دارا الزرادشتي ورحلة البحث عن نور الطمأنينة (1)





دارا وقدسية الأديان - 1

بعد صدور رواية الدكتور عقيل الموسوي الثانية (دارا الزرادشتي) عن دار سؤال للنشر في طبعتها الأولى هذا العام (2021)، كتب عنها عبر الصحافة الورقية والإلكترونية عدد من الكتاب والقراء، وجاءت المقاربات والقراءات متباينة في طرائق التناول، فهناك من قاربها في سياق ثقافة الكاتب وسفره المتكرر إلى العديد من بلاد العالم، وهناك من وضع علامات المقاربة بينه وبين دارا من حيث التقصي والبحث، وحب المعرفة، وأخر اتجه إلى تاريخ والده، ونشأته، ومكتبته وحياته، ومهما كانت هذه القراءات فهي تضيف إلى النص رؤية وتساؤلاً، ومن هذا المنطلق أحاول أن أجعل النص والشخصية الروائية هي محور قراءتي للرواية، ولكن هذا لا يعني الابتعاد عن مرجعيات النص الدينية والتاريخية التي هي أساس الإتكاء، ولا عن كاتبه إذ استدعى الأمر.


د.فهد حسين

وعادة حينما نكتب قراءة لعمل ما، نفكر في عنصرين أساسيين، هما: المنهج الذي يفرضه النص، والمدخل الذي يقودنا إلى المتن والسير في الكتابة، لذلك في الوقت الذي أعتمد نظرية التلقي، أي كيف تلقيت النص قراءة وفهمًا وتحليلاً وتأويلاً، وبأي منهج أسير، الذي يتمثل في التأويل منحاه التاريخي والثقافي، حيث التاريخ والأديان والترحل عبر الأمكنة يفرض أن يكون المنهج التأويلي وعلامات الدلالة بارزة في هذه القراءة التي ستتكئ على بعض المصادر والمراجع وفقًا لما فرضته الرواية، أما العنصر الثاني، فهو المدخل الذي أبدأ به القراءة، ويتمثل انطلاقًا من تلك المقابلة التي أجراها الدكتور فادي الطواش مع كاتب الرواية حين قال الروائي: إنه ذهب إلى صحراء الربع الخالي، وحاول أكثر من مرة الانطلاق في الصحراء رغبة في التيه والضياع، وفقد الطريق، ولكنه يعود من حيث خرج، وكأن محاولاته تبوء بالفشل.

وهنا أرى أن هذا الارتحال أو السياحة عبر رمال متحركة في صحراء تعرف بالخطرة، تؤكد الهدف الذي كان يريده، الهدف المخبوء في جلباب الحلم المرسوم على صفحات الرواية كلها، والمتضمن في ثناياه أنه ربما لم يعرف إلى أين يأخذه ويتجه به، وبخاصة مع تلك المعلومات الكثيرة المتعلقة بالديانات الوضعية والسماوية من جهة، وبالأحداث التاريخية والمكانية من جهة أخرى، وعبر بناء شخصية دارا التي كانت تعيش الأزمات ذات العلاقة بالإيمان والتطلع والبحث، وقد ترجم دارا هذا التيه في الصفحة الأولى بقوله: " كانت حياتي هي المعجزة، معجزة مليئة بالمغامرات، وما الموت إلا مغامرة أخرى – ص7 ". وما وصول الرواية إلى مستواها العالي وقدرتها التي تتوافق والقارئ النموذجي كما يؤكده تودوروف، هو الذي أوصله إلى ما رغب من هذا التيه الذي أشار إليه عبدالفتاح كيليطو، (ينبغي التيه ليحقق الوصول)، وفعلاً وصل الكاتب إلى ما يتمنى بقدرته الفائقة التي يتمتع بها فكريًا ووعيًا، وتلك القدرة اللغوية والفنية والبنائية التي شكلت هرم الرواية السردي.


