حداد: الشاعر لا صديق له وقت الكتابة


أن تحاور شخصية لها تلك المكانة البارزة، بدءاً من مكانة نضاله الثقافي منذ أكثر من خمسين عاماً (وهو مؤسس جسور وقويّ لمفهوم النضال عبر الكتابة بشتى أشكالها)، وليس انتهاءً بنتاجه الأدبي والشعري الغزير والعميق، أشبه ما يكون أن تدخل في غبطة السفر نحو مجرة لانهائية حافلة بالمغامرات والمفاجآت والاكتشافات والدهشات والمباهج و اللذائذ. وهو ما جعلنا، بعد إنجاز ملف "راهن الشعر المعاصر في البحرين"(نُشر بمارس 2021 في مجلة "البيت" الصادرة عن بيت الشعر في المغرب)، نعتقد بضرورة أن نسأل قاسم حداد حول إشكاليات هذا المشهد ومآزقه وملامحه وتشابكاته المختلفة، وهو المسكون بشجون الشعر وهمومه ومستقبله ليس على مستوى هذا الأرخبيل الصغير فقط، وإنما على مستوى الوطن العربي والعالم أيضاً. فكنا حريصين أشد الحرص على معرفة مواقفه وآرائه وتصوراته حول بعض القضايا والأبعاد والظواهر الشعرية المرتبطة بحركة الشعر في البحرين، محاولين فهم الراهن الشعري وتحليله وفتح آفاق الأسئلة على تجلياته وجدلياته وهواجسه عبر هذا الحوار الذي نتوخى أن يمنحنا قدرة الضوء على تبديد الظلام ومحو سلطته الثقيلة..

نحن نعرف أن حركة الشعر في البحرين متصلة بمثيلاتها في الوطن العربي، ولكن كيف ترى تحديدا المشهد الشعري في البحرين الآن، بظواهره، بأبعاده المختلفة.. هل ترى أنه يتطور أم على العكس يتخلف؟ ما هو تصورك لتطويره.. كيف يمكن له أن يتقدم برأيك؟

في المشهد الشعري في البحرين أصوات جديدة تحاول التحرر من ربقة ما تفرضه المؤسسات الفكرية على نشاط المواهب الأدبية. وضعف بعض هذه المواهب يهددها بخسارة حرياتها، سأشعر باطمئنان لهذه المواهب، لتغني المشهد الشعري العربي، كلما خرجت على التقليد القديم والحديث. ليس مثل حرية المخيلة الشعرية رافعة حية لتقدم الشاعر.

سركون بولص

صرحت في إحدى حواراتك أنك لا تحب تسمية "قصيدة النثر"، وحسبما قرأنا فإن سركون بولص يرفض هذا المصطلح أيضا.. ما هي منطلقاتك في ذلك؟ وما هو البديل الذي تقترحه؟ (عندما ترفض شيئا لا بد أن تقترح شيئا آخر يمكن أن يكون أفضل من ناحية أدبية منهجية ومن ناحية إمكانية قبوله وانتشاره في أوساط النخبة المثقفة وعند القارئ والمهتم بالشعر، باعتبار أن ثمة تعاقد ضمني بين الشاعر والقارئ في مسألة الجماليات وفي مسألة التحديث النقدي والشعري...)

ليس ثمة بديل لذلك المصطلح، لا أقترح مصطلحاً آخر، بالعكس التجربة علمتنا أن المصطلحات تُشكِّل قيداً للمبدع. وها أنت تشترط أن يكون المصطلح الجديد مقبولاً من النخبة، هذا قسر لا أحبذه، التعاقد الذي يشير إليه السؤال يتخلق لاحقاً، بعد النص. إنه فعلٌ نقدي، وليس فعلاً شعرياً. دعنا نتحدث عن الشعر. الشعر فقط يسعفنا عندما نتوفر على الموهبة والمعرفة.


قصيدة القلعة من القصائد التي تختصر رؤيتك للآخر. هي أكثر من قصيدة، هي نص فلسفي حول العلاقة بالآخر، استيعابه بدل مواجهته، فرش الزهور في طريق "الأعداء"، حدثنا عن هذا الولع باكتشاف الصديق في أعماق الخصم؟

الشاعر لا صديق له وقت الكتابة، الصداقة سلطة يعمل على تفاديها، النص هو الصديق الوحيد لحظة الكتابة. الأصدقاء والأعداء يأتون بعد النص وقبله. القارئ يصير صديق النص وليس الشاعر. لذا أتمنى على القارئ أن يجد في النص ما يحب وما لا يحب. وإشارتك لقصيدة (القلعة) يصقل قنديلاً إضافياً في أسوارها.

