حرب العصافير


من أعمال الفوتوغرافي البحريني زكريا العمران

مع ساعات الصباح الأولى استيقظتُ خائفاً على أصوات جلبة غير مفهومة، وضجيج عالٍ، ونداء أخي الأكبر وهو يحث الجميع على الخروج. نهضتُ فإذا بالجميع على أهبة الاستعداد: جدي أبي أمي أخوتي الثلاثة.

قال أبي بصرامته المعهودة:

" هيا ياكسول.. حان وقت الحرب".

ارتديتُ ملابسي على عجل، وسلمني أبي طنجرة صغيرة مع ملعقة طويلة وهو يدفعني باتجاه الباب. خرجنا إلى الشارع بفرح غامر للمشاركة في الحرب التي أعلنها الزعيم.

في الخارج توافد الناس من كل مكان إلى الشوارع والساحات، يحملون ما توفر لديهم من طبول وقدور ومقالي وأواني الطبخ المعدنية والنحاسية وعلب الصفيح والصناديق الخشبية. لم يبق أحد في البيوت. مئات الجنود والأطفال والعجائز والنساء والشباب وتلاميذ المدارس وموظفي الحكومة والعمال والمزارعين، كلهم خرجوا تلبية لنداء الزعيم، الذي طلب إبادة العصافير وترويعها وقتلها وافساد أعشاشها وملاحقتها ومنعها من الهبوط، بذريعة انها تنافس البشر وتأكل المحاصيل وتتسبب في المجاعة التي تضرب البلاد.

الكاتب والروائي عبدالقادر عقيل

فجأة انطلقت عبر مكبرات الصوت الضخمة صوت الزعيم، وهو يخاطب الشعب بحماسة مفرطة قائلاً:

" طاردوا العصافير واقتلوها اينما كانت، وحيثما ذهبت، دون أن يخدعكم جمال ريشها، وبراءة مظهرها، فهي مليئة بالخبث والجشع، وهي السبب لجوعكم وشقاءكم".

ارتفعت أصوات التصفيق والتهليل والحماسة، وبدأت الأعلام السوداء ترفرف عالياً، على المباني والساحات والطرقات، وما أن أطلقت صفارة الإنذار عند السابعة صباحاً حتى علت أصوات الهدير الصاخب والهتافات العالية والصراخ المزعج الذي يصم الآذان والدق على الطبول ونفخ المزامير والضرب بالعصي على علب الصفيح وقرع الصناديق الخشبية واطلاق الرصاص في السماء وعلى الأشجار، في محاولة لإخافة العصافير، التي كانت تحلق خائفة في السماء، حتى يزداد تعبها وتسقط ويتم اصطيادها وقتلها.

كانت الشوارع تموج بالحشود المتدفقة، وبأصواتها الهادرة بينما صعدت النساء مع أطفالهن على أسطح البيوت يدقون على أوانيهم بحماسة شديدة.

استخدم الناس كل وسيلة ممكنة في الحرب ضد العصافير: البنادق والمنجنيق والمقلاع والشباك وآلات تقليد الطيور والطبول والأبواق والأجراس والطناجر، وكل ما يمكن أن يصدر صوتاً، ونصبوا الأفخاخ والأشراك، ووضعوا السموم، واستخدموا الشباك المعلقة بين الأشجار أو الأعمدة ذات الخيوط الشفافة اللون والرفيعة جداً، واطلقوا وابلاً من الرصاص في السماء وعلى الأشجار وعلى كل كائن يطير، ووضعوا فزاعات على هيئة رجال بالحجم الطبيعي، بإحدى اليدين مروحة وباليد الأخرى علم أسود.

حمل الصبية أكياساً ملأى بالحجارة كي يرموا بها أعشاش العصافير، وأطلق الجنود خراطيش الرصاص، التي انفجرت في الجو، ناشرة مئات الكرات المعدنية الصغيرة المتناثرة، لتستقر في أجساد العصافير الصغيرة، في محاولة لجعلها تترك مراقدها وأعشاشها، وتطير في السماء دون توقف، حتى تموت من الاجهاد.

كانت حرباً مليئة بالكراهية، فالعصافير المذعورة تتساقط وتموت من التعب، وتُقتل بشكل وحشي، فتقطع رؤوسها وأجنحتها وأرجلها، وتنتزع أحشاءها وعيونها، وتهشم رؤوسها وهي في النزع الأخير.

كان من الصعب أن أتحرك وسط هذه الجموع، وبدأت أشعرُ بالغثيان وبكثير من الخوف وأنا وسط هذا التدافع المجنون، وأخذتُ أشق طريقي بصعوبة عائداً إلى البيت.

صعدتُ إلى سطح البيت، وانشغلتُ بالنظر إلى ما يحدث في الخارج، شعرتُ بأن ثمة شيء خاطي في كل ما يجري.

فجأة وقع من السماء عصفور صغير، كان مجهداً متعباً لا يقوى على الحركة. اقتربتُ منه فلم يحاول الفرار، كان مستسلماً يائساً منهكاً حد الموت.

رفعته من على الأرض، وأحطته بكلتا يدي، ومسحتُ على رأسه برفق، وأحضرت له ماءً، ورويتُ عطشه، فهدأ من روعه، وسكنت حركته، ولم أشأ أن أتركه يطير خشية المصير الذي ينتظره.

كان عصفوراً صغيراً بمنقار مخروطي الشكل، وعرف نحاسي اللون، وبقعة سوداء صغيرة على خديه الأبيضين، لكن حاله كان يبعث على الأسى، ولم يكن باستطاعتي فعل شيء لانقاذه.

بعد قليل بدأت تتكاثر أعداد الطيور المتساقطة بإهمال من السماء على سطح البيت، كانت تنتفض وتضرب بجناحيها الأرض، ثم تتوقف عن الحركة، مستسلمة لمصيرها المحتوم.

على مدى البصر بدأت العصافير الضعيفة المذعورة تتساقط كأوراق الأشجار، في حين لم تتوقف أصوات المحاربين، حتى أظلمت الدنيا، وعاد الجميع إلى بيوتهم مزهوين بالنصر الكبير.


106 مشاهدة