دارا الزرادشتي ورحلة البحث عن نور الطمأنينة 6





تحولات دارا الزرادشتي - 6


عبر مسيرة امتدت إلى ثلاثة وثمانين عامًا، كانت مليئة بالأحداث والمغامرات والتحوّلات على أكثر من صعيد، اجتماعي واقتصادي ونفسي وديني وفكري، ومن خلال حوارات كثيرة أثرت على دارا، وشحذت تفكيره، وأسهمت في طرح العديد من الأسئلة حول نهجه الديني والفكري والتطلع نحو البحث الدائم عن النور الداخلي، وهي حوارات كشفت عن طبيعة الحياة والعلاقات والنظرة إلى العالم والإنسان والدين والمجتمع، والأفكار، وكانت مع: الإفرنجي (ماركو بولو)، مع المانوي، مع الآشوري، مع الشيخ سعدي، مع الشيخ البلخي، مع حسن الصوفي، مع العطار النيسابوري، مع أبي حسنين، مع الشيخ الطوسي، كما صاحبت دارا طوال حياته الكثير من الشكوك والظنون، وصاحبته أيضًا علامات اليقين، فكان يفكر في شيء، ويؤمن بشيء، ويقلع عن شيء، ثم يؤمن بآخر، هكذا كان، وكانت حياته مملوءة بأفكار تتصالح حينًا، وتتضارب حينًا آخر، وكلها لا تخرج عن النور الذي يبحث عنه سواء في النار الزرادشتية، أم في الدين الإسلامي عامة، أم في تلك الفرق التي تعرف إليها، وآمن بمعتقداتها، وما بعض الحوارات التي دارت بينه وبين شيوخه إلا للوقوف على أرضية صلبة من الإيمان واليقين، لذلك جاءت شخصية دارا في الرواية نامية متطورة متغيرة في بعض سلوكياتها وتفكيرها وتحولها، تبعًا لما يتغدى به وعليه من أفكار يستقيها من عدة مصادر بصرية وسمعية شفاهية، ومن القراءة في علوم الدين تحديدًا، فهي شخصية ليست مغلقة، وإنما تنمو عبر الصراعات الكامنة في المكان والزمان.


د.فهد حسين

ونحاول هنا تتبع هذا التحول قدر الإمكان، إذ بينت لنا الرواية دارا تكوّن نسيجه الاجتماعي والثقافي والديني تحت مظلة الديانة الزرادشتية حتى الخامسة أو السادسة عشرة تقريبًا، فأول ما بدأ التفكير خارج صندوقه الزرادشتي الذي أغلقه عليه أبوه، كان مع بعض أفكار (الرسول ماني)، وإن كان البداية فيها نوع من التواري، وعدم الإفصاح الكامل بأهمية تعاليم ماني إلا من خلال تعاليم زرادشت، فيقول: " فكرت في أقوال الرسول ماني، الإعجاب بدأ يكتسح تفكيري، ليس ماني إلا خلفًا لسيدنا زرادشت، الاثنان كشفا النور والظلمة في حياة البشر – ص78 "، بل حينما سأل دارا المانوي عن التخلص من ظلمة الجسد قال له: " أن يتحرر الجسد من تراث الأديان المحرفة، ليرجع إلى طبيعته النورانية - ص79 "، مما جعل دارا يعيد التفكير في موت ماني بوجود تلك المعلومات التي سردها المانوي على مسمعه في ظل الحياة السياسية والاجتماعية وتقلد المناصب، فبعد موت ملك الملوك (شاهبور)، وتنصيب الحفيد (بهرام)، والدور الذي كان يقوم به لحماية الطائفة الزرادشتية، حيث " قام كبير الموابذة (كردير) يغرر بالملك الشاب كل ساعة للفتك بالرسول ماني مدعيًا كفره بتعاليم النبي زرادشت، حتى زفت ساعة البلية، قيدوا الرسول ماني في الحديد، وعذبوه لمدة ستة وعشرين يومًا.. تحمل الرسول آلامه في صمت، لم يطلب الرأفة به، حتى فارقت روحه السامية جسده المضرج بالدماء، الذي حشاه الموابذة بالتبن، وعلقوه على بوابة المدينة لثلاثة أيام – ص75 "، لأن الطائفة الزرادشتية، والموابذة تحديدًا لم تعترفوا بماني، إذ " أنكر الموابذة رسالة ماني، فأصبح بالنسبة للفرس مثل عيسى بالنسبة لليهود – ص80 "، وهذا الانكار، وعدم الاعتراف هي طبيعة بشرية، فعادة ما يرفض الإنسان الجديد أو المخالف لما تعود عليه ونهجه في حياته، فكل الديانات السماوية تصدت لها أقوام التي نزلت لكي تخرجهم من ظلماتهم إلى النور الذي ينشده الإنسان نفسه، ويغير حياته للأفضل، لهذا بدأت أفكار ماني تتغلغل في تأملات دارا وتشغل تفكيره، " دوختني أفكار المانوي، انتهت سكرة الهوما التي شربتها في هيكل النار، كنت تحت مفعول صحوة جديدة.. فقد منحني ذلك الصعلوك الشجاعة لأفكر وأشك وأراجع قناعاتي - ص 83-82 ".



