دارا الزرادشتي ورحلة البحث عن نور الطمأنينة (٤)



عالم المرأة والفقد - 4


لم يعط الكاتب المرأة دورًا بارزًا في الأحداث كلها، ولكن أحسب أنه كان متعمدًا في ذلك، وقاصدًا، وذلك لعدة أسباب، منها على سبيل المثال: أن شخصيات الرواية كلها ذات علاقة بالحرب والموت والقتل، وحضورها هنا مجرد تكملة لطبيعة الحياة، كما أن الشخصيات ذات علاقة بالدين والتباينات والاختلافات سواء إن كان في الديانات الوضعية أم السماوية، وأراد الكاتب كما تصورت من الأحداث النيء بالمرأة عن هذه التباينات التي لم تكشف المصادر بقوة وبشكل جلي حضور المرأة ودورها في هذا المضمار، وهناك سبب آخر ربما يكون أقل درجة، وهو حالة الترحال والسفر، وما يتطلبه من خشونة وقسوة، وقهر للمكان والتضاريس، والحياة المتصفة بشظف العيش، وما يعانيه المسافر من تعب وشقاء ومحن ومصير مجهول، لذلك كل امرأة ظهرت في النص لم تستمر طويلا مع الأحداث، بل يسعى الكاتب إلى إنهاء دورها سريعًا، وبشكل مؤلم وحزين، وكما أشرت إلى أن للمرأة دورًا في تغيير الأحداث، وفي مفاصلها، وبخاصة بعد انتهاء دورها، فمنذ وفاة الأم " أشعل أبي قنديلاً، كان ينبغي أن يستمر في البيت لأربعين يومًا، إلى أن تنتهي أمي من عزلتها، وتباشر حياتها، لكن أمي انطفأت قبل أن يُطفأ القنديل.. – ص12 "، فظهرت في حياته بعد الأم التي لم يتربَ بين أحضانها، بعض النساء، هن: فتاة الحانة التي أطلق عليها اسم (الغندورة)، والفتاة التي أحبها مهناز، وفضة التي تزوحها.


د.فهد حسين

دارا في عالم الغندورة (فتـاة الحانـة)


