دارا الزرادشتي ورحلة البحث عن نور الطمأنينة (2)



دارا بين تضاريس الأمكنة - 2


استطاع الروائي أن يوظف المكان بأنواع مختلفة ومتعددة، فقد أتى بالمكان العام، مثل: المدن، كيزد وشيراز، نيسابور، وقزوين، وهمدان، وبغداد وغيرها، وأتى بالمكان الخاص المفتوح وكأنه مكان عام، مثل: المساجد والدكاكين، كما وظف المكان المغلق كالبيوت والغرف، والقلاع، وهذا التوظيف للأمكنة جاء وفقًا للبناء السردي الذي هندسه الروائي، وشيده بدءًا من قاعدته، وشكله في متخيله ثم بناه واقعًا ملموسًا بوصفه نصًا هرميًا، وإن كانت كل الأمكنة التي ذكرت في الرواية هي أمكنة واقعية حقيقية، وليست متخيلة، حيث ذكرها التاريخ وتقلباته السياسية، ولكن جاءت في سياقات نصية ولغوية متسقة مع الأحداث وتنقل الشخصيات.


د.فهد حسين

إن أحداث الرواية تدور كلها في إطار الترحال والسفر والتنقل عبر هذه الأمكنة، وهي عادة تكون مدعاة إلى الناس بشكل عام، ولأن السفر يضيف لا محال الكثير إلى الإنسان المسافر، فقد نسب إلى الإمام علي عليه السلام، أبيات تحكي عن السفر، حيث جاء في الديوان الذي حققه عبدالعزيز الكرم، ونشرته دار كرم للطباعة والنشر بدمشق، ص41 -42. وهناك من نسبها إلى الإمام الشافعي، وهذه الأبيات تقول:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريـــج هـــم، واكتساب معيشـــة وعلــم، وآداب، وصحبـة ماجــد

فإن قـيل فـي الأسفـار ذل ومحنـة وقطع الفيافـي وارتكـاب الشدائد

فمـوت الفتى خيـر لـه مـن قيامــه بـدار هـوان بيـن واش وحاســـد



ومع هذه الأمكنة تبرز الرحلات والسفر عند الشخصية الرئيسة، وهي: دارا، ففي كل رحلة يقوم بها لم تكن محض صدفة أو رغبة اعتيادية، وإنما هي حالة ناتجة من مخاض تفكير لواقع عاشه، وفكر بدأ يطرح أسئلته، ومكان يرى أنه سيجد بعض إجابات عن أسئلة كان يطرحها بين الحين والآخر سواء على نفسه أم على من يعيش بينهم، بل حين تطأ رجلاه أي مكان تبدأ هاتان الرجلان تتحركان في المكان بقوة الفكر وشحذ العقل، والربط بين المكان ومدى الانسجام العاطفي معه، لذلك منذ وصوله إلى شيراز تعرف على كل ما يمكن الوصول إليه في فضاء هذا المكان، إن كان على المستوى الاجتماعي أم الثقافي أم الديني، أم في علاقات الناس فيما بينها، وتكشف الرواية هنا وعبر سرد الأحداث عن أهداف أخرى لعملية الترحال والسفر، وهي: التعرف على الديانات، أو طلب العلم والمعارف، أو التجارة، ذلك من خلال الحوار الذي دار بين دارا نفسه والإفرنجي (ماركو بولو) مثلاً، إذ سأله دارا عن وجهته في السفر، فأجاب أنه يسافر إلى أقصى ما يمكن إليه في الشرق، وبمبادرة سؤال آخر حول الهدف من السفر إن كان لمعرف أديان الشرق، أم الأخذ من معارفهم، أم للتجارة وكسب المال، كان رده مباشرة، " للثلاثة مجتمعين – ص64 ".