الروائي عقيل الموسوي

هكذا ذهب الروائي عقيل الموسوي بنصه (دارا الزرادشتي) من خلال القراءة الواعية والاطلاع المستمر في بطون كتب التاريخ، وبين قنوات كل الديانات، وعبر تضاريس المكان، وخلجات الإنسان النفسية، كل هذا منعه من التيه الذي يريده، ودخل به في تيه المعرفة لمتمتعه بقدرة في الانطلاق، والوصول الذي توجه نحو أركولوجية التاريخ والأديان والثقافة والشتات، رغبة في معرفة تطلعات إنسان الحاضر من خلال إنسان الماضي، وتقليب صفحات هذا الماضي ليكشف عورات الحاضر، بل يقودنا النص بين الحين والآخر إلى ضبابية المستقبل إذا لم نستطع نقده نقدًا صريحًا في سياق ما يعاني منه المجتمع من تناقضات، وما يشوبه من أمراض سياسية وطائفية واجتماعية، وكأن النص يدعونا إلى النقد الموجه إلى تلك الممارسات الدالة على التناحرات والتحزب والتباهي والتفاخر، وهنا تطرح الرواية سؤالها الذي يولد بين الحين والآخر في خضم الأحداث، هل نحن القراء أو ما نراه أننا مثقفون، نملك العدة النقدية الصالحة لنقد المجتمع من دون مواربة كما فعل بعض المتصوفة من الشعراء ورجالها، وما فعله الطوسي وغيرهم الذين تناثروا على صفحات الرواية طرحًا وتفسيرًا وتعليلاً لما كان آنذاك يجري من أحادث، وكيفية تفسيرها وتحليلها والقياس عليها؟

منذ الصفحة الأولى تشعرك الرواية بأهميتها الأدبية والثقافية والتاريخية، وما تشير إليه من دلالات وإيحاءات وإشارات إلى الحضارة الإنسانية بعيدًا عن قيمة هذه الحضارة أو تلك، وعن الأديان ودورها في خلق المناح الملائم للإنسان كلما توغل في تعلقه بمكونات وشرائع هذا الدين أو ذاك، والتسامح الذي ينبري بين الحين والآخر عبر مقولات دينية أو اجتماعية أو فلسفية أو صوفية، والرؤية التي ينبغي على المرء أن يتمثلها، ويضعنا النص نفسه أمام الإنسان المهمش، وهامش المهمش، وصراعه مع المتغطرسين، ودفاعه عن كرامة الإنسان، ومقدرات المجتمع والتاريخ، وهذا ما أشار إليه بول ريكور بقوله: " نحن نروي القصص لأن الحياة البشرية تستحق أن تكون مروية، وتتخذ هذه الملاحظة كامل قوتها حين نشير إلى ضرورة إنقاذ تاريخ المهزومين والضائعين، فتاريخ المعاناة بأسرة يدعو إلى السرد - بول ريكور، الزمان والسرد – الحبكة والسرد التاريخي - الجزء الأول، ص129 "، كما أن الرواية تأخذك بدءًا من الجملة الأول إلى تلك الثقافة العميقة التي يتصف بها الكاتب تجاه ثقافة المكان والإنسان والدين والحضارة.

إنّ رواية دارا الزرادشتي تؤكد ما يمتلكه الكاتب من موهبة حقيقية في الكتابة الإبداعية من جهة، ورؤيته لهذا الجنس الإبداعي وكيف يوظف الأبعاد المختلفة داخل فضاء العمل، فهو بهذا النص يملك ناصية اللغة، وسبكها وربط جملها بحرية سلسة، وبعفوية من دون تكلف، بل أعتقد أنه كتبها بحب وشغف ورغبة وتفاعل حقيقي من أجل إبراز بعضٍ من تاريخنا الإنساني والديني وتلك التناقضات التي تثار هنا وهناك، وهذا يؤكد ما قالته إميلي نصر الله الروائية اللبنانية في مقابلة صحفية لها: (إن الدافع الذي يدفعني لأكتب حول موضوع بالذات، هو عمق تفاعلي بذلك الموضوع، وانفعالي به، فالكتابة ليست مستوحاة من الخارج، وتحصل بعيدًا عن الوعي، بل إنها الخارج والداخل معًا، وبقدر ما يولد الموضوع المستوحى حرارة داخلية يجيء ناضجًا ومقنعًا وحاملاً في ذاته وطياته حرارة، هي من أهم عناصر الإحياء).