لم تكن المرأة في بداية ذات أهمية في حياة دارا، بل وبخاصة أنه فاقد حنان المرأة (الأم) منذ كان طفلاً بعد وفاة أمه، وظل في رعاية الذكورة المتمسك بالتعاليم الدينية التي لا ترى في المرأة ضرورة، وبخاصة أن والده بقي دون زواج أو من دون فتح مجال لامرأة في حياته حتى وفاته، لكن علاقة دارا بالآشوري غيرت حالته تجاه المرأة، إذ بدأت تظهر على سطح أحداث الرواية بعد ما يقارب (95) صفحة، وهذا الظهور يشكل عتبة مهمة في حياة دارا وتحوّلها، والنظرة إليها، وإذا كان دارا يرى – بحكم تربيته الدينية الصارمة والمحافظة – أن الذهاب إلى المرأة، وتحديدًا في الليل، وفي مكان تواجدها، وهي تمارس دورها من أجل شهوات الرجال الحسية والجسدية، فهذا يعني الذهاب إلى الشياطين، إلا أن الآشوري، وما يملكه من قدرة على الإقناع، والأسلوب الذي يستخدمه، استطاع أن يزيل عن دارا هذا المفهوم؛ فـ " كم يحيرني هذا الآشوري، في النهار عتّال فقير، في الليل هو خمّار عربيد، وحين ينطق هو عارف بالأديان – ص105 "، أي أن الآشوري يرى عكس ما يرى دارا تمامًا، فالمرأة بالنسبة إليه هي الأصل في الحياة، وما قيل عنها في الكتب فهو خرق لشخصيتها، وإهانة لكرامتها، وطعن في تكوينها، ويرى أن المرأة تسعى إلى إبعاد الألم والحزن والكآبة والشقاء الذي يكابده الرجل نهارًا، وتستبدله بالسعادة والفرح والراحة ليلاً، ومن هرطقات الآشوري التي يراها دارا قوله: " من تجمعه المرأة على الحب سوف تباركه السماء – ص103 "، ومع الوقت استطاع الآشوري إقناع دارا باحتساء الخمرة، والنوم مع النساء، إذ " ذهبت معه إلى حانة تقع وسط بساتين العنب في نواحي الجنوب، حديقة يديرها (سمعان).. جلسنا، ووضعت أمامنا لوبياء مسلوقة في أطباق نحاسية، ثم حضر نبيذ شيراز في الأقداح.. سرعان ما أمسى نشوة في رؤوسنا.. انتصف الليل وهبط من غرفة علوية طابور من النساء قليلات الحياء يتغنجن بلكنة شيراز الدليعة.. ولما رأيت ذلك فارت الشهوة في جسدي، وتخيلت ما سأؤول إليه في الفراش.. اندست بقربي فتاة يافعة في مثل عمري.. اقتربت مني، لامس فخدها فخدي فاقشعر جسدي، همست في أذني بنبرة عابثة: هل يمكن لعندور جميل مثلك ألا تكون له عشيقة في السر؟ رفعت يد فتاتي.. وسميتها الغندورة، ووجدتني أتبعها إلى الغرفة العلوية... ص110 "، وبهذا تعتبر الغندورة هي أول امرأة في حياة دارا التي استطاعت أن تجعل جسده شبقًا يبحث عن لذته عندها، ومع ذلك لايزال دارا يفكر في تلك الأسباب التي تجعل مثل هؤلاء الفنيات يقدمن أجسادهن للرجال، الأمر الذي فرض عليه أن يدخل في حوار مع الغندورة، ووصل إلى قناعة بأن ليس كل النساء اللائي يقدمن أجسادهن بغايا بإرادتهن، وإنما هناك أسباب متنوعة ومختلفة تقف وراء هذه النساء، فمنهن دخلن إلى هذا العالم بسبب ظروف قاسية وقعن فيها، وبعضهن نتيجة اختطاف، وأخريات بسبب الفقر والجوع، وأخريات بسبب اليتم وفقد الأحبة والأهل، وبعضهن بسبب قسوة الحياة في مكانها الذي لا يرحم الإنسان، فيهاجرن إلى مكان ربما يكون الأفضل، ولكن المفاجأة تكون قاسية، لذلك كانت الفتاة التي نام معها لا تبتعد ظروفها عن ذلك – انظر: ص112-111، ولكن بعد مدة ودارا ينسج علاقته مع الغندورة، عرف أنه فقد براءة روحه وجسده، وبات كل ليلة يخرج إلى الحانة، " أدمنت السهر والنبيذ، أصعد إلى الغرفة العلوية، أتعثر على العتبات بذنوبي، وأسقط في أحضان الغندورة – ص112 "، وبرحيل الآشوري المفاجئ، استطاع دارا إعادة توازنه ومراجعة سلوكه غير السوي، حتى نسي الحانة، وهجر الغندورة، " رحل الآشوري فصحوت من حلمي الآثم، فهجرت الحانة والغندورة والسكارى – ص121 ".


دارا بين أحضان الحب (مهنـاز)