وبعد وفاة والد دارا، وانقضاء مدة الحداد، فكر في الارتحال من يزد متنقلاً في أراضي فارس التي أحبها حبًا جمًا، ورفض الابتعاد عنها، فيخاطبها بقوله: " فارس يا أطيب أرض، فارس يا بوابة السماء – ص56 "، هكذا باع البيت على أحد المسلمين، وودّع المكان بعد أن أخذ النقود، وترك كل شيء للمشتري، وهنا بدأت رحلة الشفاء والتعب والبحث، أي بدأت رحلته بخروجه من منزله معلنًا لنفسه إخفاء عقيدته، ودينه عن الآخرين حتى لا يتعرض للأذى كما تعرضت جماعته في يزد، " من اليوم فصاعدًا ينبغي أن أستر حقيقة الطائفة التي ولدتني – ص57 "، وهذا التستر كأنه يخفي وراءه تحولاً قادمًا يشكل حياته، وبناء شخصيته على كل الصعد الاجتماعية والنفسية والعاطفية والسلوكية واللغوية وعلاقته بالأديان أيضًا، بمعنى الذهاب منطلقًا نحو أفق الحرية التي فقدها طوال حياة أبيه حين كان متلقيًا للأوامر والنواهي، مطيعًا مسلوب الحرية والإدارة والقرار، إلى تلك الحرية التي ينشدها ولم ينلها من أبيه الدستور.


ماركو بولو

أول محطة إلى دارا بعد خروجه من يزد هي سوق خراسان، تلك السوق التي تكشف عنها الرواية بما تتميز به وتشتهر من البضائع والناس من مختلف الجنسيات والأمكنة والأمصار والدول، فهؤلاء يشكلون بألوانهم ودياناتهم الحركة التي لا تهدأ طوال اليوم بين بيع وشراء نقل البضائع والحاجيات، " هز رأسه موافقًا، وأشار لي، بين زحمة الباعة والمشترين، نحو صينيين عيونهم ضيقة، وأفغان قبعاتهم سميكة، وبدو داكنو البشرة، وهنود يلبسون أقراطًا في آذانهم مثل النساء، وروم حاسري الرؤوس، شعورهم طويلة، كانوا يروجون إلى بضائعهم بلهجات مختلفة: حرير من الصين، عطور من شيراز، أقمشة فاخرة من سمرقند، توابل من الهند، سجاد من كرمان، أحجار نفسية من نيسابور - ص59 "، ومن هذه السوق كان يفكر مليًا في السفر إلى شيراز، فبعد حواره مع العتال، حصل على بغيته، إذ " اختفى العتال في الحال، وعاد بعد لحظات ومعه رجل صبغته الشمس سمرة، وله عينان نافذتان، قال: في الغد تنطلق قافلتي إلى شيراز. قلت وقلبي يرقص طربًا: أسير معكم بإذن الرب. وافق فدفعت له جزءًا من أجرته - 60 "، وقبل السفر إلى شيراز حطّ جسده ليستريح من تعب الطريق في مسافرخانه مع العديد من الناس الذين ينتظرون السفر مثله من تجار كانوا يتبادلون أطراف الحديث والنكات والضحكات، وفي هذه الأثناء سمع عن الرجل الذي يقولون عنه النصراني القادم من بلاد الفرنجة، " لا يحمل معه بضائع ولا ذهبًا عدا أحجار يستخدمها بدل النقد، يدون في دفتر مذكراته عن أسفاره، يصف حياة الناس، يعدد موارد رزقهم، يرسم خرائط البلدان، وطرق القوافل، يتكلم اللاتينية وقليلًا من الفارسية... – ص60 "، وهكـذا قال الافرنجي بعد مسامرة في هذه الاستراحة والانتظار ليوم غد، " إنه طاف العالم وركب بحاره، صلى في كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية، وحج بين المقدس في فلسطين، وعبر جسور بغداد المنصوبة على دجلة، وشرب حتى الثمالة من نبيذ شيراز – ص61 ".

