دارا الزرادشتي ورحلة البحث عن نور الطمأنينة (الحلقة الأخيرة)



أماني الطواش

السرد الممكن والمختلف


قبل الدخول في بنية النص وسرديته، أقف بعض الشيء عند الغلاف الذي حمل مشعلاً يضيء طريق القارئ، فهذا الغلاف الذي لا شك حظي بإعجاب لا نظير له من قبل المتلقين، حيث الحوارات التي كانت تدور هنا وهناك تؤكد جمالية الغلاف، وما حمله من لوحة فنية تعبت بل أرهقت الفنانة أماني الطواش في إعدادها بصورة خاصة، والغلاف بصورة عامة، لتكون منسجمة مع مقاصد النص، ولأنني لست متخصصًا في الحديث عن الفن وتشكله وبنائه وطرائقه، إلا أن الإعجاب بالغلاف دفعني إلى القول بأن الوجهين وإن كانا عتبة مهمة جدًا للدخول في فضاء النص الروائي، فهما مفتاحًا لعالم متحرك متغير ومتحوّل، عالم لا يركن إلى الجمود والسكينة، فالوجهان يعطيان علامات المفارقة في النظرة، والتحدي، والبحث، والوصول إلى الهدف، وجهان يوحيان بالتأمل في التاريخ والإنسان والحياة، يسعيان بنا إلى قراءة واقعنا، وواقع الإنسان الماضي وتحوّلاته.

إن اللوحة نص بصري بامتياز، وقراءته نقديًا ليس بالأمر اليسير، وطالما هناك تباين في وجهات النظر النقدية في النصوص المقروءة كتابة؛ لأننا ونحن نقرأ تأخذنا الكلمات التي كوّنت مشهدًا أو حدثًا سرديًا، فإننا في الوقت نفسه نعيش مع النص تخيلاً لهذا الحدث وكأنه أمامنا، ولكن وإن أخذتنا اللوحة الفنية والصورة البصرية إلى العمل نفسه دون تخيل أولى، فإنها لا تعطينا النتيجة الذي نرغب فيها لما يحمله الغلاف من لغز فني وجمالي، لذلك لابد من فك رموز الوجهين لمعرفة ما يبطنان داخلهما، لذلك علينا نحن القراء استنطاق هذين الوجهين اللذين أديا دورًا مهمًا في الرواية، وجهان يأخذان القارئ إلى براءة الحياة وطبيعتها التي يراها الأطفال ومقتبلي الأعمار، ويأخذها الشباب بطرائقه الأسلوبية، وتأخذنا نحن إلى متاهات الحياة ومشاقها، وما تحفره في جسد الإنسان نتيجة العمر والزمن والويلات والمكابدات وغيرها، لذلك أستطيع القول بأن غلاف الرواية أعتبره من أجمل الأغلفة التي صدرت مؤخرًا في البحرين. فشكرًا للفنانة أماني الطواش على هذا الحس الفني، والتقنية العالية في التصميم، والقدرة الفائقة في الربط بين النص والغلاف.



