دارا الزرادشتي ورحلة البحث عن نور الطمأنينة (٣)



صورة سعدي الشيرازي في أحد المخطوطات القديمة


الرجل في عالم دارا - 3


من خلال متابعة الأحداث ودور الشخصيات فيها، يتضح أن تلك الفلسفة التي رسمها الكاتب لكل شخصية شكلت فلسفة عامة لكل شخصيات الرواية، وترجع كلها إلى منبع واحد، هو الإيمان بالله، فالآشوري مثلاً كان يرى كل شيء من خلال امرأة بصفتها المنبت الأول للخلق والإنسان، فهو يؤمن بالله بالطريقة التي براها هو، وليس تلك التي يراها رجل الدين، فله طريقته الخاصة، وهكذا نجد عند بقية الشخصيات التي انطلقت من مناح مختلفة نحو الدين والإيمان والتمسك بالقيم الإنسانية سواء كان ذلك عند ماني أم زرادشت أم رجال الدين المسلمين فيما بعد، وقد شكلت الشخصيات الذكورية في الرواية علامات فارقة في تربية دارا، ونمو شخصيته الثقافية والدينية المتطلعة دومًا، كما كشفت عن طبيعة هذه الشخصيات، وانتماءاتها السياسية أو الدينية أو ما تحمله من وعي ثقافي، وكل هذا أسهم في تركيب شخصية دارا، الشخصية التي تتقارب وتتقاطع تباينًا وتوافقًا مع بقية الشخصيات، حيث جاءت منحدرة من توجهات معينة، فدارا خرج من رحم البيئة الدينية المحافظة، والشاعر سعدي خرج من بيئة أدبية ثقافية، والعطار حضر في الروية وهو مشبع ببيئة علمية (التطبيب بالأعشاب) ودينية، والشيخ الطوسي جاء من بيئة علمية (الفلك) ودينية شيعية، والمانوي برز وهو مشبع ببيئة ثقافية تميل إلى مبدأ الشك.


د.فهد حسين

أما دارا فمنذ ولادة حتى نهاية أحداث الرواية التي تنتهي بانتهاء دوره في الحياة، لم تستمر علاقاته بالآخرين طويلاً، فكل أحبته يغادرون عنه، أو هو يغادر عنهم، قسرًا أو طوعًا، فقد غادرت أمه إلى الرفيق الأعلى بعد ولادته، وغادرت جماعته الزرادشتية إلى الهند بعد شعورهم باضطهاد المسلمين لهم، وغادره والده بالموت، وغادر عنه الآشوري والمانوي دون معرفة الأسباب، كما غادر البلخي قسرًا وإجبارًا من شيراز، وتتركه مهناز على الرغم من علاقتهما العاطفية، ثم يغادر هو نفسه تاركًا معلمه الشيخ سعدي في شيراز متوجهًا إلى نيسابور، وغادره شيخه النيسابوري العطار تاركًا إياه مفجوعًا بموته شهيدًا، ليصبح في قلعة قائين، ثم يغادر قلعة قائين تاركًا وراءه أبا حسنين، ليكون في قلعة ألموت، ومع السنوات يقفد شيخه الطوسي ليعود إلى حياة لم تستقر معه إلا بسجه مرة أخرى ويحكم عليه بالموت فيقد الحياة بعد عمر وصل إلى ثلاثة وثمانين عامًا، ولكن كيف كانت هذه العلاقات التي نسجها مع الرجال.