وها هي بلاد فارس التي كانت المكان الذي تنافس عليها الأنبياء بحسب الحوار الذي دار بين المانوي والإفرنجي " وأتخيل فارس لما تنافس عليها أنبياء ثلاثة، زرادشت، والمسيح وماني، حدث هذا قبل ألف عام وما يزال الأمر تاريخًا حيًا، تقبله الناس، وكأنه حدث بالأمس – ص66 "، وهذا يعيدنا إلى تلك الانقسامات والتشرذمات التي وقعت في تاريخنا الإسلامي بعد وفاة الرسول الأكرم، والدخول في عمليات الأولية والأفضلية لحكم المسلمين، وتلك المشاورات والقرارات في دار السقيفة، التي لاتزال آثارها باقية إلى اليوم عند البعض الذي لا يفكر إلا في الشقاق، والمزيد من الخلاف الذي لسنا نحن بحاجة إليه اليوم، بقدر ما نحن بحاجة إلى الترابط والتسامح والتآخي، وحماية أوطاننا وأنفسنا من أي تدخل يزعزع استقرارنا في أوطاننا.

من طبيعة الإنسان أنه يبني علاقة حميمة مع المكان الذي يستقر فيه، وهذا ما كان منتشرًا بين المسافرين والمتنقلين من مكان لآخر، فكلما حاولوا الاستقرار في مكان ما يسعون جاهدين لأن تكون لهم علامة واضحة تبقى عبر التاريخ وتتناقل بين الأجيال، فبعض هؤلاء الرحل يشيّد ما يؤكد مرورهم أو حضورهم أو استقرارهم في هذا المكان أو ذاك، بل ويكشف عن طبيعة حياتهم الاجتماعية والثقافية والدينية، والرواية لم تترك هذا في ظل اهتمامها بثيمة السفر والتنقل، فقد جاء على لسان الإفرنجي: " ليست قوافل الحرير مجرد دواب تحمل بضائع للبيع والشراء، بل أسواق تضج بجميع أجناس الناس، تجار وفرسان وحجاج ورهبان وكهنة ومسافرين، رواحل تحمل الأمتعة والكتب المقدسة معًا، وتطوف بالأفكار، تسافر بالأديان، وحين تخيّم تنصب المعابد، والمآذن، والأجراس – ص66 "، ويؤكد المانوي ذلك في الحوار بالقول: " بنى ماني كنيسته معتمدًا على العقائد الرائجة في قوافل الحرير، شريعة زرادشت الفارسية، وأفكار بوذا، وعقائد المسيح -ص66".

وحين بدأ دارا بالاختلاط مع الناس والأقوام في أثناء سفره وتنقله من مكان اخر، بدأت الأفكار الذي لم يتعود على سماعها أو التأمل فيها تدخل في عقله وتناقشه في تكوينها وطبيعتها وعلاقتها بما يؤمن به من أفكار ومعتقدات، ليس الأفكار وحدها، بل حتى النظر إلى المكان وما يمثله له كالصحراء مثلاً، فلم توقع الافتنان بالصحراء وجمالها مقارنة لما كانت تراه كتب الزرادشتية، إذ وصفتها بأنها " معقل للشياطين، عالم من عوالم الشر – ص72 "، وفي الوقت نفسه بدأ الاستغراب يدب فيه حينما أشار إلى علاقة الصحراء بسيد الزردشتية قائلاً: " أليست هي طريق الأديان، منبع الاعتقادات، ألم تكن خلوة سيدنا زرادشت، البقعة التي تأمل فيها الوجود؟ - ص72 "، فهذه الأفكار بدأت تغير وجهة نظر دارا تجاه الصحراء، فهو مكان تأمل حقيقي، حيث العديد من الأنبياء والرسل كانوا على تواصل الروحاني والإيماني كان في الصحراء، وكانت تعاليمهم وتعبدهم ومناجاتهم في هذا المكان من العالم طريقًا لنشرها، فقد خرج سيدنا النبي إبراهيم عليه السلام إلى الصحراء، وخرج سيدنا النبي موسى إلى الصحراء وإلى الجبل، وخرج نبي الإسلام سيدنا النبي محمد عليه السلام إلى الصحراء وإلى غار حراء، بمعنى أن مكان الصحراء لم يكن مكان شياطين بقدر ما هو مكان تأمل وتفكر ومصارحة مع الذات، وهو ما فعله دارا أيضًا، بل ظهرت الشكـوك في ما كان يمارسـه الأب على ابنه وإعطائـه التعاليم التي فرضها عليه دون غيرها، وكأنه هنا يعلن تخلصه من سلطة الأب من جهة، والبدء بتـلك الشكـوك التي تنبري بين الحين والآخر من جهة أخرى، لذلـك قال: " فهمت لماذا نهرني عن قراءة كتب غريبة قدّر أنها ستقع في يدي يومًا ما، فهمت لماذا حذرني من الاستماع إلى أحاديث الناس عندما أذهب إلى السوق – ص76 ".