في الوقت الذي تم الاستفادة كثيرًا من الأحداث التاريخية والدينية، فضلاً عن بعض الظواهر البيئية، وظروف المعيشة التي تتقاطع مع الواقع المعيش آنذاك، وخلق الشخصية الورقية من الخيال، فإن هذه الاستفادة أسهمت في اتساع حيز اليوتوبيا من حيث البعد الزماني والمكاني الخيالي الذي أعطى الرواية بوصفها نصًا سرديًا ملامح وحدتها، وقوتها، وأحسب أيضًا صيرورتها في ذهن القارئ، وبخاصة أن الروائي تفنن وأتقن لعبة السرد الذي كان يمزجه بين الواقع والمتخيل، بين الذي كان، وما أوجده عبر الخيال، بين الحدث التاريخي واليومي، بين الإيمان الفطري والإيمان من خلال العقل الذي قلب كل عمليات البناء الذهني تجاه الأحداث لتكون جسدًا متوازنًا بين ما هو كائن في الواقع آنذاك، وبين ما هو متخيل فرضه الكاتب على ذهن المتلقي لإيهامه بحقيقته الواقعية، إذ لم يعط فرصة لمزاولة التأويل تجاه الأمكنة والأزمنة وإخضاعها للتفكير والتفسير، بمعنى آخر أن الرواية قامت على عنصرين مهمين في الكتابة الإبداعية، هما: الواقع من خلال التاريخ، والديانات، وبعض الشخصيات الحقيقية، والمتخيل الذي أتى بدارا وعائلته، وعلامات التحوّل والتغيير في سياق علاقاته بعدد من الشخصيات الحقيقية ذات الواقع المعيش آنذاك، " ومهما كانت العلاقة بين السرد والتاريخ قوية، فهذا لا يعني أن التاريخ سرد، وأن السرد تاريخ، فالعلاقة بينهما ليست تطابق، بقدر هي علاقة تداخل وتبادل وظيفي - جنات بلخن، السرد التاريخي عند بول ريكور، ص79 ".

إن استحضار الديانات الوضعية والسماوية، والإتيان بالتاريخ في الرواية ليس عبثًا أو مجرد حشو وزيادة، أو رغبة في بيان ما يقرأه الكاتب، أو تلك المعلومات التي نثرها على مدار الأحداث وكل الصفحات، وليس من أجل قراءتها والاستمتاع بها، فالديانات والتاريخ عنصران مهمان، وموجودان في العديد من الكتب والمصادر، ويمكن للقارئ الاطلاع بالبحث عنها، ولكن أعتقد أن الهدف أبعد من هذا كثيرًا، أن حضورهما يشير بهما الكاتب إلى أهمية القراءة المتأنية الفاعلة المحفزة للمعرفة بطبيعة ذواتنا وذوات الآخرين على مر التاريخ والعصور، من أجل أهمية الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، لأهمية الحوار العلمي الرصين بين الأديان المختلفة الوضعية والسماوية، وبين الثقافات، وبين الشعوب، وبخاصة ما نعانيه في عصرنا الحاضر من تشرذم وقسوة وانهيارات فكرية وعقائدية وأيديولوجية، أن هذا الاستحضار يطلب منا إعادة بناء جسور تفيض من تحتها مياه المحبة ويسير فوقها التسامح والتعايش، وتقطع دابر الحزبية والعنصرية المقيتة، والتناحر الذي أفقدنا الحلم والأمل والمصير المضيء الذي توّجته الرواية بالنور بين الحين والحين، وكأن الكاتب تعمد في الإتيان بالديانات والتاريخ لأنهما سؤلان مهمان في حياتنا الحاضرة، سؤلان محوريان في مفاصل الحياة الكونية.


بول ريكور

وحين نؤكد على أن الرواية دعت الذات إلى محاورة نفسها والذوات الأخرى، وكذلك العالم الخارجي المتعدد والمختلف، فإنه يعطينا مؤشرات حول تلك التحوّلات والصراعات التي تفرض نفسها على الحياة والعالم في كل العصور والأزمان، لذلك ونحن نعيش عصر التحوّلات هذه التي قد لا نعيها ولا نتوقعها في ظل الثورة المعلوماتية والتحديات الكبرى تجاه الإنسان، لم تعد ذواتنا مركز الاهتمام والتساؤلات، بقدر ما بات هناك العديد من القضايا التي هي بحاجة إلى أن تكون في مركز التساؤلات، من هنا على الذات التي حملت شخصية دارا في الرواية ورحلته المتعبة الباحثة عن النور، هي في عمقها رحلة سؤال الذات حول صراعها مع نفسها، وحول طبيعتها، وعلاقتها المتعددة والمتباينة المتنوعة مع ضرورة الانتباه لكل التحوّلات الفكرية والدينية والثقافية والسياسية التي تعيشها الذات، ومراعاة مزاجها العام والخاص، بل حتى نرجسيتها التي ربما تتغلب على الذات نفسها في مناح كثيرة، لهذا أشار بول ريكور إلى " وجود وسائط تساعد على فهم الذات بشكل أفضل أو على الأقل مقبول - جنات بلخن، السرد التاريخي عند بول ريكور، ص29 ".