العلاقة مع الأب


لقد تربى تربية الأب بسبب فقد الأم، فـ " كانت الابتسامة لا تفارق وجه أبي، وهو يحضّر بنفسه شراب الخلود، عصارة الهوما يستخلصها من النباتات المقدسة ويخلطها بالحليب، ثم ينفخ فيها اسم الإله آلاف المرات – ص12 "، فهو الغذاء الذي يمكن أن يقدمه لابنه في الأيام والأشهر الأولى، كما كان يربيه بالطريقة التي يراها رجل محنك، يتبعه الناس في ملته، لا يعصون له أمرًا، رباه على حب الدين الزرادشتي وتعاليمه، النهل من منبع شرائعه منذ طفولته، " فكان العام نفسه الذي تعلمت فيه الكتابة، أرسم الحروف بحجر الجير على ألواح من خشب خشن، وأغبط أبي الذي يخط الحبر على الورق الناعم في دفاتره، علمني أبي أسرار الطبيعة، متى تثمر الأشجار، أي الأزهار تتفتح في الهار، وأيها في الليل، كيف أميز الغيمة الماطرة من غير الماطرة، علمني طبائع الحيوانات المفيدة، والحشرات المضرة، علمني معالم فارس من صحارٍ، وسهولٍ، وجبال، علمني خرائطها، وطرق قوافلها، علمني أنواع الأنهار، والبحار، والبحيرات، وأسمائها وواقعها – ص20 "(، وإن تكرار ما يقوم به والده من أعمال وأفعال وممارسات تجاه تربية ابنه، لا شك تكون ذا أثر عليه في المستقبل وإن كانت بشكل غير مباشر، حيث علمه كان يعلمه بعض الفنون الأخرى، فقد علّمه العطارة، وفن التداوي بالكلمات المقدسة، وعلّمه كيف هب الفرس المسلمون يحيون إرث فارس، كما علّمه طقوس الهيكل، وصلوات الأعياد الجماعية، وصلوات الحاجة، والاستغاثة، والاستسقاء، وتلاوة الأفستا بألحانه المختارة، وكذلك علّمه قصص فرق مارقة انسلت من ملتنا المانوية والزورانية والمزدكية، وعلّمه عن ملل تحدث عقائدنا بعلوم لاهوتها، اليهودية، النصرانية، الإسلام، وأيضًا علّمه أن زرادشت علّم الفرس أن خلاصهم يعتمد على إرادتهم الحرة، وليس على إرادة الخالق فحسب، فهم معاونوه في فعل الخير، أمر يختلفون فيه مع المسلمين الذين يؤمنون بقضاء الله وقدره - ص: 34، 36، 37.



وفي الوقت الذي كان دارا يشب ويكبر، كان والده يضعف ونهار قواه بسبب المرض، وما حدث للطائفة من اضطهاد وسوء معاملة من قبل بعض المسلمين، إذ حاول الأب إقناع ابنه بالسفر إلى الهند، ليكون كاهن هذه الجماعة التي شدت الرحيل، " روح الجماعة من روح الدين، أرجوك أن ترحل إلى الهند – ص47 "، لكن دارا لم يكن مستعدًا للخروج من المكان الذي تربى فيـه، وفضل بإصرار على عـدم السفر، والبقـاء في يزد بحجـة أن بقاءه فيها يجعله يحمي هيكل النار المقدسة، وقد بيّن والده هذا الخوف، وغير أن هذا التوسل وهذا الإصرار لم يأت بنتيجة، وعلى الرغم من هذا فكان الأب بين الحين والآخر يقدم النصح والإرشاد، وإن كان على فراش المرض، مثل: " انتبه يا دارا، إنه زمن الخيارات الصعبة، والمربكة، وسوف تداعبك أحلام، وتراودك نزوات، فيختلط عليك النور بالظلام، ويبدو لك الدرب مغريًا، ويخيل إليك أنك ترى بصيص ضياء في نهاية ظلماء – ص46 "، كما قال له من كتاب الأفستا بصوت خافت واهن من شدة المرض والضعف: " عش لأجل الرجال، عش لأجل النساء، أيها الابن المولود المجسد في الجسد، نباركك، فكن مقدسًا مثل آهورامازدا الحكيم، كن صالحًا كزرادشت، كن نورًا مثل الشهر، كن حارًا كالنار، كن ساطعًا كالشمس، كن نصيرًا للحقيقة مثل ملاك العدل، كن سلامًا مثل ملاك السلام – ص48 "، وإن كان دارا مطيعًا لأبيه في تلقي هذه التعاليم، فإنه عصاه، ولم يذعن لأمر السفر مع الجماعة إلى الهند، هكذا رفض، وهكذا مات الأب بعد ذلك.


