دفاتر الوراق: مدونات زمن العزلة



العزلة خيار وحيد

لم يجد الروائي جلال برجس الفائز في الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2021 مناصا من العودة للعبة الخيال الأولى: (تقمص الشخصيات) حتى يدفع بطله (ابراهيم الوراق) للتعبير عن ضيقه ب(الوحدة) و(العزلة) التي استبدت به كما بنا في زمن أبرز سماته طغيان التكنلوجيا، وشبكات التواصل الاجتماعي: "أنا رجل وحيد لا طريق لي غير التي تأخذني من بيتي في (جبل الجوقة) إلى وسط البلد، حيث كشك الوراق الذي كنت أمتلكه. وحيد بشكل لا أدري إن استطعتم فهمه أم لا في مدينة عالية الضجيج" ص 10،....أمام ذلك لم يكن العالم في عين الوراق إلا عالما موازيا "للعالم الذي نعيش فيه بل إنه سيصبح ذات يوم عالمنا الوحيد، والذي سنتحول فيه إلى كائنات رقمية توجهنا كما الأغنام في المرعى أياد لا نعرف إلى من تعود" ص 13

وفي هذا العالم الموازي كانت ذخيرة ابراهيم الوراق الوحيدة للعيش وسيلتين:

الأولى: بقايا كتب قرأها في ذلك الكشك الذي آل إليه بعد رحيل والده، وتمت إزالته بقرار البلدية لمصلحة متنفذ (قرَّع نفسه كيف استسلم له، وفكر في قتله)، وبحجة توسيع الرصيف، رغم ذلك تساءل وهو ينغمس في مآزقه "كيف لم يتسن لكل تلك الكتب أن تجنبني ما حدث ! لقد بنت علي عالما اعتقدت معه أني عصي على السقوط، لكني بمجرد أن فقدت بيتي سقطت" ص 212 فرغم دخوله إلى عوالم كتبه إلا أنه يتبين لاحقا أن هذه الكتب تخاتله في فهم نفسه.

الثانية: الإنترنت الذي صار خبيرا فيه إلى الحد الذي يمكنه اختراق أي حساب، لذلك كانت صفحة الفيس بوك نافذته في عزلته، يتابع من خلالها شخوص الرواية ويتحاور من خلالها معهم، "حينما أغرمت بعوالم الحواسيب والانترنت وصرت متمكنا منها أدركت كم صرنا مكشوفين ! وكم تلاشت الأسرار، وما عدنا قادرين على أن نداري شيئا. نعم، العالم أصبح قرية واحدة لا أسرار فيها، وستحول كل شيء فيها إلى الكتروني، سطحي، تسهل السيطرة عليه، عبودية بشكل جديد، أنيق لكنه مرعب من الداخل" ص 298


جلال برجس

أياد خفية


في هذه الوحدة والعزلة لم يكن لابراهيم الوراق إلا الكتب التي أصابته بلوثة تقمص شخصيات عايشها في الروايات، وبرع في تقليدها على نحو غريب، "استوطنت شخصياتها ذاكرتي، وبت أقلد أبطالها" ص 14، لكن لعبة التقمص لم تكن لعبة مسلية دائما إذ قادته للوقوع في الكثير من المطبات والمآزق، بل للذهاب بعيدا حد اللصوصية والإجرام، انتهاء بالوقوع في قبضة جهاز الأمن، الجهاز نفسه الذي اتجه له يوما بمحض إرادته ليشكو ذلك الصوت الغريب القادم من بطنه، يد خفية كالتي قال عنها: "توجهنا كما الأغنام في المرعى أياد لا نعرف إلى من تعود" ص 13كان ذلك الصوت هو الموجه له طوال أحداث الرواية في فصام واضح بين ما كان يريد، وما كانت الإرادة القاهرة تريد، ولم يكن قادرا على ردها رغم ارتماسه في الماء بين حين وآخر (الحركة التي كان يرى أنها تكبح جماح ذلك الصوت)، كان ذلك التقمص ورطة الكتب التي تستحق الحرق، هو بوابة عبوره لعالم لا يمكنه الخروج إليه إلا كما يريد الآخرون له أن يبدو، مسلوب الإرادة من أي قرار "كم هو قاس أن تكتشف على نحو مفاجئ أن حياتك صنيعة الآخرين، وأنك لم تكن إلا مستجيبا لما يرونه الصواب" ص 83

بقيت الكتب وشخصياتها هي منظوره للعالم المتوحش من حوله، رغم تغير القرية والمدينة، "الأمر تغير، كل شيء تغير، البلاد، العباد حتى الهواء تغير فالعالم على مقربة من أن يرقمن حتى الإنسان ليضمن عددا ممن لا نراهم أن يسير الجميع في طريق واحدة اختطوها لنا، ما عاد يأتي إلى الكشك إلا عدد من الكتاب، والباحثين، وقراء ما يزالون يرون في الكتاب بابا يطل على الحقيقة. عندما أزالوه قرأت أن بعض رواد التواصل الاجتماعي قد احتجوا إلى إزالته، لكن بعد مضي أسبوع ما عاد أحد يتحدث بما جرى، إنها ذاكرة السمكة" ص 32 إنه اغتراب الإنسان إذا، وهو ما جعله شخصية مهزوزة ترى كل شيء حولها على نحو مريب، يتلبسها الخوف بشكل مستمر، إلا حين يتقمص، وهو ما جعله يدخل سلسلة المغامرات فعلى تلك الشخصيات كان يعول في الفعل، أما بدونهم وحين يعود لنفسه التي خسرها فإنه لن يتمكن من القيام بأي فعل، سوى فعل التدوين في تلك الدفاتر كما سيتكشف للقارئ لاحقا.