وفي أثناء عمله في نقل البضائع إلى البيوت في شيراز، دخل أحد البيوت فبرزت له فتاة استطاعت أن تنفد إلى قلبه سريعًا، " فتاة تربي ببغاء، بثت لي أعجابًا مكبوتًا، تقف بباب غرفتها، تمسك بصيرها الأليف، تستقوي به على ربكتها، تنظر في عيني تبحث عن وعد ما، ولم أكن غرًا لا باع لي مع النساء، ومع ذلك ملت لها مثل طير يقترب من فخ دون أن يشعر - ص123-122 "، ولعدم قدرة الاثنين على البوح بالمشاعر، أو تلك العاطفة البريئة، فقد كان الطير الوسيط في إرسال النظرات وبعض الكلمات، والتعبيرات العاطفية، وكما يقول دارا: " لساني في الدين طليق، وعند باب العشق يتعثر – ص124"، فهو لم يكمل العشرين بعد حين كانت له علاقته بالغندورة والحانة، ولكن مع مهناز فقد وصل إلى هذا السن، لكن الخجل والتباين في طبيعة المعتقد الديني ربما كانا سببًا في عدم قدرته على المصارحة، وعلى الرغم أنه يعي تمامًا ما أشار إليه بالقول: " مع الغندورة انتفضت رجولتي، وفي حضرة مهناز تنتفض روحي – ص124 "، وحينما " تجرأت مهناز، ووضعت لي رسالة في سلتي – ص122"، حاول الاعتراف لها بما كان يفعله مع النساء في الحانة، تلك المعرفة التي صدمت مهناز، وأصيبت بطعنة في كرامتها، وفكرت مليًا في كيفية إنهاء العلاقة بينهما، وهو ما عرفه بعد ذلك من خلال نظرة خالها الشيخ سعدي. لتنتهي علاقة أخرى سريعًا مع المرأة، لتبدأ بعد ذلك علاقة مختلفة بامرأة أخرى بعد عدة سنوات.


الروائي عقيل الموسوي

زواج دارا بفضة (الزهرة)


في الوقت الذي كان دارا متعطشًا للبحث والقراءة والغوص مليًا في المذهب الشيعي، فإن للعاطفة مساحة في حياته، وإن كان يخفيها ويطمسها بعد ابتعاد مهناز عنه في شيراز، إلا أن بيت الشيخ الطوسي فتح لهذه العاطفة بابًا آخر يمكن له التنفس من خلاله، حيث وجد ضمن الجواري فتاة اسمها (فضة) استطاعـت أن تشغل تفكيره، وسهده، فبعد ما تعرف إليها بدأت حياته في تغيير وتحوّل عاطفي آخر، وباتت تشغل تفكيره أينما ذهب أو حل، وفي كل الأوقات، ويقول: " أجلس لوحدي منذ قابلت فضة، أتمادى في التفكيـر فيها، ولا رغبـة لي في القـراءة، تظهر في خيالي فتنخطـف أنفاسي، وأبتسم ببلاهـة، أما في حضورها فأتلعثم، وأجـد نفسي تافهًـا، ولا أثـق بذكائي – ص331 ". ولكن من هي فضة هذه التي قلبت أحول دارا؟ إنها جارية أعجمية ولدت في القصر العباسي من جارية أعجمية أخرى.

عاش دارا وقتًا وهو متناقض التفكير فيما يتعامل مع فضة أو كيف يبني الحب معها، وبخاصة حينما تتأجج غرائزه وشهواته الحسية، تلك التي تجعله أما أن يهيم بحبه تجاهه حسيًا وجسديًا، أو يتراجع فيكون الإيمان والتقوى دليله إلى الحب، كما أن إيمانه يقوده إلى قناعة مؤداها أن حبه إلى فضة ينمو ويتصف بالبراءة والصدق، وأن الرجل لا يستغني عن حضور المرأة في حياته، " لا تكتمل حقيقتك كرجل من دون امرأة - 334 "، هكذا بني الجسر بينهما، وبدأت علاقتهما تتأجج بين الحين والآخر، بل قادهما الحب ليكونا على سطح البيت يتحدثان دون رقيب أو متطفل، وفي هذا المكان دارت بينهما الأحاديث والنظرات والاشتياق، وبيّن دارا لفضة معنى الحب، وآلهته عند الشعوب وأساطيرها، فــ " آناهيدا الفرس، وعشتار بابل، وأفورديت الإغريق، وفينوس الرومان، والعزى عند العرب – ص336 "، كما تحدثا عن النجوم، وعلم شيخه الطوسي في الفلك والحساب، وحين صوب دارا عينه جهة نجمة الصباح صاح قائلاً: " الزهرة، هذا اسمك الجديد، كوكب الحسن والجمال – ص336 "، هكذا حوّل دارا اسم حبيبته من فضة إلى الزهرة.