العلاقة مع الإفرنجي ماركو بولو


ماركو بولو

وفي طريقه إلى شيراز التقى بالصدفة عددًا من الرجال في سفرخانة وهم يتبادلون أطراف الحديث تسلية وقتلاً للوقت الذي يرغبون في إنهائه قبل توجههم إلى شيراز، أذ كان أول ما بدأ دارا يستمع إلى أحاديثهم وصلت إلى مسامعه أحاديث غريبة جاءت من رجل أجنبي قادم من دولة غربية، ولكن ما سمعه من الإفرنجي (ماركو بولو) لم يؤمن به معتقدًا أو جازمًا أنه معجون بمغالطات وأكاذيب، لا يتقبلها العقل، وهنا تأخذنا الرواية بأحداثها إلى موضوع التاريخ وتسجيله وكتابته، وهو من الموضوعات الحساسة والمهمة في تاريخ البشرية، وبالأخص أن كتابة التاريخ خاضع إلى الشفاهية والاستماع والنقل في أغلبه، وبعضه يخضع إلى المشاهدة العينية، كما أن مصادر هذا الكلام المدون أو غيره، أما أن يكون عبر الأفراد أو الجماعات، مع الانتباه إلى درجة الثقة أو الشبه تجاه شخصياتهم، وفي النقل والرواية، كما حدث في الثقافة العربية ونقل الشعر، وبروز حماد الرواية وحماد عجرد، ولكن من هو ماركو بولو، هل هو شخصية متخيلة أم هو الرحالة الإيطالي الذي يحمل الاسم نفسه؟


العلاقة مع المانـوي


رسم يظهر جلال الدين الرومي وشمس التبريزي



يلتقي دارا بشاب، رث الثياب، غير مهتم بشخصيته الخارجية، إذ " انفض القوم، ما يزال ذو العمامة البالية يرفع عقيرته بكلام بليغ، لا يصدر إلا عن حكيم، كـان نحيلاً كمريض، عيناه ذابلتـان، واكتست لحيتـه معظـم وجهه – ص63 "، لديه من المنطق والحديث والتحليل الذي يفرض عليه الانصات إليه باهتمام، ثم يكتشف من خلال حديثه وتعقيباتـه التي لا تهدأ أنه يحقـد كثيرًا على الطائفة الزرادشتية، ففي أثناء الحوار بينهما تبين الحقد بالقول: " رسول النور الذي جاء بعد المسيح هو الذي حرر الذهب من الطين، هو الذي خلص الروح الحبيسة في المادة.. من يكون رسول النور؟.. ماني الرسول الناطق بالإنجيل الحي، رسول المؤمنين الحقيقيين، المنقذ، بشارة زرادشت.. لكن موابذة هيكل النار أنكروه، ثم قتلوه - ص64-63 ". وكانت العلاقة التي تناولتها الرواية بين دارا والمانوي تحيلنا إلى تلك العلاقة التي عادة تبرز بين المتناقضات ثم التآلف أو التقارب أو قد يصل إلى الانصهار كما حدث إلى دارا في مسيرة التغيير، أما هنا فهو يشبه إلى حد ما، ما حدث لعلاقة جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، لما يتوافق ذلك من حيث الحوار حول المعتقدات، واهتزاز بعض القناعات والمسلمات، وكيفية النظر حولها، وفيها وما تنتج عنها. وإذا استطاع شمس الدين أن يدخل في عقل جلال الدين التفكير والتأويل والتأملات عبر الأسئلة المحيرة، فقد نجح المانوي في تحقيق هذا الجانب عند دارا الزرادشتي.