ونعني هنا بالذات (الفرد) المتمثل سيكولوجيًا في سياق الإدراك الدال على فردية الإنسان وعلاقته بالموجودات حوله، والتأمل الذاهب إلى الذات نفسها، والتفاعل الاجتماعي المتجه إلى علاقة الفرد بالآخرين في المجتمع، وكيفية التواصل معهم، وهي من أعقد القضايا التي طرحتها الرواية التي كانت تحاول استفزاز القارئ تجاه ليس ذات الشخصية الروائية (دارا) إذ كشفته الأحداث وعرّته لنعرفه تمام المعرفة، ولكن تجاه ذواتنا القابعة في مناطقنا النفسية المغلقة، الرافضة حتى البوح بما تشعر به أو ترغب القفز عليه لدخول عوالم أخرى، وبخاصة أن الرواية اهتمت بثلاثة أنواع من السرود، هي: سرد الذات، وأقصد هنا سرد أحداث الشخصيات، وما حدث لها في مكوّنها الشخصي، وتحوّلاتها المختلفة، وسرد الجماعة، وأعني به الحديث عن جماعة معنية دون الوقوف على شخصية معينة أو فرد معين، كما آتى على سرد جماعة الزرادشتية، والمانوية، والصوفية، والإسماعيلية، وأخيرًا الشيعية، وسرد الأقوام كما جاء الحديث عن الفرس والمغول والعرب، حتى لو كان عن طريق فرد من هذا الشعب أو القوم، ولكن القصد الرئيس هو القوم نفسه، بمعنى الحديث عن المغول، وجيش جنكيزخان، ثم جيش هولاكو، فهو حديث عن المغول أنفسهم وما قاموا به بوصفهم قومًا يتصفون بهذا الوصف أو ذاك.


ويليام جيمس

وكما يعلـم الدارسون للأب وعلم النفس أن العالـم الأمريكي في علم النفس وليـم جيمس، اختـرع ما يسمـى بتيار الوعي بهدف العلاج النفسي، ولكن الأدب استفاد منه كثيرًا حين وظفـه المشتغلون بالأدب تنظيـرًا وتطبيقًا، حتى بات تيار الوعي مصطلحًا وكأنه منحوت من عوالم الأدب، وهو معني: بــ " منطقة الانتباه الذهني التي تبتدئ من منطقـة ما قبل الوعي، وتمر بمستويات الذهن، وتصعد حتى تصل إلى أعلى مستوى في الذهن مشتملة، وهو التفكير الذهني والاتصـال بالآخرين - روبرت همفـوي، تيـار الوعي في الرواية الحديثة؛ ص23 " وأن توظيف تيار الوعي من قبل أي كاتب ومبدع لابد أن يتصف بقدرة وإمكانات تؤهله للرحيل نحو الماضي، وليس بهدف الحديث عن هذه المرحلة، وإنما بهدف كيفية التعامل مع الماضي وأهمية ربطه بالحاضر، حيث النصوص التي تخضع بشكل أو بآخر لمظلة تيار الوعي تفرض على الكاتب التركيز بما هو قبل الكلام، والكتابة التي تكشف عن طبيعة الشخصية النفسية ومستوياتها التي يرسمها الكاتب؛ لأن أدب تيار الوعي أدب سيكولوجي، ولكنه لا يقف على تقلبات الشخصية النفسية وتحوّلاها من أجل سردها، وإنما معرفة هذه الشخصية منذ البدء، ومدى التداخل بين ما يتعلق بالبعد النفسي والمعرفي والعقلي، وهذا ما وجدناه في شخصية دارا بين والحين والآخر، سواء في تعلقه وتواصله مع الشخصيات الروائية، أم بيان ما في جعبته من أفكار وطموحات وتطلعات تجاه الحياة والمكان والمستقبل في إطار البحث عن الخلاص بنتيجة الوصول إلى النور الداخلي الذي يبحث عنه، من هنا سعى النص الذي مثل الكاتب إلى خوض تجربة إبداعية جديدة لم يكن الواقع المعيش محركًا لوحده، أو هو الفكرة المراد طرحها، وإنما ولج مناطق استطاع عبر تبئير دقيق أن يقف عند تلك الفئات القادرة ثقافيًا وعلميًا وأدبيًا على تحريك المجتمع، وتحوّله من حالة إلى حالة، وقد نجح الروائي، وتمكن " على إبراز الجمال من قبح الهامش، وهامش الهامش الخفي بإلقاء الضوء عليه، والحياة المركبـة التي تتحكم فيها قوانين وأخلاق مضادة - محمد معتصم، المتخيل المختلف – دراسات تأويلية في الرواية العربية المعاصرة، ص57 ".