الروائية اللبنانية إميلي نصر الله

إن أحداث الرواية تستفز القارئ من جهة متابعة سيرها، والبناء الفني الذي تميزت به، واللغة التي شيدت هذا المعمار بصورة جمالية، وكيفية الوصول بها إلى بر الأمان، ومن جهة ثانية فإن هذه الأحداث تعطي القارئ مساحات واسعة، واختيارات كثيرة، لبدء الكتابة عنها، وهو ما يؤكد قولنا آنفًا عن المقاربات المتعددة، إذ يمكن للقارئ أن يستلهم الأحداث والوقائع، ويكتب عما يريد منطلقًا عبر عناوين عدة، مثل: الكتابة عن رحلة دارا وتنقله، عن التحولات الدينية والفكرية، عن علاقة الديانات السماوية بالديانات الوضعية، عن انثرلوجيا الإنسان والمكان، عن التطرف والخراب والدمار، عن علاقة الثقافة والأدب بالدين، عن كيفية الحضور التاريخي في الرواية، وأهمية المعالجة، عن تضاريس الرؤية الإنسانية للصحراء، عن فلسفة الشخصيات تجاه الدين والحياة، وغيرها من الموضوعات التي تستفزها الرواية عند القارئ، ومن هذه المنطلقات تبدأ الرواية بطرح إشارات دقيقة للقارئ لكي يقوم بدوره في التحليل والتأويل، وقد كان البدء هي الولادة، حيث " ولد دارا في يوم (شنبه) الموافق السادس والعشرين من شهر آذار في السنة 616 حسب التقويم اليزدجردي، في السنة الهلالية 632 حسب تقويم المسلمين، سنة 1235 حسب تقويم قساوسة النصارى – ص12 "، وهنا يقدم لنا الكاتب تمهيدًا للربط بين تباين التواريخ في حياة الإنسانية، وما نتج عنها من تعدد الرؤية تجاه الأحداث سنة حدوثها، وعلمية التوثيق وصحته، التي تعتبر من أحد المسائل الخلافية في المجتمع الإنساني عامة، وكأن النص يدعونا إلى الاتفاق الكلي على تقويم معين، بدلاً من هذا الاختلاف الذي انتقل إلى معظم شئون حياتنا اليومية العامة والخاصة، أما ذكر عمر دارا بين فترة وأخرى داخل النص إلا لتوضيح أكثر من أجل قياس تلك المعاناة التي تعانيها الشخصية نفسه.


دارا وقدسية الأديان


علاقة الإنسان بالدين، سواء أكان سماويًا أم وضعيًا، وكيف ينظر هذا الإنسان إلى نفسه وهو مؤمن وجود هذه الأديان، ودورها في الحياة والمجتمع والإنسان، وكيف ينظر الآخر له حين يعرف هذا الآخر ممكنات الإنسان الثقافية والفكرية والدينية، وهنا يأتي التساؤل: " ترى ماذا سيقولون عني أهل فارس بعد مماتي؟ ليس غريبًا لو ازدروني وقالوا كان دارا مجوسيًا، أو قالوا كان معتزليًا متفلسفًا، أو درويشًا مجذوبًا، أو إسماعيليًا مهرطقًا، أو شيعيًا مغاليًا- ص8-7 "، هكذا عاش دارا طوال حياته في أمر السؤال، إذ وجد نفسه مولودًا في بلاد فارس، الموطن الأصلي والأول له، وفي منطقة أريانا عامة، ويزد بخاصة التي انطلق منها إلى عدة مدن عبر رحلة قام بها بحثًا عن النور الذي يريد، والطمأنينة التي يرغب، أي وجد نفسه معتنقًا الديانة الزرادشتية منذ ولادته، ليكون أحد أفراد هذه الطائفة، والعمل على تأهيله ليصبح موبذاً حينما يكبر، لذلك كان البحث عن الاطمئنان لا يبتعد عنه قيد أنملة، وهو يتلقى دين طائفته وتعاليمها من أبيه (الدستور)، مؤكدًا بين الحين والآخر أن هناك فرقًا بين الإنسان المؤمن بالله وغير المؤمن من حيث الطمأنينة، والفرح، والسعادة، والانتظار، والخاتمة، والموت، والجنة، والنار.

وعبر حياته الأولى كان دارا يأخذ يعطيه الأب من علم ومعرفة سواء في شئون الدين، أم في شئون الحياة، فالتعلق اللا محدود من قبل والد دارا بزرادشت وتعاليمه وقوانينه في الحياة الدنيا قبل الآخرة، أسهمت في تكوين الابن دينيًا، فـــ " كانت حياتنا في البيت تدور حول سيرة سيدنا زرادشت، أشعر به مقيمًا معنا، يشرف على طهارتنا، شِعره صلواتنا، اسمه بركة طعامنا، وبشارته أعيادنا – ص17 "، وهذا الأمر ليس مستغربًا أبدًا، فأصحاب البيوت المتعلقة بالدين أو فيها بعض أفراد الأسرة من أخذ زمام العمل، ودعو الناس للدخول في دين ما، ويسهر على نشره، لا شك أن تكون تعاليم هذا الدين أو ذاك حاضرة بقوة وفي جميع الأوقات، لذلك يكون التأثير ليس على واحد معين، ولكن وبما على أفراد الأسرة كلها أو معظمها.