منذ كان دارا صغيرًا وهو مهتم بالمطالعة والقراءة، وإن كانت آنذاك محصورة في تعاليم الديانة وما يقدمه والده من معارف تتعلق ببعض العلوم، لكن كلما تفتحت مداركه زاد شغفه بالاطلاع والمزيد من المعرفة، فاتجه إلى كتب أخرى، ألم يقل بلسانه: " خرجت لسوق وقعت في حبها، كان زقاق الوراقين البقعة المفضلة لي، لا أملُّ دكاكينه، أقلب في الكتب حتى أبتاع واحدًا، أركض به إلى غرفتي، أعتكف به، وحين أنتهى منه، أخرج للوراقين مرة أخرى، وهكذا لفتتني أشعار الشيرازيين، وقرأت كتبًا غريبة في العطارة، وأخرى سخيفة لمسلمين يفسرون الأحلام – ص92 "، وهنا يضعنا الكاتب تحديدًا في مجهر النقد الذاتي تجاه ثقافتنا، وما كانت تنتجه وتصدره، وما قدمه علماء التفسير، مثل: أبو بكر محمد بن سيرين البصري، وعبدالغني بن إسماعيل الدمشقي (النابلسي)، وخيل بن شاهين الظاهري، وغيرهم، لكن ثقافتنا العربية لم تقف عند هذه الكتب، وهذا الموضوع، وإنما لها مساهمات كثيرة ومتعددة، وبالأخص في العصر العباسي الذي ازدهرت فيه الترجمة والتواصل مع الحضارات الأخرى، الفارسية واليونانية والهندية.

وأول تحوّل لدارا حينما حلّ في شيراز، وعمل مساعدًا للعتال (الآشوري)، حيث كان منذ الصباح الباكر حتى المساء يعمل على حمل الصناديق، ونقل البضائع، لكنه خبر المكان والناس والسوق، وأهل المنطقة، والتجار، وحركة المشترين، والباعة وهتافاتهم الإعلانية من أجل تجميل هذه السلعة أو تلك، وجعلته هذه المهنة أن يقف على استنشاق الروائح المنبعثة داخل البازار من الحيوانات، ومن التوابل والبهارات، ومن المأكولات، وأدخنة الشواء، ومن العطور، ومن العلاجات التي تقدم في البيمارستان والعطارين – ص100.