تتشكل حالة الإنسان وطبيعته النفسية والاجتماعية بحسب الموقف الذي يكون فيه، حيث مواقف الفرح تعطي الشخصية ملامـح تختلف عما لو كانت المواقف مؤلمة وحزينة، ويتعدى هذا إلى القول والفعل، وهو ما بينته الرواية على دارا بعد وفاة الأب، " صليت وحيدًا صلاة لا لحن فيها، ولم أخشع بما يكفي، كنت أسمع أصواتًا في داخلي – ص52 "، وهذا اللحن المعني هنا هي الطريقة التي تؤدى بها الطقوس عامة، وحتى في الديانات السماوية هناك طرائق لكل دين بل ربما عند كل طائفة من طوائف الأديان هذه، سواء في الهيئة الجسدية والحركة أم في النطق والصوت والأداء، لذلك فنحن نعلم أن الشخصية الروائية أما أن تكون موضوعًا مسرودًا، أو ذاتًا ساردة، وفي الرواية كان ضمير المتكلم، أي الشخصية الرئيسة (دارا) هي السادرة التي صاغت النص منذ البداية حتى النهاية، وما تلك الشخصيات الأخرى التي لها دور مهم في انحراف الراوي وميله هنا أو هناك معرفيًا وثقافيًا ودينيًا، يبقى اهتمام النص براوٍ واحد، وابتعد عن توظيف تقنية تعدد الرواة.

وبالعودة إلى السطور الأولى من الرواية وأهميتها فإن رولان بارت أشار إلى أهميتها، وأهمية المطلع في الكتابة الروائية، لما له من ضرورة قصوى بوصفه عتبة رئيسة وأساسية بعد العنوان والغلاف والإهداء، فيقول: " اقتلاع المعقول من اللا معقول - رشيد بنجدو، جمالية المابين في الرواية العربية، ص31 "، بمعنى أن المطلع عتبة مرتبطة بالنص ارتباطًا قويًا ومحفز للكاتب والقارئ معًا، حيث أي نص له مطلع يسهم في بنية النص الذي يتعامل مع عالم الأشياء قبل الكتابة، ثم إلى عالم الكلمات التي تشكل النص نفسه، وهذا يعني أن هناك انتقالاً من الواقع المعيش الذي يستمد الكاتب منه مادته، إلى عالم الخيال، فالمطلع يعتبر مدخلاً ذات أهمية بالنسبة للقارئ للوقوف على طبيعته من حيث الطول أو القصر، وحول الكتابة نفسها إن كانت تقريرية أم سردية فنية، وهل هي سرد جاف أم في من الأدبية والشعرية، وهل هذا المطلع مساهم في بنية النص الداخلية؟ ومعرفة إن كان له وقع ودور في طبيعة الأحداث، ومدى توافقه مع الواقع المعيش أو المتخيل.