مثلت ثيمة الذئب رمزاً بارزا في نصوصك، حيث يتعدد ذكره في مواضع كثيرة (ما أجملك أيها الذئب..، رقصة الذئب، ذاكرة ذئب،أناالذئب الذاهب في ليل الملجأ...إلخ)، هل هو تجسيد لصورة (الذئب/ الشاعر) أو (الشاعر/ الذئب) التي يحتويها هذا الرمز؟

ولد الذئب في كتابتي بمحض المصادفات الموضوعية، بعدها صار الذئب يتبلور برفقتي ويأخذني إلى مجاهيله وأخلاقه، فوجدت فيه الكائن النبيل القرين لحزني و استنفاري. ثم لم أعد أعرف حدود الذئب من الشاعر. بالطبع لا أعتبره ثيمة ولا رمزاً ولا قناعاً، إنه أنا.

أرنولد توينبي

لطالما تكررت في مقالاتك ونصوصك وبالمناسبة أنت لاتفرق كثيرا بين الكتابتين، فكرة نقد الأمل بوصفه وهماً وأن اليأس هو الحقيقة الوحيدة، وقلت أن حرية اليأس مقموعة ومحاصرة دائماً... أليس جديرا بالشعر أن يكون رافعة للأمل، أن يتمثل بصيص نور الأمل في آخر هذا النفق اليائس والمظلم، هناك من يفهم كلامك على أنه تمجيد لليأس وبث لنزعات التشاؤم في وقت نحن احوج ما نكون فيه لطاقة الأمل والنزعات الإيجابية في النظر للأمور؟

لا أمجّد اليأس، إنه مجدنا الأكيد. وأشعر بقلق بالغ عند الكلام عن (الأمل) في هذا العالم الذي ينكّل بِنَا. هل يمكنك أن تشير إلى نأمة واحدة تدعو إلى الأمل في حياتنا. المطمئنون فقط يمكنهم الكلام عن الأمل، ويحضّون عليه. ربما أنا أحد المحرومين من شعور الاطمئنان.

وبالمناسبة فإن عنوان كتابي الجديد، قيد الطبع، (ما الأمل؟). يتوجب فهم أرجوحة اليأس والأمل في حياتنا لكي نتفادى التعرض لما يسمونه (تشاؤماً).

سيكون أمام العرب تأمل لحظتهم التاريخية في المنعطف / التقاطع الفذّ بين نظرية عمران ابن خلدون القديمة، ورؤية التحدي والاستجابة التي اقترحها “أرنولد توينبي” في بداية القرن العشرين، وعلينا إبداع مستقبلنا، وإلا وقعنا في التقوقع بترددنا إزاء حركة الحضارة التي تلتهمنا ونحن تحت وطأة حوار التاريخ، ففي العنف الذي يقتحمنا منذ الإسلام سوف لن تقوم لنا قائمة إذا نحن لم نعد النظر في موقفنا من التراث النوراني الذي يتوجب إعادة اكتشافه، مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا الذين استلهم الغرب منهم منظوراتهم الحضارية منذ مئات السنين.

لقد قالت لنا العرب عن "سيف الوقت"، لكنهم غفلوا عن "عجلة" الحضارة. فها نحن ضحية صدمة الحضارة، كمن لا يرغب في الخروج من هذا الذهول الفادح، بحجة الدين. الأمر الذي يجعلنا ضحية التقهقر حدّ التراجع عن المستقبل، والانهيار، فيما تُرك الانسان العربي في وهمه حدّ اليأس. ولكي نتحرك ليس لنا (العودة) إلى التراث. نحن تراث المستقبل، وعلينا ابتكار وابداع حياتنا لنكون تراثاً حياً لأحفادنا. وكل هذا يتطلب درجة واعية من الشجاعة والجرأة على التحدي. كما إن إعمار المستقبل يبدأ من الحاضر، من الآن. كيف نتمكن من القول بأننا كائنات تاريخية، بمعنى سيمولوجي للكلمة؟ انظروا كيف تفتك المنظومات العالمية، تفتك بِنَا وبأحلامنا، وتفرط في معاقبتنا. إننا بحاجة لهذا التحويل الصعب، وغير المستحيل. فنحن مزيج جوهري للتاريخ، وعلينا فقط الإخلاص لهذا الجوهر لكي نتأهل للمستقبل وصنعه. أرى أنه كلما تمكنا من نزع تاريخنا من دينيته، تيسر لنا حرية إعادة تركيب التاريخ واكتسبنا لياقتنا للذهاب إلى المستقبل.