وفي الرواية بعض المدن ذات المكانة التاريخية، والأخرى الدينيـة، والثالثة كانت تجمع الاثنين معًا، ومن هذه المدن: مدينة (يزد) التي تربى فيها دارا ونشأ نشأته الأولى حيث تعلم الدين الزرادشتي على يد أبيه، وباتت هذه المدينة ذات مكانة خاصة في قلوب الزرادشتيين، أما مدينة (بارسا) الواقعة على مشارف مدينة شيراز، فهي: " أعظم مدينة بنيت على وجه الأرض، شيدها سميي، الشاهنشاه (داريوش)، وكانت حاضرة الأخمينيين، يوم فهم الفرس حكمة زرادشت – ص87 .... ".




شيــراز


كانت مدينة شيراز محطة مهمة في بناء شخصية دارا، والتحوّل الذي طرأ عليه، حيث في هذه المدينة تعرف على أناس من مختلفي المشارب والنواحي والأفكار، إذ أخذ من المانوي بعض الأفكار حول الطائفة المانوية وعلاقتها بالطائفة الزرادشتية، والخلاف بينهما، كما تأثر سلوكًا بالآشوري وبأفكاره، وانجذابه نحو المتعة الجسدية في الحانة والعلاقة بالنساء، وفي الجانب الآخر تعرف إلى مهناز التي أحبها وأحبته، كما تعرف إلى الشيخ سعدي الذي قلب حياته، وجعله دائم التفكير في الحياة والناس والدين والعالم من حوله عبر حوارات مستنيرة، ووفي سياقات ثقافية واسعة وعميقة، حيث تحول بواسطته من الديانة الزرادشتية إلى الإسلام، ليكون شافعيًا ثم متصوفًا، وعلى الرغم من سعادته في شيراز، ففضل الرحيل بحثًا عن رجال التصوف والفكر ورجال الدين الذين يمكن الأخذ منهم الكثير والاطمئنان الذي يبحث عنه باستمرار عبر النور.