ولكن ما هي الديانة المانوية؟ إن المانوية تأسست من قبل رجل يدعى ماني، ولد بالقرب من بغداد في عام 214 ميلادية من عائلة ذات صلة بالعائلية المالكية الفارسية، ويشير زبن النديم في الفهرست أن ماني نشأ داخل طائفة الإلكاسيت، وهي طائفة معمودية مسيحية ذات ميول غنوصية، وهذا المصطلح يعني المعرفة أو العرفان القاضي بالاهتمام تجاه تلك التأملات الدينية، وتعتمد على عقيدة الفداء، كما تعمل على تحرير الروح من سلطة الجسد، ويروى أن ماني احتج على ما تربى عليه، وفي حوالي 240 ميلادية بدأ ينشر تعاليمه الخاصة، وأصبح مشهورًا بشقائه الروحي، واعتبره أتباعه يسوع الجديد، وأن زرادشت وبوذا ويسوع المسيح كانوا قد بشروا بقدومه – انظر: الإرهاب والتنوير – تاريخ عمره ثلاثة آلاف عام، ص142 – 147، " وقد ترك ماني الرسول والمصلح الزرادشتي تأثيرًا كبيرًا في الساحة الشرقية الدينية، فانتشرت المانوية في الإمبراطورية اليونانية، وبلاد العرب، والهند، والصين، حيث كانت مصدر تأثير في عدد من الشخصيات، كالقديس أوغسطين مؤسس الكهنوت المسيحي، الذي كان ومانويًا قبل اعتناقه المسيحية، وكذلك سليمان الفارسي، وورقة بن نوفل، وابن المقفع... - دخيل عبدالرحمن، أفستا – الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، ص42 ".


العلاقة مع الآشـوري


عرف دارا الرجل الآشوي في سفرته إلى شيراز، " يسير معنا في القافلة رجل فارع، يدعونه الآشوري، اعترف ذات نار أنه من شيراز، كان جامحًا، شعره طويل، ومجعد على نحو جميل، قسماته تشبه جسارة الفرسان الخالدين المنحوتين على جدران بارسا، كل شيء فيه يعبر عن الصلابة – ص89 "، وهذا ما يفرض على الآخر أن يحاوره ويجالسه ويتبادل معه أطراف الحديث، وهذا ما حدث لهما، فصارا صاحبين لمدة من الزمن، يعملان معًا، ويسهران معًا، وقد عرف دارا أن الاشوري ليس مسلمًا، بل مسيحي، وإن لم يرضوا عنه قومه المسيحيون حتى لو حج أورشليم، وهذا يعنى أنه غير راض عنه، ولا عن سلوكه، وكأنه مطرود من الكنسية، أما إيمانه الحقيقي فمنطلق من المرأة، " أما شريعته ففي دين المرأة التي يعشق – ص97 "، لكن اعتناق دارا الدين الإسلامي جعله ينفر من أفكار الآشوري، ومعتقداته عامة، وما يخص المرأة تحديدًا، ولم يستطع التخلص من الآشوري إلا بعد رحيله الأخير، والمعالجة بالصلاة والصيام، ويؤكد ذلك بقوله: " قاومت أفكار الآشوري، رفضت أن تهزم المرأة رجولتي، لعنت إبليس، لعنت الشيطان الرجيم، لعنت أهريمان، لعنت الروح الشريرة، لعنت جميع الأبالسة والعفاريت، وباشرت الجوع مصممًا أن ألقن نفسي درسًا – ص155 ".