وعبر المشاهدات يتساءل دارا كيف ينبغي أن يراه الإنسان الصادق المخلص المؤمن بعدالة الإنسان، وكيف يترجم ثقافته وعلمه ودينه ليكون سلوكه مؤشرًا تفكيره ومعتقداته، هكذا استطاع بما يحمله من وعي وتفكير وقراءة الشخصيات معرفة أحوال الناس في شيراز، " أعرف المؤمنين من أفعالهم الخيرة، وليس من قنوتهم، الرحمة هنا ليس شعر نبي أتلوه في صلاة، ليس دعاء أردده بصوت شجي، بل أن أساعد أعمى في الطريق، أن ألعن الشيطان يعني أن أشتري بضاعة لا أحتاج إليها من أم تحيط بها أفواه جائعة، المحبة ليست مائدة للمؤمنين في يوم عيد، إنما هي أن أساعد جريح، أن أدفن حفرة من طين خلفها المطر، صرت ألمس حكمة السماء في أرزاق توزعها على الخلق كل يوم، وأدركت أن الإيمان في البازار هو تصديق بلقمة تسد الجوع في آخر النهار – ص101 "، وهذا ما تؤكده التعليم الإسلامية، لذلك كان الإمام زين العابدين عليه السلام يطوف بين الأحياء والبيوت ليلاً يقدم المؤن والمساعدات للفقراء واضعًا احتياجاتهم عند الأبواب، ولم يعرف ذلك إلا بعد وفاته وانقطاع المساعدات، هكذا هي التعاليم الدينية السماوية أو الوضعية، فكلها تنادي بمساعدة المحتاج وسد رمق الظمآن والجائع، فــ " الدين أقر بالفروق بين البشر، ولكنه لم يجعلها موضوع تفاخر، بل أكد على الجوهر الروحي للإنسان بصفته الفيصل في الحكم عليه - جوليان بيندا، خيانة المثقفين، ص13"، وهنا تقدم الرواية نصوصًا إرشادية ووعظية، ولكن بأسلوب فني غير مباشر، وليس تقريريًا مباشرًا، في الوقت الذي نجد عند عدد من الكتاب العرب علامات التوجيه والإرشاد مكشوفة ومعلنة، وكأن كاتبها يريد القول أنه متعمد هذا، لكن هنا في الرواية التي أكدت على العديد من النصوص الدينية وبثها الكاتب في فضاء النص جاءت بحسب ما أرى بشكل طبيعي وسلسل دون تكلف.


الروائي عقيل الموسوي

ومن تلك التحوّلات، حين أخذه الشيخ سعدي إلى أحد رجال الدين ليتعلم منه بعض المسائل الدينية، ويحفظ القرآن الكريم، فانخرطت في حلقة الشيخ مرادي، وعرف أن الدين الإسلامي يؤكد ويأمر بالقراءة، " كانت القراءة طريقي إلى المعرفة، وصارت في الإسلام أمرًا إلهيًا، (اقرأ باسم ربك) – ص142 "، إلا إنه لم يستمر مع الشيخ المرادي، فأخذه الشيخ سعدي مرة أخرى إلى الشيخ البلخي لينهل من علمه، " أخذني الشيخ السعدي إلى حلقة درس في الجامع العتيق يقوم عليها الشيخ البلخي، عجوز طاعن في السن من مدينة لبخ في خراسان ... ص142 "، ولم يستمر معه؛ لأن البلخي نفسه محاصر من قبل بعض الناس المؤمنين بطريقة متزمتة في الدين تختلف عنه، من أهل البيضاء، يحاولون هؤلاء مجادلة البلخي، ومحاصرته بالأسئلة الشائكة، وحين يشتّد الحوار لتبدأ اللعنات والتهكمات على شخصية الشيخ البلخي، وهذا دليل واضح على عدم قبول الآخر المختلف، الذي تكشف الرواية، وهو طبيعة الخلاف بين الطوائف الدينية في الإسلام، فكل طائفة لها شيوخها وتعاليمها التي تراه صحيحة، وأنها مستمدة من القرآن والسنة، وكأن هذه الطائفة أو تلك تدعي القول الحق دون غيرها، أو التقليل من شأن الأخرى، أما دارا فقد درس وتعلم يد الشيخ البلخي، وعرف منه بعض الفرق كالمعتزلة، والأشعرية التي ولدت من رحمها، وما جرى لهذه الفرقة أو تلك بسبب السياسة والخلاف في التأويل والتفسير لبعض النصوص الدينية.

