"خلي بالك من زيزي" .. واضطراب الـADHD


من جملة الأعمال التلفزيونية في رمضان الماضي لفتني مسلسل "خلي بالك من زيزي" مسلسل بعيد عن العنف الدرامي المستهلك، شاهدته للتو، ومن البحث عنه يتبين أنه قد حقق نجاحا كبيرا في مصر وخارجها.

المسلسل يعالج مشكلة اضطراب فرط الحركة، وتشتت الانتباه، المعروف بـ ADHD أي (Attention-deficit/hyperactivity disorder) ...القصة والسيناريو والحوار هو نتاج ورشة سرد تحت إشراف المؤلفة مريم نعوم، يشاركها الفكرة في كتابة السيناريو والحوار مجدي أمين، والأخصائية النفسية منى الشيمي والتي لها خبرة علمية في هذا المجال.

إذن المسلسل قائم على أسس علمية لمعالجة مشكلة اجتماعية يجهلها الكثيرون في مجتمعاتنا، خصوصا وأنها تبدأ في الطفولة، حيث يُعتقد في وقت ما أن ذلك السلوك مجرد شقاوة مفرطة وسوف تزول في الكبر، لكن هذا الاضطراب يأتي نتيجة خلل في النمو العصبي. تظهر أعراضه في الحركة المفرطة، وانعدام التركيز، والاندفاع، فالمصاب به يعاني من صعوبة ضبط انفعالاته المندفعة.

المشهد الأول للبطلة زيزي (أمينة خليل) وهي تركض لزوجها هشام (علي قاسم) المُدرس في الجامعة كي تخبره عن فشلها للمرة الثالثة في محاولة الحمل بالتلقيح الاصطناعي، تقتحم قاعة الدرس، فيخرج معها إلى سيارته للتفاهم. تدخل السيارة وهي في نوبة غضب، بصراخ متواصل وتفقد السيطرة على نفسها تماما وهي تتكلم بسرعة شديدة، تهاجمه، دون أن تعطيه فرصة للكلام، يفشل في محاولة تفاديها، تواصل التمادي بضربه فتحدث جرحا في جبينه، وبطريقة بلطجية تخرج لتكسر الزجاج الأمامي للسيارة بأداة حادة، فتصل الأمور للمحاكم بين الطرفين.


زيزي وتيتو

وكلا الطرفين ينتدبا محاميا للقضية، المحامي مراد (محمد ممدوح) لزيزي الذي تعب كثيرا في السيطرة على سلوكها، مما يدفعه لتغيير طريقة التفكير معها من أجل إظهارها بشخصية متزنة، ومقنعة في المحكمة كي لا تخسر القضية. كيف؟ أرسلها لصديقه سامي، طبيب نفسي (صبري فواز)، ثم إلى مركز تدريب رياضي (GYM)، خاصة وأن حركات (Kick Boxing) والـ(La Martial Arts) أي الفنون القتالية، مهمة جدا لإفراغ شحنات الغضب والعصبية الزائدة، فالرياضة متنفس كبير جدا لأي حالة نفسية من هذا النوع، وأُضيف إلى ذلك مدرّب يعلمها التحكّم في سلوكها، وتمضي زيزي بين هذا وذاك بصعوبة نظرا لصعوبة انضباط سلوكها الذي يؤثر على مواعيد الجلسات بالتأخير وغيره لكنها تحقق تقدما بسيطا يسمح ليوم المحكمة، فتظهر زيزي بزي أنيق على غير عادتها في اللبس الذي يميل إلى (الكاجول) وهو لبسها المألوف، المهم أنها تفاجئ الحضور في المحكمة بإفشاء سرٍ على حد زعمها يفيد بأن زوجها يشكو من فتور جنسي مما أدى إلى مشكلة عدم الإنجاب، (قالت ذلك انتقاما لكرامتها المجروحة حين اكتشفت أن لزوجها علاقة بزميلة في الجامعة، وهو ما لم تفصح به لزوجها ولا للمحامي)، المهم تكسب هذه الجولة على الرغم من عدم رضا المحامي، وبعد مرور أيام يذهب الزوج المجروح مباشرة إلى محاميه مرزوق طالبا الطلاق مشترطا عدم دفع المؤخر فيقترح عليه أن يردها لبيت الطاعة، ثم تتم تسوية الأمور بالموافقة على الطلاق وشرطه.