العلاقة مع الشيخ سعـدي


بدأت علاقة دارا الزرادشتي بالشيخ سعدي عن طريق مهناز والمكتبة، فبعد أن عرض عدة زيارات كان يقوم بها دارا لبيت مهناز، باعتباره عتالاً، دارات بعض الحوارات والنظرات التي أوحت برغبته في رؤية مكتبة خالها الشيخ سعدي الشاعر الفارسي الذي له تلك المكانة الثقافية والدينية والأدبية عامة والشعرية بصفـة خاصة، إذ فضلت أن يمهل الوقت حتى حضور خالها من سفرته، ويطلب الإذن منه، وقد جاءت هذه الرغبة الملحة بعد ما رأى ما يسره من كتب: " رأيت خزينة مترعة بالكتب في إحدى الغرف، طلبت أن أنظر فيها، وأخبرتني منهاز أنه يجب أن انتظر خالها، صاحب البيت – ص125 "، وحين حان موعد اللقاء جال دارا بمتخيله الواسع في وصف شخصية الشيخ سعدي الظاهرة، قائلاً: " جلست أمامه متربعًا كما كنت أفعل في حضرة أبي – ص126 "، ولكن من هو الشيخ سعدي الذي قيل عنه لا يفرق بين بني البشر، " إنه شاعر وحكيم مرهف، عشق الورود، أدرك نبض القلوب، وسمع أنين الروح، لم يفرق بين البشر لعقيدة، أو مذهب، وكتب لكل الناس – ص125"، ومع كل الصفات النعوت العلمية والأدبية والدينية، فهو شاعر فارسي شيرازي متصوف، ولد في العام 1210 ميلادية ويقال 1219، وقد تميزت نصوصه الشعرية بالجزالة والقيم الأخلاقية والإنسانية، ويعتبر من أشهر شعراء الفرس واشتهر ليس في بلاده، وإنما في العديد من البلدان العربية والأجنبية التي لا تنطق باللغة الفارسية، وكان ذات يوم كان درويشًا جولاً، وأسره الفرنجة، وأجبروه على حفر الخنادق حتى أطلقوا سراحه نظير فدية من المال، وقد استطاع على مدار حياته تجواله وتصوفه أن يبني علاقات واسعة ومتينة مع الصوفيين ورجال الأدب والمعرفة، إذ كانت " له علاقة وطيدة بالشيخ شهاب الدين السهروردي، وبنجم الدين كبرى - إدريس شاه، الصوفيون، ص193 ".



ومنذ أول لقاء جمعهما كان طلب دارا الحصول على ملحمة الشاهنامه للفردوسي الذي يحفظها الشيخ سعدي، ومنذ اللقاء الأول، والمسامرة بينهما، بدأت العلاقة تنمو وتتطور، علاقة بين الأستاذ وتلميذه، فقد حدثه عن بعض من حياته، " حكى لي حياة قضاها في مطالب الدنيا، طلب العلم في بغداد، طلب المعرفة في السفر، طلب الصداقة في بلاط السلاطين، طلب الحكمة في مجالس الدراويش، والجمال طلبه في حدائق الورود – ص127 "، وكلما التقى دارا بالشيخ سعدي زاد حبه إليه، وإلى مهناز، وإلى الشاهنامه، وبين الحين والآخر يتذكر ما يقوله أستاذه الذي علمته الحياة وقسوتها، مثل: " سر السعادة في الحياة هو أن يبقى المرء مخلصًا لكل شيء، لحبه، ولماضيه ولدينه، ولجماعته – ص127 "، وهنا تنبري علامات التأنيب ويعلوه الخجل؛ لأنه لم يفصح لمن يحبها بدينه، لكن العلاقة بينهما الشيخ والتلميذ لم تقف عند الفردوسي، وإنما انتقلت إلى مشارب أخرى، ومناح مختلفة في الثقافة والأدب والناس والمكان والدين وغير ذلك، بل علمه اللغة العربية، وفنونها باعتبارها لغة العصر آنذاك، فكان " كان يغريني إذا ما قرأتها فإنه يمكنني أن أقرأ فلاسفة العالم، أرسطو وأفلاطون – ص128"، هكذا مضى مع الشيخ سعدي فترة من الزمن.