كل تحوّلات دارا لم تكن محض صدفة، أو رغبة في التحوّل، وإنما هناك تداعيات ومسوغات وأسباب عاطفية وعقلية ومنطقية أسهمت في هذا التحوّل، الذي يزيد من نسبة الإيمان لديه، وقوة الإقناع، وبخاصة بعد قراءته لكتاب السهروردي (حكمة الإشراق)، وتفسيرات لمفردة النور التي كان دائم البحث عن معانيها ودلالتها، لهذا ففي الوقت الذي كان دائم التفكير، انتقل إلى عالم التصوف على يد حسن في الخانقاه، ليقف على طبيعة فرقة التصوف، وشعاراتها، وطقوسها، وحياة أفرادها على اختلاف أدوراهم ومناصبهم، وعرف كيف ينبغي لنفس تحمل الفقر والعوز والجوع، حتى عملية التسوّل تغير مفهومها عنده، ولم تعد خصلة مشينة كما كانت في يزد، " أستغرب كيف تغيرت قناعاتي، كان التسول في يزد يعني وصمة عار، وأصبح اعتياديًا في جامع شيراز العتيق، ثم أمسى ضرورة في الخانقاه، والآن غـدا لي عرفًا أخلاقيًا مكملاً لحالة إيمانية راقية – ص160 "، ومن هذا المنطلق والتفكير المستمر في طبيعة عالم التصوف وأناسه، بدأت حياته في التغيير الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، بدءَا من الجسد وتعوده الدائم على الصوم والعبادة، " جاهدت جسدي بالصوم والسهر والتهجد، لأمنعه أن يصبح ضحية للشيطان – ص164 ".



في سياق هذا التوجه الصوفي باع دارا كل شيء يملكه، البيت والجمال، وتصدق بكل أمواله، وفضل العيش في الخانقاه، ومارس التسوّل بغية الإحساس والشعور بالفقراء، وعذابهم ومأساتهم، وهنا نتساءل: هل ما قام به دارا أمر طبيعي، ومقر من قبل هذه الفرقة الصوفية؟ حيث لا أعتقد هذه الممارسات هي من نسيج تلك الشرائع الدين الحقيقي، بل أن الحياة لا تستقيم، ولن تتطور في ظل هذه المعتقدات والقناعات في ظل وجود العديد من الآيات القرآنية الكريمة التي تؤكد على العمل والبناء مع عدم الإسراف، ولكن بتلك الطريقة التي أقدم عليها دارا فهي في تصوري غير مقنعة، ولا تتوافق والتعاليم الدينية حتى لو نادت بها الصوفية، ويشير روبرت ديفز إلى أن " الصوفيين بمثابة فرقة ماسونية أو روحانية قديمة، لم يستطع أحد أن يتتبع جذورها الأولى، أو يحدد تاريخًا لبدايتها، بل لم يهتموا هم أنفسهم بالانشغال بمثل هذه الأبحاث، واكتفوا في هذا الصدد بالإشارة إلى ظهور طريقتهم في التفكير في أمكنة مختلفة، وأزمنة متباينة، وقد يظن الكثيرون أن الصوفيين عبارة عن فرقة إسلامية، لكنهم موجودون في صميم كل الديانات - إدريس شاه، الصوفيون، ص25 "، أما الروائي فقد اكتفى بسرد الأحداث من دون أن يقدم نقدًا أو تأويلاً مخالفًا، وربما لعدم ظهور راوٍ رئيس آخر غير دارا يقدم رؤية أخرى غير التي قدمها الراوي الرئيس، أما حالة دارا المصابة بالتغيير، فباتت في وضع مأساوي، لأنه: " في عيون الأطفال كنت مجنونًا، وفي عيون الرجال كنت أضحوكة، وفي عين حسن كنت مجذوبًا – ص166 ".