في مقال لك مؤخراً بعنوان "طاقة التأمل في الفعل الشعري"، تقول: أشعر أن من بين مهمات أجيال الشعر الجديدة هو اكتشاف طاقة التأمل في الصنيع الشعري، لتعميق الحس الفلسفي في الشعر العربي. ففي حضور خاصية الفلسفة بالنص الشعري، ينجيه من الوقوع في السطحية، وفقر الدلالات فيه." لكن ألا تعتقد أن ثقل حضور طاقة الفلسفة في النص يؤدي إلى جفاف الطاقة الشعورية والعاطفية في نسغه، وبالتالي يفقده وهجه الشعري؟

النص الذي يكتبه الشاعر يظل شعرياً بدرجة من الدرجات، عليه أن يفعل ذلك، دون أن يكون عرضة للوقوع في السطحية والسذاجة. عندي أن الشعر هو ضربٌ من تأمل الكائن في الحياة، وفِي هذا التأمل يتجلى الفعل الفلسفي العميق، دون كتابة النص الفجّ. الفلسفة ريش كثير من جناح المخيلة الشعرية، بل إنها واحدة من مكونات قلعة الشاعر التي تحميه من تدخل وتعدي السلطات الخارجية على عمله الشعري. وظني أن الاجيال الجديدة من الشعراء يقدرون على إدراك الفلسفة في الشعر، لئلا نفرّط في خصوصية الشعرية في الكتابة الجديدة.

أدونيس

تقول:" عندي، كل من يكتب الشعر لا بد له أن يقرأ شعر أدونيس، فليس ثمة اكتمال فنيّ لأي شاعر عربي كان، إذا هو لم يقرأ أدونيس." ثمة كثيرون هاجموا هذا المقال بحدة وقالوا لماذا أدونيس بالذات، ثمة شعراء آخرون كثيرون أيضا لا يكتمل فنيا أي شاعر عربي إلا بقراءتهم: أنسي الحاج، السياب، سعدي يوسف...والأسماء كثيرة.. لقد اعتبروه إلغاء لتجارب كثيرة مهمة في خارطة الشعر العربي الحديث.. كيف تنظر إلى هذه المسألة؟

لم لا، فليكن الشعراء الكثيرون الذين تشير إليهم قناديل في طريق الكتابة الشعرية العربية. إشارتي لأدونيس رأي شخصي لا يصادر حق الآخرين في الاختلاف معه، وأعتقد بتجربة أدونيس المختلفة، دون أن يقلل هذا من التجارب الشعرية المهمة الأخرى. إنني لا أقارن بين الشعراء، فكل شاعر هو نسيج وحده، ومن الظلم المقارنة بين الشعراء، ففي هذا تقديس الواحدية التي لا أحبه.

قلت أيضا: "لم يعد الشعر محصوراً في القصيدة، الشعر في كل شيء. لقد صار الشعر في حياتنا جميعها." .. هل من الممكن أن توضح هذه النقطة؟

ها نحن نلاحظ حيوية الحس الشعري في كل أشكال التعبير الفني. آخر ما صدر عن الصديق أمين صالح كتاب عن (شعرية السينما) كمثال. وسوف نجد الشعر في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والتشكيل. وظني أن التسارع الجميل في وسائط الاتصال والتعبير من شأنه أن يفتح الأفق أمام الشعرية في حياتنا. ولعلنا لن نحتمل (شيئاً) أو سلوكاً في حياتنا اليوم دون أن يكون على درجة من الشعرية. أو هكذا أرى الأمر الآن وفي المستقبل.

أمين صالح

كونك أحد المؤسسين البارزين لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، بصراحة ماذا بقي منها الآن؟ ما الذي عليها أن تفعله لكي تكون فعلا جديرة بالدور الثقافي والأدبي المناط بها (وكنت قلت أنه ليس عليها أن تقوم بدور اجتماعي في كتابك "فتنة السؤال"، وهل من الصائب حقا أن لا تقوم بأي دور اجتماعي؛ لأن الأبعاد الفكرية والثقافية والأدبية قد تتداخل وتتماهى بالبعد الاجتماعي في كل عمل ثقافي أهليّ على أية حال؟

مع الوقت، لا أعتقد أنه سيبقى شيء من "أسرة الأدباء والكتاب" سوى تاريخها. وعلى الأجيال الجديدة أن تبحث عن أشكال جديدة ومختلفة للعمل الثقافي والأدبي. الحياة سريعة المتغيرات والتجدد وعلينا أن نتفهم ذلك ونحسن التعامل معه، لئلا نتأخر عن الحياة.

ما هو برأيك أكبر تحد يواجه الشعر اليوم في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين؟

ليس ثمة تحد أمام الشعر أخطر من المستقبل، والتعبير الشعري الجدير بالمستقبل. كيف يستطيع الشعر أن يقنع العالم بأنه يتوفر ليس كوظيفة ولكن كحاجة إنسانية جديرة بالحياة. اللغة، لغة الشعر هي تحدي المستقبل، وعلى الشاعر أن يكتشف جمالياته وحرياته لكي نصدقه.

٣٣٣ مشاهدة