رولان بارت

ولو رجعنا إلى مطلع الرواية (دارا الزرادشتي)، هو: " لفظت أنفاسي قبل حلول يوم ميلادي بأسبوع واحد، في زنزانة النزع الأخير، يستودع من يراد إعدامه، ربما لطف بي ربي أن سحب النفس مني قبل قيامة السيّاف، قبل نحر عنقي، وفصل رأسي عن بقية جسدي .... ص7 "، لوجدنا أنه مطلع بعيد عن التقريرية، وفعل جاذب للقارئ لمعرفة تفاصيل هذه الشخصية التي تحدثت بعد موتها، وهنا تتبرعم الحالة الإبداعية والتخييلية لدى الكاتب وهو يستفز القارئ نحو الولوج لعالم النص دون انتظار، بل قد يتساءل القارئ تحت أي سياق ستكون عليه الشخصية، هل هو سياق اجتماعي أم سياسي أم ديني أو كل هذا معًا، بالإضافة إلى أن المطلع يسهم في إبراز النص والأحداث فيما بعد بين كينونتها وديمومتها، وهو ما وجدته فعلاً في الرواية، وهكذا يكون " ملفوظ المطلع ذلك المجاز النصي الذي يَعْبُرُ فيه كل من السارد والمسرود له من عالم الواقع إلى عالم التوقع، إي إلى عالم التخييل الروائي - رشيد بنجدو، جمالية المابين في الرواية العربية، ص35 ". من هنا فإن المطلع الذي أتقن الروائي نسجه وبنائه والبدء به فرض على القارئ أن يبذل الجهد المضاعف، وما يتمتع به من معرفة وإدراك وقدرة تأويلية تساعده في تتبع الأحداث ومسيرة الشخصيات من أجل المزيد من التأويل.

وأحسب أن رواية (دارا الزرادشتي) مغامرة روائية، وتحديًا للسائد من الكتابات السردية في البحرين التي لم تقف عن التاريخ والأديان بهذه التفاصيل، وهذه الانزياحات والاسقاطات، التي باتت سمة الرواية في تاريخيتها وواقعيتها التي استطاع الكاتب نفسه إلى حد ما أن يضع مسافة بينه وبين الراوي العليم الحاضر بكل تفاصيل الحكاية وهذه المغامرة التي تشكلت من خلال الترحال والاتصال بالثقافات والأديان الأخرى، وبالمشهد السياسي آنذاك، إلا أن هذا الراوي وكأنه (محايد) الذي كان في العديد من المواقف مجرد طرح أفكار أو استفسار عن أفكار أو استنكار لمواقف لم يكن راضيًا عنها، وهنا السؤال، من هذا المعني؟ هل هو الراوي (دارا) فعلاً أم هو الكاتب المختفي في جلباب الراوي؟ يبقى السؤال مطروحًا بين المتلقين، غير أنني حيث أعتقد جازمًا أن السرد الروائي الذي أقدم عليه الكاتب كان معظمه أداة ثقافية تمارس دورها في بناء هيكل الرواية، وتكوين ملامح الشخصية، وإبراز جمالية الأمكنة في قوالب معرفية وثقافية تمظهرت في بعض الأشكال التي ذكرت هنا أو هناك من أحداث الرواية، مثل: أهمية القراءة، وضرورة تكوين المكتبات التي تعتبر منبعًا تاريخيًا قديمًا يرفد العقل البشري بالعلم والمعرفة والثقافة، وعبر الحوارات الأدبية والدينية والثقافية ذات الأسئلة العميقة القابلة للتأويل والتحليل كلما فككنا رموزها، هذه غالبًا ما يكون وراءها الروائي القادم بعدته المعرفية ليسلمها لشخصيات العمل، أو لإحداها.