والسؤال المتبرعم هنا، أين دور الشيخ سعدي تجاه دارا الذي أخذته تعاليم الصوفية إلى فقد تجارته وأمواله ومنزله؟ لم لا يقف معارضًا له؟ لماذا لم يرشده بتعاليم دينية تؤكد دوره تجاه الدين والناس عامة والفقراء؟ ولا شك أن الشيخ سعدي على علم بظروف دارا في شيراز عامة، والخانقاه بشكل خاص، كما أنه لماذا لم يستشر دارا نفسه شيخه كما فعل حينما سأله عن وضع الشيخ البلخي؟ وهذا يأخذنا إلى إشكالية أخرى، وهي: هل الصوفية ورجالها وفلسفتها وتعاليمها وقواعدها محصورة في هذا البعد من الممارسات والأفعال؟ أي كأننا هنا نقارن بين طبيعة الصوفية في البلاد العربية التي تتباين بين منطقة وأخرى، وطريقة الفهم والممارسة التي تباينت في طقوس الحلقات والغناء، ولبس الخرز، وربما يصل الأمر إلى ما يشبه الشعوذة عند جماعة صوفية معينة، وبين الفلسفة والفكر والنتاج الفكري الذي استطاع إقناع العديد من الناس ليس في العالم العربي فحسب، بل في الدول الغربية أيضًا عند جماعة صوفية أخرى، والسؤال الآخر: هل استطاعت ممارسات التسول والجوع في استقطاب الناس لهذه الفرقة؟! أليس هذا يؤثر على فلسفتها التي تؤكد على النورانية القلبية والعقلية؟ ولكن كيف يكون هذا، وشيوخها يرفضون من المريدين عدم القراءة والاطلاع؟ " لا يحب الشيوخ مريدين يقرأون الكتب، ينبغي على المريد أن يأتي بعقل عار، يملأه له الشيخ بالكشوف والمعارف – ص174 ".



بيّن دارا علاقة المتصوف بالقراءة، وهو الشيء المتناقض مع تعاليم الدين نفسه، فعلى الرغم والمريدون أنفسهم تلبدت عقولهم وتجمدت عواطفهم، وتقولبت على ما صنعه شيخ المتصوفة لهم، فهم لا يزورن الكتب المهجورة في كتابخانه، " ولا يعبأون بعلوم الدنيا، يخمدون تفكيرهم، يفتحون قلوبهم على السماء.. هجروا الكتب وقالوا أنها عائق، إنها صراعهم الأولي بين طريقي القلب والعقل – ص175 "، وعلى الرغم أن شيوخ المتصوفة الكبار حسموا الجدل بين العقل والقلب بالقول: " لا ينبغي للعقل أن يلغي ما يشعر به القلب، كما لا ينبغي للقلب أن يستخف بما يستنتجه العقل – ص176 "، فإنه لايزال عند بعض رجال الدين الذين لا يرغبون من المريدين أن يلجأوا إلى كتب غير التي هم أنفسهم يقررونها لهم، حتى والد دارا كان يشير صراحة أو تلميحًا لابنه بذلك، " كنت أجهل تاريخ فارس الحديث، أوحى لي أبي أنه غير مهم – ص176 "، لكنه بعد حصوله على كنز الكتب، عكف على قراءة ما وصل إليه، وبالأخص تلك الكتب التي تناول التصوف، أو التي كتبها متصوفون، مثل: منطق الطير للعطار، ومنازل السائرين للهروي، واللمح في التصوف للسراج، وغيرها.