نيسابـور


بعد رحلة واستقرار في مدينة شيراز، فكر مليًا السفر إلى مدينة نيسابور، تلك المدنية التي تفرض عليه إن رغب الوصول إليها قطع مسافات في الصحراء تصل إلى ثلاثين يومًا، ويكابد الجوع والعطش والخوف والتأمل والانتباه لكل صغيرة أو كبيرة قد تحدث للرحلة ورجال القافلة، لكن جنوحه نحو المعرفة والعلم ورجال الدين دفعه لمواجهة الصعوبات والتحديات، هكذا قرر السفر إلى نيسابور ليعلمنا نحن القراء أن هذه الرحلة تستغرق شهرًا وهو في الصحراء، وليقف على ما تخفيه من أهوال ومفاجآت قد لا تسر الرحلة نفسها ورجالها، لكنه موقن أن الصحراء مسرح الأجداد الأوائل، ومن خلالها يتمكن الرجال بعد عودتهم منها، قيادة الحياة والناس؛ لأنهم يصلون إلى الحكمة، من هنا دخل دارا في عالم الوصف والتحدي، وتحمل المعاناة، وملاحظة معاناة الآخرين الذين معه في هذه الرحلة الشاقة، لكنه في الوقت نفسه لم يترك الهدف الأسمى، وهو المعرفة الأكثر عن الدين الإسلامي، وعن التصوف ورجاله، وبخاصة بعد أن آمن الإيمان الذي يساعده على تحمل المشاق والغربة والانتقال، يؤكده بقوله: " الإسلام وطني الجديد، ومن دون تعبّد أصيل أخشى أن تتفاقم غربتي – ص192 "، وفي جانب آخر يرى أن الصحراء لا ترحم أحدًا فحرارتها الشديدة تجعل الرؤوس ناضجة ومحترقة في وقت واحد، إلا (رستم)، ذلك الرجل البدوي، ودليل القافلة " الذي لم يسأل عن أوطاننا، لأنه بدوي، الأرض كلها وطنه، السفر حياته، القافلة بيته، والناقة أمه – ص197 "، وطوال الرحلة كان رستم يقدم بين الحين والآخر إلى الرجال جرعات أمل لمواصلة الرحلة دون خوف أو وجل، مستعينًا بالله عزّ وجل، فالله معنا" يستعيرها من القرآن ليكمم بها قلقنا كلما التقت عيناه بعيوننا المرتعبة – ص198 "، أو التفكير في المصير المهلك مؤكدًا لهم " لا يموت البدوي في الصحراء من الجوع أو العطش، يموت فقط إذا ماتت الجمال – ص194 "، لذلك وجد دارا الرجال في هذا الاغتراب المؤقت وكأنهم أسرة واحدة، يعملون على نسيج المحبة، والعمل المشترك، وعدم الاختلاف الذي ينتج عنه مصائر غير حميدة، ولأن دارا يعرف ذلك جيدًا، ولأنه طالب معرفة عامة وخاصة، فقد نسج علاقة بينه وبين رستم الذي علمه كيف يتعامل مع الجمال برفق وحنان ومحبة، فعلمنا جميعًا: " أن نعيش مثله، نأكل التمر، نشرب قليلاً من ماء بطعم جلد ماعز، ونحتسي من حليب النوق أكثر – ص194 "، وهكذا وصلت القافلة مدينة نيسابور بعد شهر كامل من السفر وتعب الصحراء التي كانت هي الحاضنة الأكبر لهذه الرحلـة وما صاحبهـا من تعب ومرض وضعـف وخوف، والمزيـد من التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وفي الوقت نفسه كان " للرجال رغبة واحـدة هي أن يهربـوا من البـداوة للحضـارة – ص200 "، وها هم الرجال وصلوا نيسابور ليأكلوا ويشربوا وتعود لهم حياتهم، وتتنفس أجاسدهم بعد نفض التعب والإرهاق، يعاودون الأمل.

وكما وصف دارا شيراز عند وصوله إليها، وصف نيسابور، تلك المدينة الخربة، المحطمة المسيجة بالخوف وعدم الاستقرار، والتوقع المخيف بين الحين والآخر بسبب جيوش جنكيزخان قبل ثلاثين عامًا التي نسفت البيوت وهلكت الزرع، وها هي على وجل وألم من وصول جيوش هولاكو، مما يعنى أن أهالي المدينة غير مكترثين بتلك البضائع التي أتى بها التجار من عطور سجاد وحاجات، فهي بالنسبة لهم كمالية وليست ضرورية وأساسية، فهم بحاجة إلى الدواء والطعام والإيواء، ومن الأجدى لهؤلاء التجار أن يرحلوا إلى مدينة يعيش أهلها بعض الرغد والسعة، وتكون الكماليات من ضرورات الحياة، وكأن تجار فهموا أنه " ينبغي عليهم أن يواصلوا مسيرهم بعيدًا عن مدينة يحتاج أهلها إلى الطعام والدواء، لا عطور شيراز ولا سجادها الفاخر – ص201 ".