إن الديانة الزرادشتية من أقدم الديانات الوضعية التي اعتقنها الإنسان في منطقة الشرق، وتحديدًا المناطق الفارسية، وزرادشت هو المؤسس لهذه الديانة التي أخذت اسمه، وعلى الرغم من عدم الدقة التاريخية في ظهورها، فإنها سبقت ظهور الإسلام زمنيًا، وتعتبر من تلك الديانات التي تهتم بجماعتها فقط، وتحافظ على سريتها تحت أي ظرف من الظروف، وعلى عدد أفرادها المحصورين فيما بينهم وبشئون حياتهم الديني والاجتماعية العامة والخاصة، هكذا سجل كتابها المقدس (الأفستا)، تعاليم هذه الديانة، حيث " أقام زرادشت مذهبًا أخلاقيًا فلسفيًا دينيًا، وبذلك يكون هو أول من فلسف الدين، فكل من فيثاغورث، وأفلاطون، وأرسطو مدين لهذا الحكيم بكثير من الآراء الفلسفية والأخلاقية – ص37 "، وقد ذكرت هذه المفاهيم والتشريعات في الكتب السماوية عامة، وفي القرآن الكريم بخاصة، على اعتبار أنها قيم إنسانية كونية، ومن هذه المبادئ والتشريعات والمفاهيم التي جاءت في الأفستا: الجنة والنار، والملائكة والشياطين، والقيامة والحساب، وحرية الاختيار، كما أن هذه الديانة لها إله واحد، هو: أهورامازادا أو الإله الحكيم، وزاردشت يعتبر نبيه، وتؤمن الزرادشتية بأن العناصر الأربعة التي كونت الحياة والكون، وهي: النار والماء والهواء والطين، والنار تحديدًا هي نور الإله وحكمته، ويرى الدراسون لهذه الديانة أن تجمع الزراشتيين عامة كان منقسم إلى فرقتين، هما: الزرادشتيون الإيرانيون، والزرادشتيون البارسيون، ويقال أن الثانية هاجرت إلى الهند بعد سيطرة القوة الإسلامية على بلاد فارس، وبعد ما وقعوا الزرادشتيون أنفسهم تحت طائلة الإهانة والاستفزاز والتقليل من ديانتهم ومعتقداتهم، تلك المضايقات التي تنوعت بين المعنوي والمادي، لذلك أشارت الرواية إلى هجرة جماعة من الزرادشتية إلى الهند بأمر من والد دارا الذي رفض الانصياع لهذا القرار، وفضل البقاء في يزد.

من يعرف طبيعة رجال الدين وفلسفتهم وتطلعاتهم المستقبلية تجاه أبنائهم أو بعضهم على الأقل، يصبحون مثل آبائهم، فالآباء تحرص على تعليم أبنائها ما تخصصت فيها، لذلك يلجؤون إلى تعليم الدين وتشريعاته وقوانينه ومعتقداته وما يحيط به، إذ لدينا في البحرين أمثلة واضحة، وتحديدًا المذهب الشيعي، أن بعض رجال الدين الخطباء مثلاً، يؤكدون على أن يكون بعض أبنائهم من يحمل الدور عنه، وعليه يقوم بتعليمه وهو صغير السن، وإن كان هذا بعيدًا عن مفاهيم المرحلة العمرية، وقدراتها العقلية والنفسية والاجتماعية، بل ربما هناك من الاباء الذين لا يستوعبون أحيانًا المرحلة الزمنية والعمرية للطفولة، وتلك المعلومات التي يرسلها إلى عقل الطفل، ولكن هكذا هي طبيعتهم، وهو ما كان يقوم به والد دارا بوصفه رجل دين، فــ " كان أبي يسرد عليّ التاريخ من دون الاعتبار لطفولتي الغضّة، لكنه من الذكاء بحيث يعيده في كل مرة ليناسب عمري كلما تقدمت بي السنون، حتى أني نسيت حياتي البائسة في يزد، وصرت أحيا في خيال مملكة زرادشتية مزدهرة .. – ص17 "، كما أن هذا التوجه يكشف لنا طريقة التعليم قديمًا والتي لاتزال منتشرة حتى يومنا هذا، لكن مع مرور الوقت وتعاقب الزمن ذهب دارا إلى أبعد من ذلك، فلم يحصر نفسه فيما تلقاه من معرفة وعلم ودين من والده الذي حصره في الطائفة الزرادشتية، وإنما عبر عمره الذي وصل إلى ثلاثة وثمانية عامًا تنقل عبرها من دين لآخر، ومن طائفة دينية إلى أخرى سواء بالعلن أو بالخفاء وعدم التصريح.

وكلما وقف دارا عند طائفة دينية معينة حاول أن يعطينا بعض تاريخها أو نهجها أو تعاليمها