أي فكرة أو نظرية أو فلسفية يبتكرها الإنسان الآخر، (غير العربي، وربما غير المسلم) هي نتاج عدو، لا يمكن أن يَصلح لنا بأي قدر كان. وينبغي أن نمنع حضوره في حياتنا، بل ربما بذلنا أموالنا وجهدنا ووقتنا لمحاربته أيضاً، بدل أن نمنح أنفسنا فرصة واحدة فقط لاكتشاف ماذا يريد أن يقول هذا النتاج الفكري.

3

وهذا النوع من الموقف سوف يفوّت على الثقافة العربية (إذا هو استطاع حقاً) فرصة الاتصال بفعاليات إنسانية من شأنها أن تغني تجربتنا، حتى إن كنا على خلاف عظيم، من حيث النظر إلى الأمور. فإنك على الأقل فتحت أمام حياتك مجالا لمحاورة الآخر، فكرياً، لاكتشاف جوانب القوة والضعف في بنيتك الثقافية.

الشطر الثاني، سوف يذهب إلى الطرف النقيض في الموقف، فهو غالباً ما يصاب بذلك الانبهار الناتج عن استعداد المتخلف تجاه الفكر الآخر (العبد والسيد) استعداداً يجعله يؤمن بأن كل ما ينتجه الإنسان في المجتمعات المتقدمة من الضروري أن يستقبله باطمئنان. ويذهب مثل هذا الموقف إلى حد (اقتناء) هذه الأفكار والنظريات والفلسفات بصورة مطلقة، ويباشر تطبيقها على شتى مجالات الحياة العربية، بدون أن يتخذ موقفاً حوارياً (نقدياً) من تلك الأفكار. وهذا ما يتناقض مع طبيعة الأفكار نفسها. ففي المجتمع الحضاري يرتبط كل شيء بالعقل، بمعنى أن أي فعالية إنسانية، لابد أن تتصل بقدرة العقل على التحليل والنظر الحواري، والاكتشاف والإقناع والاقتناع، أي أن كل تلك الفلسفات احتاجت لما لا يقاس من السجال والجدل، بين اجتهادات عديدة، مختلفة ومتناقضة أيضاً، قبل أن تصل إلى صيغتها التي نراها عليها الآن، هل ندرك ذلك؟

4

وتظل الأمة هي أيضاً قابلة، موضوعياً، إلى أي اجتهادات عقلية يمكن أن تُطرح يوماً بعد يوم. إذن فاستقبال فعاليات الفكر الآخر، كمسلمات نهائية من قبل ثقافتنا، يشكل قصوراً حضارياً في بنيتنا، بل من المتوقع أن تكون إهانة لإنسانيتنا أيضاً. فكما أن الذي ابتكر هذه الفلسفة بشرٌ مثلنا، فمن المتوقع دوماً أن نكون قادرين على محاورة نتاجه واكتشافاته برؤية نقدية، من شأنها أن تطرح اجتهادات جديدة، تسهم في تطوير هذه الفلسفة في حدّ ذاتها، أو تطويرها لأن تتلاءم مع طبيعة القضايا التي نعيشها، أو مع أشكال نظرنا للأمور.

ليست هناك مواقف نهائية لتلك الفلسفات، في أي لحظة من لحظات التاريخ. وليس لنا أن نتخذ موقفاً استقبالياً تجاه تلك الفلسفات، فمثل هذا الموقف يجسد تماماً موقف العبد تجاه فكر السيد، وهذا هو السلوك الذي ظل الاستعمار الأجنبي يكرّسه في المجتمعات المتخلفة، من خلال هيمنته (التاريخية). وهذا ما يبدو أننا قد وقعنا تحت سطوته، بسبب استعدادنا (التاريخي، أيضاً) لتلقي الفكر، تماماً مثلما كنا طوال تاريخنا نتلقى (النصوص) بدون أن يكون لنا حق محاورتها ومساءلتها، وطرح الأسئلة حولها، والشكّ فيها ونقضها. ومثلما كنا نتلقى (نصوصنا الأولى) القديمة، ونستسلم لتقديسها، رحنا نتلقى نصوصاً حديثة ونخضع لها، بدون أن نمارس معها حواراً فكرياً مشروعاً ومطلوباً.

5

وعن طريق هذين الموقفين سوف نقع دوماً ضحية التخلف المركّب، ونخسر كل الاحتمالات التي من شأنها أن تغني تجربتنا الثقافية والحياتية. إن معطيات الفكر الإنساني لا تطلب منا استسلاماً لها، بل إنها ـ كما أشرنا – لا تقوم على مثل هذا الاستسلام، فجميع ما ينتجه الإنسان هو في خدمة الإنسان ورهن قدراته العقلية. وكل الفلسفات والنظريات ليست سوى أدوات عمل بيد الإنسان، ينبغي أن توضع تحت حكمة الحوار والأسئلة. وبدون مثل هذا الموقف النقدي لا نستطيع أن نراهن على مستقبلٍ ما. نحن هنا لا نشير إلى موقف وسط بين الموقفين، ليس هذا في وارد عملنا، إضافة إلى إنه لا يشكل حسّاً علمياً في هذا المجال. إن ما نميل إليه هو الموقف الحضاري الموضوعي من الأشياء، أي محاورة المعطيات والفلسفات كافة في العالم، واكتشاف آفاقها والاستعداد لنقدها والإسهام في صناعتها وتطويرها. وهذا الموقف يختلف عن موقف الوسط، أو ما يسميه البعض بالاعتدال.

إننا هنا لا نرى موقفا وسطا إزاء الحقيقة. الحقيقة واضحة وحاسمة وثورية غالباً. لذا سنحتاج لممارسة دورنا النقدي في مواجهة الفكر الآخر للتحاور معه، والاتصال بجوهره الإنساني. هذا ما يعنينا كمجتمع يتطلع للنمو في شتى الأصعدة. وأي نوع من النمو لا يتحقق بمعزل عن ممارسة النقد والحوار. الإنسان لا ينمو في الموقف السلبي، والتحولات الاجتماعية القائمة على النمو لا تتاح لها فرص التحقق سوى بالمزيد من حريات النقد والحوار، هذا هو الشرط الديمقراطي للتنمية، لو أنهم يعلمون.

56 مشاهدة