أما بعد معرفة أهل بيت الشيخ الطوسي بهذه العلاقة عاتبه شيخه، مشيرًا إليه بألا يضحي بسمعته كرجل تقي، لذلك دخل دارا بعد عدة أيام على الشيخ الطوسي ليؤكد له حبه لفضة ورغبته في الزواج منها، ولكن خضم انشغال الشيخ الطوسي، وعتابه لدارا، فإنه أكد إليه بعد عدة أيام بأن " الحياة شقاء كلها، وأشقى البشر من عاش بلا امرأة – ص344 "، ومن هذا المنطلق فهم دارا موافقة شيخه على الزواج، الذي تم بعد أن أعتق الجارية وحررها من عبوديتها، حتى يتمكن دارا من عقد قرانه عليها، وهو ما حدث بالفعل، " ها قد أتت خلوة مع امرأة ليست محرمة، جلست الزهرة على السرير مبتسمة، وتعانقنا، تفوح منا رائحة عطر والورد والحناء – ص348 ".

وبعد عام من الزواج بدأت ملامح الرضا بالواقع الذي لم يعطهما الذرية، إذ رضيا بذلك، ولكن محاولات الزهرة في البحث عن علاجات عشبية لم يفقدها الأمل، فبعد ثلاث سنوات من الزواج ظهرت علامات الحمل، ومع اكتمال مدة الحمل " وضعت الزهرة صبيًا، سميته شمس الدين – ص352 "، لكن للأسف حياته لم تستقر على الفرح والاطمئنان، فكما توفيت والدته وهو في الأيام الأولى، توفيت زوجته فضة بعد الزلزال الذي ضرب المدينة، حيث أخذ دارا يربي ابنه ويرعاه بمفرده دون أن يفكر في الزواج حتى شب الابن وأصبح قادرًا على تحمل مشاق الحياة، ثم هاجر ليبحث عن حياته الخاصة، الحياة التي جمعته بالرومي فيما بعد. فبعد أن أرسله والده إلى شيراز يجمع المال والمساعدات من أجل رصدخانه والمكتبة، عاد متأخرًا ليطلب الإذن بالسفر لملاقاة جلال الدين الرومي، تلك العلاقة التي رصدها التاريخ وكونتها السرديات العربية وغير العربية، سرديات العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي.



دارا في حضرة الموت


كما نعلم أن لكل ديانة سماوية كانت أم وضعية، أو حتى طائفة من الطوائف لها طقوسها الخاصة في ممارسة حياتها اليومية، وفي المناسبات المختلفة بين الأفراح والاتراح، ومن ضمن هذه الطقوس، التعامل مع الموتى، فهناك من يدفن موتاهم كما في الديانات السماوية، وتعاليمها منذ الخلق وقصة قابيل وهابيل الدليل القاطع على ما نقوم به، وحتى قيام الساعة، وهناك من يحرق أجساد الموتى كما في الديانات الوضعية كالبوذية والهندوسية، وهناك من يجعل مع الموتى بعض التركة والحلي وغيرها كما في الحضارة الفرعونية، وكل هذا ناتج من فكرة أساسية، وهي: الخلود وأن الأرواح لا تموت، وإنما تذهب إلى بارئها كما هو في الديانات السماوية، أو أنها تخلد منتقلة إلى جسد آخر كما في الديانة الهندوسية والبوذية، بمعنى آخر الاهتمام بالتخلص من الجسد حتى لا يتعفن بعد خروج الروح منه، وفي الرواية يوضح دارا الزرادشتي ما ينتظر أباه بعد موته، وهو الحساب، فقال: " مرت ليلة الحداد الثالثة كالدهر، إنها الليلة المرتقبة، حضرت في ذهني أحداث الحياة الآخرة التي يحياها أبي في فجره الرابـع، روحه الآن تحلق عنـد الورود، تستقبل نسمات عطرة، إنه الآن يعبر جسر الحساب في بهاء الكهنة، تحفه الملائكة على صراط صار له عريضًا كما ينبغي لرجل صالح – ص53 ".