ولأن دارا يبحث عن النور دائمًا، لأن هذا النور هو الذي يطمئنه بوجوده، وإيمانه والتمسك بمعتقداته، لهذا كان الحوار بينهما يخرج من باب ويدخل من باب آخر عبر مشكاة الأسئلة الكثيرة التي تخالج دارا حين يختلي بنفسه، وبين ظلمة الليل، وها هو حوار دار عن النور، " النور هو أحد أسماء آهورامازدا المقدسة الاثني والسبعين.. ابتسم الشيخ سعدي وعلْق: لله تسعة وتسعين اسمًا، والنور من أسمائه الحسنى، وتلا: (الله نور السماوات والأرض) و(وأشرقت الأرض بنور ربها) – ص129 ".

وهنا الشيخ سعدي لم يقل هذا اعتباطًا، بل يهدف من ورائه تحفيز دارا على طرح أسئلته، وكيفية الحصول إلى إجابات حول الدين والمعتقد والإيمان والنور الذي يبحث عنه، وكأن سعدي يرسم خطة لإسلام دارا بحب ورغبة وإيمان، وليس بجبر أو ضغط أو فرض، كما بيّن له أن نور الله لم يأت من خلال الدين الإسلامي، وإنما في اليهودية والمسيحية أيضًا، وتلا عليه قائلاً: " أرسل الله الكتب من نوره، فقال لليهود: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور)، وقال للنصارى: (وأتيناه الإنجيل فيه هدى ونور)، وللمسلمين قال: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) – ص130 "، الأمر الذي جعل دارا يعجز عن التفكير، فكلما سمع دارا من الشيخ سعدي وهو يؤكد على وجود النور ومنطلقاته، ظل سجينًا محصورًا بين ما تؤكده شرائع الطائفة الزرادشتية، وبين ما تؤكده تشريعات الدين الإسلامي، وقد استمر وقتًا يتدارس الموضوع مع نفسه كلما حوصر بهذه الأسئلة العقلية والعلمية، وها هو يقول: " في الليل لي شأن، وبعد الفجر لي شأن آخر، أفكر في نور الإسلام، وأقارنه بالنور الزرادشتي – ص131 ".

وفي أثناء علاقة دارا بالشيخ سعدي تعرف أيضًا على الشيخ مرادي، ولكن لم يستمر معه إلا أيامًا معدودة، ثم أخذه الشيخ سعدي إلى الشيخ البلخي الذي يقوم بتعليم الدين والتفسير والسير في الجامع العتيق، ومنه بات دارا شافعيًا من جهة، واعتقد أنه معتزلي من جهة أخرى. وحين فكر دارا السفر إلى نيسابور جاءه الشيخ سعدي قبل الرحيل، وأهداه نسخة من القرآن الكريم ليكون مؤنسه في وحشته، وظلمة المكان، وقسوة الطريق، وها هو يريح نفسه كلما قرأ فيه، فيقول: " أحب أن أقرأ في المصحف الذي أهداني إياه الشيخ سعدي – ص139 ".