على الرغم من هذا الانفجار في الكتابة الروائية عربيًا، وخليجًا بخاصة، نجد أن كتابنا السراد يتفننون باختيارات عناوين أعمالهم السردية، بهدف التشويق والتسويق في آن واحد، وإن كانت هذه مسألة ذوقية وفنية وحرية مكفولة للكاتب، فإن هناك أعمالاً لم يكلف كتابها أنفسهم الغوص في نقد الواقع، ومساءلته ضمن سياقات اجتماعية أو سياسية أو عاطفية، وإنما وقفوا محايدين أو غير واعين للدور المنوط بهم، حيث يقتصر الدور على النبش في المجتمع بما يخص المسكوت عنه، وتكراره في العديد من الأعمال التي باتت وكأنها تمثل عملاً واحدًا، من دون الدخول في حيثيات هذا المسكوت عنه، وتلك الأبعاد المختلفة التي فرضت على المجتمع والأفراد عدم الخوض فيه، بل لا نجد في هذه الأعمال محاورَ يتكئ عليها هؤلاء الكتاب للبحث فيها وتحليلها ونقدها في قالب سردي فني جمالي، وأقول هذا الكلام لأن رواية دارا الزرادشتي جاءت بشكل مختلف، فكل أحداثها تأخذ بعدين رئيسيين، أو مستويين اثنين: المستوى الأول، العادي أو البارز والمكشوف الذي يشير إلى هذه الأحداث وحياة دارا، وتلك الظروف القاسية التي عاشها بحثًا عن النور والرضا والاطمئنان الداخلي، أما المستوى الثاني، وهو الآخذ نحو الرمزية المتوارية بين المفردات والسطور، تلك التي تحتاج إلى تأويل.


الروائي عقيل الموسوي

فمنذ الصفحة الأولى حتى نهاية الرواية، حاول الكاتب عبر الشخصية الرئيسة دارا أن يكشف عن تلك القيم المنادي بها دارا نفسه، ولكن أعتقد هي مبادئ في كل مناحي الحياة، والإيمان بالانتماء لمن يراه المرء صالحًا لحياته دون قيود عليه من الآخرين، بمعنى له حرية الاختيار وتحمل عبئه، كما أشارت الرواية إلى علاقة الإنسان بالآخر، حيث لا يستطيع هذا الإنسان العيش خارج دائرة المجتمع والأفراد، فهو كائن اجتماعي، ولكن نتيجة الأزمات التي يعيشها الإنسان العربي منذ التواجد العثماني، إلى سطوة الاستعمار والانتداب والحماية، إلى التمسك بتلك المقولات الداعية إلى القومية وانكسارها وذوبان الأحلام الوطنية والقومية بعد نكسة 1967، وحتى يومنا هذا، إذ كان ولا يزال الإنسان العربي في نفق مظلم لا يعرف كيف الخروج منه.

هناك إمكانات هائلة وجميلة ورائعة لدى الكاتب في السرد والوصف وبناء الحوار الذي يكشف عن طبيعة الشخصيات ومستوياتها الاجتماعية والثقافية والدينية، وملامح هذه الشخصيات ذات الطابع النفسي والاجتماعي الذي بني وقفًا لما تتمتع به هذه الشخصية أو تلك من قدرات ومعارف، سواء ذات العلاقة بالشخصيات، أم بالأمكنة التي رسمها ونقلها بحرفية متقنة، وجعلنا نأخذ بين الحين والآخر طبيعة هذا المكان أو ذاك، وما يفعله في سيرورة الأفراد عامة، وفي شخصية دارا بشكل خاص، والزمن الذي تعامل معه غبر تقنية الاسترجاع من جهة، والاسقاطات على الواقع المعيش من جهة خرى، وفي طبيعة السرد والوصف عامة، والأمكنة بصورة خاصة، كما جاء الحوار موظفًا توظيفًا متقنًا، وبرز الزمن على نمطين اثنين، الأول زمن كوسمولوجي، أي زمن فيزيائي، وهو المعني بسرد الأحداث في سياق الزمن الأفقي، بين اللحظة والساعة واليوم وهكذا، والثاني يتعلق بالزمن السيكولوجي، أي النفسي المرتبط بما يتصل بالشخصيات وأحداثها، المرتبطة بالماضي وما تعيشه في الحاضر وما ترسمه في المستقبل، وهنا يظهر الزمن العمودي الذي يدخل في معاناة النفس البشرية كما برز ذلك في شخصية دارا، وتقلباتها وتحوّلاتها.