إن المعرفة، وقراءة الكتاب رفيقان لدارا، فحين دخل سوق شيراز عرف دكاكين الوراقين، فاشترى منها الكتب، وقرأها، وعندها وقعت عيناه على محزن الكتب في (الخانقاه) بشيراز، نهل منه ما استطاع، وقبل رحيله إلى نيسابور، حمل (القران الكريم) عن طريق الشيخ سعدي، وقبل هروبه من بطش جيش هولاكو في نيسابور، حمل كتاب (منطق الطير) بعد استشهاد الخواجة العطار، وها هو في قائين يدخل المكتبة، ويطلع على محتوياتها، " أخذني الشيخ أبو حسنين إلى مكتبة القلعة التي يقيم فيها – ص235 "، وحينما رأى الكتب في أمكان متعددة مركونة بين صخور القلعة وجدرانها، زاد إعجابـه بهذا الاهتمـام، وكأنه يعضد كلام الجاحظ حين قال: " كانت العجم تجعل الكتاب في الصخور، ونقشًا في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان - الجاحظ، المحاسن والأضداد، ص18 "، ومع بقائه في المكتبة وقراءة الكتب والاطلاع عليها، توصل إلى قناعة أخرى غير التي ترسبت عند وهو خارج من نيسابور، فقد صرح إلى نفسه بصوت مرتفع داخلي قائلاً: " لن أقنع بعد اليوم بكتب الفقهاء، فقد أمسيت جزءًا من قصة الإسماعيليين، أدرك في أعماقي أنه لا سبيل لي لتغاضي عن نور سماوي تتحدث عنه كتبهم، نور يشبه ما أبحث عنه عند قطب الأقطاب .. ص237"، وفي هذه المكتبة تعرف على شخصية الشيخ الطوسي من خلال كتبه، إذ عرفه كما أخبره أبو حسنين أنه " عبقري فلكي فذ، عالم متكلم، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه – ص241 ".

يشير الجاحظ في كتابه (المحاسن والأضداد)، أن العجم اهتموا بتشكيل حضارتهم وحفظ ثقافتهم من خلال بنيان المدن والحصون، واشتهرت بذلك، مثل: مدينة اصطخر، والمدائن وغيرهما، وهو ما أشارت إليه أحداث الرواية التي بينت من خلال القلاع التي تحصن فيها الإسماعيليون، كقلعة قائين وألموت وكردكوه، وفي الوقت نفسه يعني أن بلاد فارس لم تهتم بالكتب والمخطوطات، والمكتبات، بل الاهتمام كان واضحًا في وصف دارا إلى هذه القلاع وأمكنة تخزين الكتب، كما أن بلاد فارس اليوم فيها من المكتبات الكبيرة التي تضاهي كبريات المكتبات العالمية،مثل: مكتبة مرعشي النجفي، وهذا ما حاولت الرواية التركيز عليه، وبينته في مسيرة دارا وتنقلاته، وعلاقته بالقراءة والبحث عن المعرفة، وفي سياق أهمية الكتاب، فقد بيّن الجاحظ بعض أقوال الحكماء في الكتاب المذكور آنفًا، فقال: " الكتب بساتين العلماء – الكتاب جليس لا مؤونة له – ذهبت المكارم إلا من الكتب – الكتاب وعاء ملئ علمًا، وظرف حشي ظرفًا، وإناء شحن مزاجًا - الجاحظ، المحاسن والأضداد، ص20 ".