لا يموت البدوي في الصحراء من الجوع أو العطش، يموت فقط إذا ماتت الجمال

قلعة قائيـن


بعد موت أستاذه العطار، لا يدري أي يذهب دارا، فإذا كانت رحلته في السابق معلومة مقصدها، فهنا لا يعلم وجهته، فبعد ما أغمض عيني أستاذه العطار، ونثر عليه الأزهار، خرج حاملاً كتابًا من كتبه، ودون وعي منه يقول: " التقطت من الأرض كتابًا من كتب الخواجة المبعثرة، ثم اختفيت بعيدًا عن العيون، لا أعرف أين تأخذني الأقدار – ص218 "، وبسبب كارثة هولاكو وتدميره لمدينة نيسابور، خرج مع الخارجين الفارين من هذا البطش لا يعرفون جمعهم أين يضعون رحالهم، وما يعرفونه أنهم يحاولون الابتعاد عن أعين المغول وسطوتهم، وهربوا، ولكن كلما وصلوا مكان ما، أو قرية ما، تبدأ التساؤلات عما فعله الجيش المغولي في المكان الذي مروا عليه، مما يزيد من هلعهم وخوفهم، واضراب مشاعرهم، غير أن هناك من يلحق بهذه الجماعة المرتحلة إلى المجهول، حتى وصل دارا، وربما جماعة معه إلى جبال قوهستان، وقلعتها الشامخة الحصينة (قائين)، وليتعرفوا على سكانها المحتمين بداخلها، تلك الجماعة التي تنتمي إلى فرقة الإسماعيلية، وقد شاهد داخل القلعة حياة أخرى مصغرة لحياة الخارج، حياة الناس، وحركتهم اليومية، وتدريبهم على السلاح والمعارك، وكيفية مواجهة الأعداء، فهي قلعة وإن كانت محصنة فالخوف قد نخر من فيها، كما أنها من تلك القلاع التي " تعيش الجماعة أسوأ أيامها، كل قلعة يصلها المغول تنذر بوقوع المصيبة الكبرى، كان سقوط قلعة يعني أن رجالها قاتلوا حتى الشهادة، أما استسلامها فيعني وجود أسرى – ص259 "، هكذا وصل حال قلعة (قائين) التي سقطت في يد الجيش المغولي.