الكاتبة مريم نعوم

من ناحية أخرى هناك الطفلة تيتو (ريم عبدالقادر)، ابنة أخت المحامي التي تعاني من نفس المشكلة دون علم والديها بذلك، جاءت مع والدتها من المنصورة إلى القاهرة بسبب مشاكل اجتماعية مع أهل زوجها، وسكنت شقة أخيها، تستغل تيتو محبة خالها وتحوّل الشقة إلى فوضى كلما سنحت لها الفرصة وتزداد الشكاوى يوما بعد يوم في المدرسة الجديدة في القاهرة، ويستمر سلوكها العصي والصعب على السيطرة مما يؤخر نجاحها في الفصل الدراسي، ولم تفلح محاولات الـ (Shadow Teachers) معلمات الظل معها خصوصا وأنها فوق مشكلتها تواجه تلميذة في الفصل تستهزئ باسمها الأصلي: "إنت اسمك عطيات، إنت فلاحة" حيث يعتبر "عطيات" اسم بلدي ويجلب التندر والسخرية، فتواجه تيتو ضياعا مضاعفا في الدراسة من ذلك التنمر والعنصرية المستمرين من زميلتها حتى يصل بها الحال إلى نفس الطبيب النفسي الذي لم يستطع أن يقيمها تماما من خلال جلسة مدتها عشر دقائق غير أنها أوحت له أنها طفلة طبيعية، فقد تشكو من طاقة مفرطة فاقترح أن يُجلب لها حيوان أليف في البيت كي يساعدها على الهدوء، كما حذر العلاج بواسطة العقاقير الطبية، واقترح أيضا على إدارة المدرسة لتقييمها عبر مركز معين لهذه الحالات، وفعلا تبين أنها تعاني من الـ ADHD، وعلى ضوء ذلك تؤخذ تيتو ثانية إلى جلسات الطبيب سامي ليؤكد الحالة. بعد انتهاء جلسة معها يلتقي المحامي صدفة مع الطبيب ويخبره الأول أنه وجد معلمة ظل جيدة، لكن الطبيب الذي عرف الشخصيتين تماما يدرك بفطنته أن زيزي هي معلمة الظل المناسبة، وهي فرصة عمل ثانية لزيزي بعد فشلها في العمل الأول الذي وفره لها المحامي.

في هذا الوقت تكون زيزي قد أنهت قصتها مع زوجها بالطلاق، بعدها تصل إلى نوع من الرضا والهدوء النفسي نظير اجتهادها على تطوير شخصيها، لاسيما وأن الطبيب أقنعها بأنها ليست مجنونة كما يراها الأهل والناس، إنما هي شخصية مختلفة فقط.


الفنان محمد ممدوح

في المسلسل كل شخصية لها عمق معين في المعاناة، لديها هاجس عدم الكفاءة مع صراعات نفسية جانبية، مثل نيللي (نهى عابدين) ابنة خالة زيزي، وهي أم لولدين والتي تشكو من فوبيا الوحدة وركوب الطائرة الذي يعيقها من أجل السفر لزوجها الذي يعمل في المغرب، ثم صدمتها في والدها الذي يعمل في الرياض والمتزوج بامرأة ثانية دون علمها، مع أن الأختين؛ الأم والخالة تعلمان ذلك، نيللي أيضا صديقة لصيقة لزيزي وأصبحت قريبة من المحامي كون أولادها وتيتو في نفس المدرسة. هناك والدة زيزي التي تريد الطلاق والاستقلالية في الحياة بعد التقاعد بدون أوامر الزوج التقليدي، وهي بعيدة عن ابنتها لانشغالها بهمومها مع الزوج، وكانت هذه مشكلة ثانية لزيزي. من جهة أخرى مراد أيضا لديه مشاكل مع خاله في المنصورة حول عقار الأجداد العالق دون حل منذ زمن بعيد. كما لا يسلم الطبيب النفسي من الهم، في محاولة تجاوز لوعة فقد ابنه الوحيد.