هولاكو

وكما شاهد دارا مكتبة في قلعة قائين، وجلس مستمتعًا بين الكتب يقرأ ما استطاع الوصول إليه في تلك الفترة الوجيزة، رأى في قلعة ألموت مكتبة أخرى زاخرة بالكتب، " ثم وجدنا أنفسنا أمام خزائن كتب عظيمة في مكتبة ألموت الشهيرة .. اندفع الشيخ الطوسي نحو رفوف متراصة بكتب مجلدة بعناية فائقة، لمسها بحنان خائفًا على مصيرها، ثم قطف بعضها ووضعها في جرابه – ص265 "، وفي همدان لم يترك شغفه بالكتب والقراءة حتى يفتر، وإنما مجرد وقت يستعيد فيه سحته النفسية والجسدية، ويعود إلى نشاطه، فبعد تردده إلى الخوانق، توقف ليعود إلى الكتب والقراءة والاطلاع، فهي ديدنه الأول والأساس، " هجرت الخوانق، ورجعت أقذف نفسي في الكتب، ليس تقية، بل عودة إلى أصل، الكتب هي منهجي القديم، تحلّق بي من حال إلى حال، من دونها تصبح حياتي خالية من التأمل – ص302 "، حيث الكتاب باق ما بقي الدهر، ويتمتع بقراءته والتزود بمعارفه جيل بعد جيل.

تعود الذاكرة بدارا إلى دور الكتاب في حياته، وكيف أثر عليه إيجابًا، فكان صديقه، ومعينه، وطبيبه المداوي، لذلك يعترف بأهمية الدور الذي يقوم به الكتاب قائلاً: " سفر الياسنا أعانني في وحشة أول غربة لما خرجت من يزد، والقرآن الذي مررت من تحته قبل أن أغادر شيـراز خلصني مـن أهول الصحراء الجـرداء، وكان مصيري الموت في نيسابور لولا بركـة خاصـة من كتاب منطق الطير، استعدت ذكريات تـلك الكتب المباركة، وتأملت نهج البلاغة بين يدي، هـل أنقذني هو الآخر من نار الجويني في ألموت؟ - ص302 – 303 "، وتأخذنا أحداث الرواية إلى ما حصله الشيخ الطوسي من قبل هولاكو، ففي أثناء تقليد هولاكو المناصب الإدارية والفنية، وتوزيعها، أعطى الشيخ الطوسي المكانة المرموقة وقلده قلادة (البايزة)، جعل دارا أكثر قربًا إليه، فسجله ليكون خازنًا لمكتبة رصدخانه التي أقيم كمرصـد فلكي يحقق طموح الشيخ الطوسي بصفته عالمًا فلكيًا، حيث بدأ دارا عملـه إعداد الكتب والمخطوطات، ورصهـا وترتيبهـا، بعد ما شيّـد النجـارون رفوفًا من الخشب، حيث " رتبت الكتب بحسب فهارس مواضيعها: الفلسفة والفلك والطب والرياضيات وعلوم الدين.. ص317 ".

وتؤكد الرواية منذ بدايتها حتى نهايتها، أن دارا طوال رحلته وتنقله المكاني والمعرفي والديني، والمتاعب التي واجهها هدفها الأسمى الوصول إلى النور الذي يبحث عنه، وها هو يؤكد أن مغامراته كلها في عالم الروح ترجعه جميعها " إلى أصل واحد، نور المتصوفة هو نفسه نور الإسماعيليين، وهو نفسه نور الشيعة، تغيرت أسماء الطوائف وألقاب الشيوخ، وأوصاف الأئمة، وبقي النور هو ما سعيت إليه طوال الوقت - ص321 – 322 "، لكنه ومع الوقت والسنوات، والمزيد من القراءة والاطلاع عامة، وفي كتاب نهج البلاغة تحديدًا، أكد لنفسه قائلاً: " تعلقت بالإمام علي، ففي فلسفته يصبح تاريخي مع المتصوفة والإسماعيليين، وحاضري مع الشيعة مترابطين – ص324 "، ولأنه بات شيعيًا يؤكد ذلك بالقول: " تعلمت أن أمارس الدين لحظة بلحظة، مستمتعًا بتشيعي .. صارت الأنوار الأربعة عشر هي جماعتي – ص326 ".


113 عرض