دارا أيها المتعثر عشقا: هل غدوت وطنا؟


يرتحل بنا دارا في أزمنة متعددة وأمكنة متباعدة في بلاد فارس بلغة راقية جزلة وبأسلوب آخاّذ يخطفُ انفاسنا ويُحلق بنا لسموات الابداع اللغوي والسردي معاً.

دارا - ولسانه الطليق في الدين المتعثر في العشق - عاش زمن الخيارات الصعبة والمُربِكة، داعبته الاحلام وراودته النزوات فاختلط عليه النور بالظلام وبدا له الدرب مُغريا وخُيِل اليه انه يرى بصيص ضياء في نهاية ظلماء.

عشنا احداث حياته: طرد الجماعة، إخفاء النار، فقد الأحبة، قوافل التجار وعتمة الكون في ليل الصحراء، خُرافة أحدهم، ومنطق الآخر، طلال بارسا الي حكاية شيراز، لنيسابور ولكل البقاع التي احتضنته حرا، جعلته سجينا، طاردته منبوذا، بجّلته متصوفا ورفعته لمرتبة الاولياء.

بالتوازي عشنا احداث تاريخية مهمة مصاحبة لحياته، أكان شاهدا عليها أم كان جزءا منها بدءا من الغزو المغولي لحواضر فارس، لمذبحة نيسابور، لحصار قلعة ألموت، واحداث مرصد الشيخ الطوسي في مراغة.

يعود دارا للحبر والدواة كلما هجرهما، تنتفي غربته في حضرة الكتب، يسبر أغوارها محاولا تفسير إمكانات التأويل والفهم والتجلي بنفَس صوفي يرى الوحدة في التعدد والتشابه في الاختلاف.

مبهرٌ عندما يتسلح ب (اصغي لصوتك الداخلي الذي لا يسمعه أحدٌ غيرك) ليقود ضياعه في كل مرة الى بصيص أمل، متسامحا مع سلسلة التحولات الفكرية والنفسية التي ما برحت تعصف بحياته.

يتخذ عشقه المتعثر طريقا يتسلل منه لمفهوم جديد للوطن. الوعي لفكرة الوطن المعقدة التي تتجاوز حياة الانسان وتمتد الى مماته، ليُبقي اجابة (العالم الروحي ام المادي هو الموطن الحقيقي) حائرة ما دُمتُ في حضرة سرده. يودع وطنا كان بالأمس غربة مستعدا لغربة ثانية وثالثة متأملا لأن يغدو هو الوطن.

يتناول تعدد الاديان بجمالية وأنسنه لا شبيه لهما. منبع الاديان مهما تعددت المغامرات والالتفافات، ومهما تغيرت اسماء الطوائف وأوصاف الاولياء، يبقى النور هو ما سعى اليه طوال الوقت. يبرهن أن الايمان لا يحيا في الطقوس فقط، لذا يؤلمه بأن لكل ملة مقبرتها فلا الحياة جمعتهم أحياء ولا الموت جمعهم في مقبرة.

إنتمى لكل الطوائف لأنه (لا بد للدين من قلب يحتضنه، مثلما لابد للشرارة من خشب تشب فيه) فكان هو القلب الحاضن للطائفة أيا كانت ومهما تباينت.

يبقينا دارا، المخلوق والمنذور للدين، حيارى نتساءل هل تأهل لتلك المهمة المقدسة (ليكون ممن يغيروا هيئة العالم)؟

(دارا الزَّرادَشتي) للروائي د. عقيل الموسوي، الصادرة عن دار سؤال أخالها "رواية ملحمية" زاوجت بين الرواية وبطلها الرئيس دارا والشخصيات المساندة وبين الاحداث التاريخية المهمة وتطورها في رحلة حياته. عمل أدبي من طراز فريد ولافت.

الروائي الموسوي أبدع بهذا التزاوج الادبي، فلم يدفع ببطله الى الخلفية ليركز على سرد الاحداث وأسبابها وإكمالها وانما وازن بين دارا وفتراته والاحداث التاريخية الآنفة الذكر المصاحبة لحياته غير العادية.

24 عرض