تسير القصة بالتوازي للشخصيتين الرئيسيتين زيزي وتيتو، لكنهما كانتا بعيدتين عن بعضهما حتى تلتقيان في المدرسة بعد أن تصبح زيزي معلمة ظل لها وتنجح المحاولة الأخيرة، وتنجح تيتو في المدرسة، وتصبحان قريبتان جدا لبعضهما بفضل زيزي التي عرفت كيف تكسب صداقتها باللعب الذي تحب لإخراج الطاقة الزائدة منها، مع ابتكار أسلوب معين في المذاكرة يشترط مكافأة اللعب مما جذبها إليها.

أسرة زيزي مترابطة، وحميمة جدا في علاقاتها حتى أصبحت قريبة من أسرة المحامي؛ أخته وتيتو. وتبدأ تتدفق مشاعر دافئة بين زيزي ومراد ويصبحا صديقين يلبيان كلا للآخر دعما وتعاطفا وتعاونا.

في النهاية زيزي تواجه والديها بأنها كانت في الطفولة تعاني من الـ ADHDوأنهما أساءا إليها كثيرا، حيث كان والدها يحبسها في غرفة الغسيل في محاولة للجم فورة غضبها والسيطرة على عصبيتها التي تؤدي إلى تحطيم وتكسير كل شيء. كما تحاسب والدتها على حرمان عاطفي تجاهها. وبعد تكاشف الهموم بينهما تصبح قريبة من أمها وتعود للبيت، حيث كانت طوال الوقت في بيت خالتها. ولا تفوّت زيزي الفرصة حين توفرت لها أن تواجه طليقها لتقول له نفس الكلام ويعتذران لبعضهما البعض.

الجميل في الحكاية أن أفراد الأسرة لا يتحرّجون في علاج مشاكلهم النفسية، عبر الطبيب سامي.

في النهاية تبتكر زيزي مشروع (ضربة البداية) لمؤسسة تدعى: Steps للتعليم البديل للأطفال وهو علاج غير تقليدي في تعليم هذه الفئة من خلال ابتكار أربع خطوات جديدة؛ (4 steps for alternative education) وهي تدمج بين الفنون القتالية والدراسة لحل مشكلة عدم التركيز، وفرط الحركة للأطفال الذين يعانون من الـ ADHD.


المخرج كريم الشناوي

روتين العملية:

الخطوة الأولى: (Action) كإعلان عن بدء أي فعل ثم أداء الفنون القتالية

الخطوة الثانية: (Action) ثم (الارتكاز) أي الجلوس على الأرض وأداء تمرين بسيط في اليوغا.

الخطوة الثالثة: (Action) ثم الدرس .. أي حل تمرين مدرسي.

الخطوة الرابعة: (Action)ثم اللعب كمكافأة الطفل... وهكذا دواليك

وبالتالي تنجح زيزي وتحصل على الشهادة المرجوة.

ينجح المخرج كريم الشناوي في إيقاع الأحداث المتلاحقة، التي شدّت انتباه المشاهد منذ الحلقة الأولى في مواقف كوميدية طبيعية، وعفوية، مما زاد من عنصر التشويق والمتعة.

تقول الفنانة أمينة خليل أنها استعدت لأداء الشخصية حيث ثقفت نفسها كثيرا وتعمّقت ملياّ في أعراض اضطراب فرط الحركة والتشتت، وكيف يعمل المخ في ذروة الخوف أو الانفعال، وما ينتج عنه. لقد بدت أكثر من رائعة في أدائها، جسّدت دورا يحتاج إلى مجهود وتركيز كبيرين، كما أن الطفلة ريم أتقنت دور الشقاوة بجدارة، والجميع برعوا في أدوارهم، أما المفارقة الطريفة هنا أن الفنان الموهوب محمد ممدوح قبل العمل في هذا المسلسل قد صحّح مخارج الحروف لديه في رحلة علاج قبل عامين، بعد أن تعرّض لهجوم شديد من الجمهور وبعض النقّاد على مخارج الألفاظ لديه والتي تبدو غير سليمة، وغير مفهومة، كما اعترف هو شخصيا في إحدى المقابلات عن هذه المشكلة التي تخطاها.


الفنانة أمينة خليل

97 عرض