وتبين الرواية أن الأموات ربما بعد تغسيلهـم وتكفينهم يتركون في العراء طعامًا للطيور والحيوانات، هكـذا فعل دارا بجسد أبيه بعد موته، " ميّلت رأسه ناحية الشرق ليواجه الشمس، قبلت جبهته المعفرة بالبخور، تركته على أكفانه متلحفًا نور السماوات، لتنقض عليه الكواسـر، لتحـرم الشياطيـن أن تحتلـه – ص51 "، و" هذه جنازة (كردير) العالم المبجل، الطبيب مفسر الأحـلام البارع، الذي لو دخـل دين العرب لحسبت يزد أعماله من كرامات الأوليـاء، وجمعت دفاتـره في مصنفات، إلا أن الزرادشتي ليس عزيزًا في هـذه البلدة، وهـا هو الدستور يمضي إلى برج الصمت، إلى سكونه الأبدي، بلا أدنى ضجة عدا نباح كلبه – ص50 "، بمعنى آخر يبقى الجثمان في الديانة الزرادشتية في العراء بمكـان معين لمدة ثلاثين يومًـا، " انقضـت ثلاثون يوم حـداد، المدة التي حددتها شريعتنا للحداد على الصالحين – ص54 "، وفي هذه المدة تحضر الطيور والغربان والحيوانات لتنهش الجسد، وبعد انقضـاء هذه المـدة تحضر الأهـل لجمع ما تبقـى من الجسد، ووضعه في تابوت، ويؤخـذ لمكـان ما، " جمعت على عجل جمجمة أبي، وعظامه، وأطرافه، وضعتها في التابوت الذي صنعته بنفسي – ص54 "، لكن النظرة تجاه الأموات تغيرت عند دارا سواء بعد تجواله وسفره، أم بعد اعتناقه الإسلام، فحينما حل في شيراز، وعاش مع المسلمين، بدأ ينظر إلى الأموات نظرة تختلف عما كانت عليه وهو على دين الطائفة الزرادشتية، فيقول وهو سير متجهًا إلى باب الشيخ كازروني مع امرأة عجوز، " عبرنا مقبرة المسلمين الواسعة، وتأملت مليِا آلاف القبور، لست أتقزز منها كما في السابق، صرت أنظر إليها كبيوت تسكنها أجساد ترجع لعالمها الطبيعي: الأرض – ص151 ".

وموت العطار النيسابوري فقد حدث بعد دخول المغول إلى خرسان ووصولهم إلى نيسابور، حيث عرف دارا أن العطار لم يكن على حال حسن، فهرع مسرعًا لمعرفة ما حل بالسوق، ودكان العطار تحديدًا، لكنه تفاجأ حين رأى سيده مفارقًا الحياة لينظم للشهداء، فــ " بوقار الموت أغمضت عيني العطار، وقبلت يديه، غطيت جسده الشريف بردائه الطاهر، ونثرت عليه أزهارًا طرية – ص218 "، وها هو رجل آخر يفقده دارا، إنه الشيخ الذي تعلم منه التطبيب والمداواة بالأعشاب، إنه الشيخ الصوفي النيسابوي فريد الدين العطار.



وبعيدًا عن الرواية وبنائها السردي التخيلي، هناك أقوال متضاربة حول وفاة العطار، فهناك من يرى أن وفاته كانت في العام 596 هجرية، وهناك من يراها في العام 727 هجرية، وهذا العام لم تحدث أية غارة من قبل المغول على نيسابور، ويراها أحد المستشرقين الإيطاليين أنها بين عامي 607 و616 هجرية - منطق الطير، ص39 – 45، كما أن الوفاة هل كانت بسبب المغول أو بسبب آخر؟ إنها تكهنات وأسئلة لم تحسم، والرواية لم تعطنا تاريخًا دقيقًا لوفاته، وإنما تركت الأمر عائمًا بين القراء باعتبار أن تحديد الزمن بدقة في ظل التباين بين المؤرخين قد يشكل غموضًا آخر، وبخاصة حين لا نجد الدليل القاطع والحاسم.