الروائي فريد رمضان

هناك أسئلة أعتبرها أساسية، وهي: لم لم يخلع دارا الزنار طوال مسيرته وتحوّلاته الفكرية والدينية؟ ماذا يعني الاحتفاظ بالدفتر الذي أعطاه إياه والده؟ في الوقت الذي كان معه كتاب نهج البلاغة، لم لم يؤخذ منه، ولم يكشف إن كان عنده الدفتر الذي أعتقد أنه مهم جدًا بالنسبة إلى دارا، وأهم من كتاب نهج البلاغة، لأن الأخير يمكن الحصول عليه، غير أن الدفتر وما دون فيه من تاريخ وأحداث ومواقف ورحلات من الصعب أخذها من مصدر آخر، وبخاصة هي سيرة دارا وحياته والتغيرات التي واكبته، وهي الرواية نفسها، ولكن لم تكشف الرواية ولا أحداثها مصير هذا الدفتر؟! وهنا يأتي سؤال آخر أيضًا، من أين عرفنا كل هذه الأحداث التي سردها الراوي سواء على لسان دارا أو غيره؟ هل هذه الأحداث كلها مدونة في الدفتر؟ هل تم تسريب الدفتر والمدونات التي كتبت فيه إلى آخرين؟ أم هي أحداث دونها دارا في أثناء سجن، وقبل موته؟ أم هو استفزاز من قبل الكاتب تجاه القارئ ليطرح على نفسه مثل هذه الأسئلة التي قد لا تصل بنا إلى إجابات بقدر ما تحفزنا أكثر للمزيد من الحوار والجدال والتباين في فهم كل منا دون الركون إلى قصدية الكاتب؟ تبقى أسئلة تعمّد الكاتب يضعنا فيها من أجل هذا الجمال الذي لن تصل به إلى نهاية، جمال البحث والتقصي وطرح الأسئلة المتعددة بين الحين والآخر كلما قرأت العمل أو جزءًا منه أو حاولت قراءة ما يرتبط بالرواية من تاريخ صوفي أو شخصيات دينية أو ديانات سماوية أو وضعية.

وفي النهاية نقول أن الرواية تميزت بوجود عالم واسع مكتنز الأبعاد التاريخية والدينية والعاطفية، ومهتم بأحوال المجتمعات والأفراد، وهذا الاهتمام هو ضمن مهمة العمل الروائي الذي يقوم الدكتور عقيل الموسوي، وهو المزج بين الإبداع الواعي من قبل صاحب النص، وتلك الخبرة والتجربة التي يصبها، وهي مغلفة بحرارة العاطفة المنشودة، وبالتخييل والتصوير والبناء واللغة، بغية أن يكون هذا النص فضاء يكشف عن ممارسات الإنسان في أي مجتمع تشوبه التناقضات والتحزبات والمصالح، لذلك أعتقد أن الكاتب نجح إلى حد بعيد جدًا في هذا العمل الذي حاور فيه التاريخ والأديان الوضعية والسماوية والتفسيرات المختلفة من قبل المفسرين والمؤولين، وإذا كانت رواية المحيط الإنجليزية للمرحوم فريد رمضان ناقشت وضع المنطقة في سياقها الاجتماعي والتاريخي والهويات المتعددة، فإن رواية دارا الزرادشتي نجحت في مناقشة وضع منطقة خصبة ممتلئة بالتاريخ والديانات، هي بلاد فارس.

165 عرض