هولاكو

قلعة ألمـوت


بعد الخلافات بين الإسماعيليين أنفسهم خرجت جماعة منهم تحت قيادة حسن الصبّاح، التي كانت تطلق على جماعته بالحشاشين، واستقر في قلعة (ألموت)، ولقب بشيخ الجبل، وقد اجتاحها المغول في العام 1250 ميلادية، وأباد الحشاشين، وهو ما أشار إليه الرحالة (ماركو بولو) الذي جاء اسمه في الرواية، دون معرفة إن كان هو المعني أم هي شخصية متخيلة من نسيج خيال الروائي، ف(ماركو بولو)، شخصية حقيقة رحالة من إيطاليا، وله صداقات مع بعض سلاطين المغول، وقد دون رحلاته في كتاب باسم (رحلات ماركو بولو) - انظر: ديفيد ليفينغ ستون، الإرهاب والتنوير – تاريخ عمره ثلاثة آلاف عام، ص200 – 202، وأشار إلى حادثة قلعة ألموت وما جرى فيها، والفرقة المحتمية فيها. إما علاقة دارا بقلعة (ألموت) فقد بدأت بعد وصول الطوسي إلى قلعة قائين، وأن دارا لم يعد من الجند وحمل السلاح، لذلك أنيطت له مهمة أخرى خارج القلعة، إذ قال له أبو حسنين إذا كانت رغبتك لاتزال في لقاء الإمام، فعليك أن تذهب مع هذا الرجل، ويقصد الطوسي، وبموافقته تم الانتقال من قلعة قائين متجهًا مع الطوسي إلى قلعة ألموت، وبعد أيام من السفر والتعب والضنك، وتعدد المناطق، بانت لهما قلعة (ألموت)، وهنا يقول دارا: " رأينا فرسان ألموت، كانوا مفتولي العضلات، تقدموا نحونا يتبخترون على أحصنتهم – ص259 "، ومع مكوثه عدد من الأيام جاءت المفاجأة التي لم تسر دارا، إذ دب الشك عند بعض أفراد قلعة ألموت أدى إلى القبض عليه وسجنه في مكتبتها؛ وهذا الشك مصدره ظنهم قد يكون من جواسيس الحرب، وفي هذه الحال لا سبيل إلا السجن أو القتل، وكان السجن هو القرار الذي أتخذ بشأنه، ومع ذلك سعى الطوسي لإفهام قائد القلعة الدور المنوط بدارا، ومصاحبته إليه، وهناك رسائل لابد أن تصل إلى القلعة تؤكد ما يقوله، فإن هذا السعي باء بالفشل، وهنا يقول دارا: " اقتادوني إلى المكتبة لأنه لا يوجد سجن في ألموت – ص270 "، وحمّلوا مسئولية الحراسة إلى ميمون، وتقديم الطعام والشراب إليه، هذه الشخصية التي ظهرت سريعًا ثم اختفت، غير أن هذا الاسم كان تاريخيًا موجودًا بالفعل في قلعة ألموت، وهو عبدالله بن ميمون الذي يعتبر من أعضاء إخوان الصفا، حيث كانت له كاريزما، وشخصية متفردة استطاعت الاستيلاء على قيادة الحركة الإسماعيلية - الإرهاب والتنوير ص198، ولكن الرواية أتت بالاسم نفسه، وبدور آخر، فهل كان صدفة اختيار الاسم، أم كان مقصودًا؟ يبقى السؤال قائمًا. أما القلعة فقد تقدم نجوها جيش هولاكو بعد مروره بالمناطق الجبلية، وتحطيم ما يقف أمامه، حيث بدأت جنود الحراسة في القرى الانسحاب والتوجه إلى القلعة، مما أدى إلى اكتظاظها، وازدحام الجنود والمقاتلين والعتاد فيها، حتى جاء دور القلعة التي بدأ القصف عليها لمدة أربعة أيام، ثم سقوطها، ليتفكك هذا الحصن المنيع والاستيلاء على القلعة كلها، ويصبح دارا أسيرًا.


قـزويـن



سار جيش هولاكو بالأسرى إلى قزوين، وفي الطريق بدأ عدد الأسرى يتناقص، أما موتًا أو بيعًا، ودارا الأسير سار " مع أسرى تقطر رؤوسهم خجلاً أمام نظرات الناس الفضولية - ص293 "، وفي هذه المدينة، وفي سـوق النخاسـة يباع دارا كعبد من العبيد الذين لا حول لهم ولا قوة، إذ بـات إنسانًا ضعيفًا لـم يستطـع تقريـر مصيره، ولكن من المحافظة عليه، والاهتمام به، وسير الأحداث كما رسمها الكاتب، تقدم الشيخ الطوسي فاشتراه ليكون معه، ليس عبدًا وضيعًا، وبل مرافقًا له، ومعاونًا إيـاه، وبخاصة أن الشيخ الطوسي يعرف من هو دارا وعقليته ومعرفته الدينية وطموحه الذي يحلـم به، لكن كان الجرح النفسي عميقًا عند دارا، ذلك الجرح الذي حفرته الأصفاد على رجليه ويديه، ولم يندمل، لهذا يقول: " لا أظنني أشفى من جرح الهزيمة الغائر – ص299 "، وهذه الهزيمة النك