كما استشهد أبو حسنين المدافع عن الطائفة الإسماعيلية والمتحصن في قلعة قائين، إذ وصلت جيوش هولاكو تلك المناطق، ودقت الحصون والقلاع، وقتلت ونهبت وأسرت واستولت على الأموال والعتاد، وفي هذه القلعة استشهد أبو حسنين مع بقية الجنود والرجال، كما استشهد العديد من الرجال في قلعة ألموت التي خرج منها دارا أسيرًا، وفي همدان وصل خبر موت الإمام ركن الدين خورشاه، وتضاربت الأقوال في هذا الفقد، ومنها ما ذكر أن المغول قتلوه في الصحراء بعد عودتـه من الصين من دون نتيجة، ولكن موته جعل الناس في همدان وغيرها من المناطـق، فهنـاك من ترحـم عليه، وآخـر من استنكر فعله بالذهاب لمقابلة (مانغة) فـي الصين، وثالث استخدم التقية في الأمر، وهنا تأتي مقولة للطوسي في أثناء سماع الخبر والحوار مع دارا، " عرش يحطم، وعرش يشيد، وليس لأمثالنا خيار في سلاطينهم – ص309 "، أما الشيخ الطوسي نفسه فقد توفي بعد أن أعياه المرض، ودفن في حضرة الإمام موسى الكاظم بعد أن ترك وراءه علومًا وكنوزًا معرفية وفلسفية ودينية، وطلابًا ينهلون منها في مكتبة رصدخانه، وتوفيت زوجة دارا فضة (الزهرة) بسبب الهزة الأرضية التي أصيبت بها منطقة مراغة، ووصله الخير، الذي مؤداه أن " فضة سقطت في شق انفتح تحت رجليها، قضت الأم ونجا ولها – ص360 ".


وبعد كل هذا تأتي حكاية موت دارا، فبعد أن تغير السلطان المغولي، ومعتقده الديني أو الفكري، أدى إلى تغييرات في البنية المجتمعية عامة، هكذا كان، وبعد تفكير طويل حسم السلطان أمره في الاعتناق الديني الذي أخذ منه وقتًا طويلاً، أي بين أن يكون مسيحيًا، أو بوذيًا، ومسلمًا، ليصبح مسلمًا، وهذا لا يكفي، ولا يكتمل إلا باختيار المذهب الذي سيسيّر أمور دولته وسلطانه من خلال نصوصه، وهنا انبرت الجماعات الدينية والطوائف، كل طائفة ترغب في الفوز على غيرها، حتى اشتد التنافس أكثر ما يكون بين الشافعية المنتشرة في فارس، والحنفية المتواجدة في العراق، فبعد موت السلطان أوليجايتو، شاع الخبر بين الناس أنه مات مسمومًا، وهنا انبرت أصوات المنتفعين، وأصحاب المصالح من رجالات السلطان ليتهموا هذا أو يشكوا في آخر، حتى جاء دور دارا الذي وجهت إليه أسئلة فيها نبرة سلطوية بالاتهام، هكذا سأل الوزير دارا: " من سم السلطان أوليجايتو؟ - ص394 "، لينهي به الأمر في سجن مقيدًا بالسلاسل والأصفاد على جسده، ومحكومًا من قبل هؤلاء بالقرار النهائي الذي ينهي حياته، " كنت في سلاسل السجن. أمام حشد من حرس المغول، في سرداب رطب في قلعة تبريز القديمة – ص397 "، ولكي تكون دعواهم ضده مبنية على قرائن وأدلة، بينوا إليه أنه كان يخفي ديانته الزرادشتية، ويتستر بالدين الإسلامي، وقد جاء الحكم عليه بالإعدام، الذي جعله أكثر صلابة وتحديًا، وتصريحًا لقول الحق.

126 مشاهدة