العلاقة مع حسـن الصوفـي


وفي سياق التفكيـر في ما هو فيـه من تغير فكـري ونهـج ديني، دخل عالـمًا آخر بالتواصل مع الجماعـة المؤمنة بطريقة الشيخ كازروني صاحب الضريـح حينما طلبت امرأة طاعنة في السن أن يأخذها إلى بابه، وفي هـذا المكان تعرف دارا على عالم التصوف، وعل رجاله والدراويش والفقـراء والمريدين، وطرائقهم في العبادة، والخانقاه الذي يستقر فيه المريدون والمتصوفة من الدراويش والفقراء، كما تعرف على أحد المريدين، وهو (حسن) وعرف دارا أن " طريق الصوفي صراع مستمر إزاء نفسه الدنيئة، وغرائز جسده؛ لأنها سبب الآثام والذنوب، والعادات الذميمة – ص154 "، وبمرور الوقت بدأ يتردد على حلقات الذكر، ويجلس معهم ينهل من طريقتهم، وأساليب تصرفهم وأحوالهم، وبعض معتقدات الطريقة كالبقع السوداء والحمراء، والخلاف بين الفقهاء حول هذه الفرقة، حتى آمن بطريقتهم التي شجعه عليها الشيخ سعدي من خلال حواره معه، وبيان ذلك بالدلائل العقلية، فـ" شرح له بنبرة متفائلة أن التصوف ليس مذهبًا جديدًا، أنه الإسلام نفسه لما غدا حضنًا رحيمًا، لما أصبح دين محبة، لما أقام علاقة حميمة مع الله، وتفانى في حب الرسول – ص145 "، وعلى الرغم أن دارا يعي تمامًا أن عالم التصوف ليس طريقًا معبدًا بالورد والرياحين والسندس، وإنما يتطلب تضحيات ومجاهدات قد تستغرق العمر كله، لكنه دخله، وبات يحضر الحلقات الذي يكون فيها السيـد قطبًا والدراويش يدورن من حولـه مهللين بذكـر الله، قائلاً: " مع حسـن دخلت عالم التصـوف، ووعيـت الاختلاف الذي حدثنـي عنه الشيخ سعدي بين الجامع والخانقـاه – ص159 "، ومع المؤيدين لهذه الفرقة من المسلمين، هناك من ينكرها، وبخاصة حينما تصل إلى المزج بين الذات الإنسانية والذات الإلهية كما حدث إلى الحلاج، وتكفيره ومحاكمته وإعدامه.


العلاقة مع العطار فريد الدين النيسابوري


وبعد مسيرة ثقافية تكوّنت بين دارا والشيخ سعدي في شيراز، ها هو يبحث عن شخصية صوفية أخرى بعد أن قرأ كتابها المعنون بـ (منطق الطير)، التي تتمتع بصفات كان يبحث عنها باستمرار، هذه الشخصية تمثل أحد كبار المتصوفة، وهو العطار الذي يلقبه الناس في نيسابور بالخواجة، أي فريد الدين العطار النيسابوري، إذ يشير كتابه منطق الطير الذي حققه بديع محمد جمعة إلى أن اسمه محمد، وكنيته (فريد الدين)، أما أبوه فهو إبراهيم، وكنيته (أبو بكر)، وعرف بالعطار، لأنه كان يعمل بالعطارة والطب، ويقال أن العطار قد ورث العطارة عن أبيه الذي اكتسب منها ثروة طائلة حتى قيل إنه أصبح مالكًا لجميع حوانيت العطارة في نيسابور، الذي يراه دارا من خلال معرفته بالصوفية والمتصوفين وكتبهم، بأنه " مخزن الحكايات الصوفية المفعمة بالحياة – ص201 "، ولكن كعادته حينما يصل دارا إلى مكان ما أو يحل فيه يصف ما يراه بدقة متناهية بغية بناء علاقة بين هذا المكان وبينه فيما بعد حتى لا يشعر بغربة أو جفاء أو ما يعكر صفو بقائه، لذلك بدأ بعد ما سأل عنه ووصل إلى دكانه أخذ في وصف الدكان ما فيه من نباتات وعلاجات عشبية وبعض الأطعمة التي يستخدمها العطار لعلاج المرضى، ثم توجه إلى وصف حالة الخواجة العطار، فقال: " كان الخواجة عجوزًا، نحيفًا، تقوس ظهره من تعاقب زمن فاق القرن، يلبس قلنسوة مدببة من صوف، ملفوفة بقماش أخضر، لحيته ناصعة البياض أطلقها منذ زمن غابر، حاجباه متلاصقان، وأنفه معقوف كما ينبغي لفارس أصيل – ص202 ".


الروائي عقيل الموسوي

ومنذ الوهلة الأولى بدأت العلاقة بينهما عبر أسئلة وأجوبة دارت بينهما، فسأل العطار