لعبة التقمص

(العزلة) كانت كانت وصية جاد الله والد ابراهيم، وهي إرثه الذي اكتسبه منه، كانت هي المغزى الأبرز لهذا العمل الروائي، لكن (دفاتر الوراق) كشفت عن مواقف عديدة تجاه ظروف حياة الوراق، ليس بوصفها نصا مغلقا على إشاراته فحسب بل سنكون مضطرين لدراسة تلك النصوص التي انفتح عليها الكاتب في كتابته للشخصية، والتي بلغت أكثر من خمسة عشر نصا وشخصية مع كل قناع كان يرتديه ذلك البطل من بينها طبعا...(ديوجين) اسمه الذي اختار دخول الفيس بوك به، لكن أيضا من بينها شخصيات أخرى (الدكتور فالنتيني في رواية وداعا للسلاح لهمنجواي)، (أوسكار ما تزيراث في رواية طبل الصفيح لغونتر غراس)، كما كان القائد (فريدريك هنري)، (وسعيد مهران في رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ)، (كوازيمودو في أحدب نوتردام لفكتور هوجو)، (الأمير نيكولا يفيتش ميشكين في رواية الأبله لديستوفيكي)، (دكتور زيفاكو لباسترناك)، (مصطفى سعيد في موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح) ....الخ

كانت لعبة التقمص أقصى ما يمكن أن يمنحه الكاتب لبطله، والحيلة الوحيدة التي دفعنا من خلالها للتصديق مرة بعد أخرى بأن المرء لن يكون إلا نفسه، وأن نهاية كل تلك الأقنعة الانكشاف، ومآل ذلك الهروب الاصطدام بالجدار يوما، ولا سبيل إلا العودة لما يجب أن تكون عليه منسجما مع حقيقتك وصوتك المغيب.


فيودور دوستويفسكي

الواقع عاريا

سوف تجد في حديث الوراق بوضوح نقده لسطوة المتنفذين على البسطاء، وتعريضه بنفاقهم أمام الملأ وفي العلن أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، عن الفساد وتلاشي الطبقة الوسطى، وفي حياته ستقرأ ظروف عسف السلطات بالسياسيين، وفي مجتمعه سطوة الدين ومصادرته لحريات الناس خصوصا وضع المرأة، ستجد الفقر وطغيان الأثرياء، والتفاوت الطبقي في المدينة الواحدة، وحياة مزرية يعيشها ضحايا ذنبهم الوحيد أنهم يدفعون ثمن أخطاء غيرهم، لذلك كانت آلام (ليلى)، و(سلام)، و(ناردا) هي آلام ابراهيم فكلهم سخط على (والده) كلهم تمنى قتله، كلهم شكا الوحدة.

لقد اعتزلوا العالم الذي "يسير بسرعة مرعبة إلى الهاوية، استولت البنوك والمؤسسات المالية على جزء كبير من رواتب الناس، باتت الشوارع تعج بالسيارات المرهونة للبنوك، وكثير من الشقق السكنية تم شرائها بالدين، كثرت النساء اللواتي أخذن يبعن أجسادهن، كثر الذين يمكنهم أن يقتلوا لأجل بضعة دنانير" ص 128

فشلت أجهزة الدولة في إخراج الوراق من أزمته النفسية المستعصية، إذ لم تكن المشكلة في هذه الدولة حصرا بل هي أزمة كل دولة، كذلك فشل إمام المسجد حين قرأ عليه آيات القرآن في حل معضلته، كما فشل الطبيب الذي كان هو نفسه ضحية مثله لذلك تعاطف معه دون أن يتمكن من علاجه، وأخيرا ما كان أمامه سوى أوراقه "حملت دفترا اعتدت أن أدون فيه الكوابيس وشرعت أكتب ما رأيت، كنت أعلم أني أفعل ما يقوم به طبيب يخرج رصاصة من جسد شخص ميت، أوهم نفسي بالنسيان رغم يقيني من أن بعض ما جرى لنا يصير كبذار لنباتات ضارة، كل ما يحدث في لحظة التجاوز أننا نمنع الماء عنها، لكن ما الذي يمكن فعله لواحد مثلي شتاءاته الداخلية كثيرة ولا تنتظر الفصول" ص 51


تدوين الذاكرة

في ذلك الدفتر دون صوت الذاكرة والتاريخ والحقيقة التي نواريها نحن البشر، ونرفض له الظهور لأننا لا نتمكن من مواجهة تبعاته، إذا أردت أن تعرف ابراهيم الوراق فأصخ السمع جيدا، لصوته المكبوت الذي يعبر عن حقيقته كإنسان وكفرد في ذلك المجتمع "هل تعلم أن أكثر ما يمكن أن يدمرنا في هذه الحياة هو عدم قدرتنا على البوح بما تخبئه الذاكرة؟" ص 168 لم يكن ذلك البوح إلا شهادة الوراق التي طالعتنا بها بها دفاتر برع الكاتب جلال برجس في إشراك الرواة في تدوينها.

يهتم هذا العمل بتلك الأصوات الداخلية التي تمثلنا فعلا، تمثلنا كأفراد وكمجتمعات، يحثنا على إبراز هذه الذات المقموعة، مع الحذر بأن الآخرين يتلبسون حتى صوتنا الداخلي، والأقنعة التي نرتديها قد تبرز أكثر مما يخفي، وتظهر أكثر مما تستر، ستجد الحقيقة في الدفاتر إذ كانت سجلات التدوين للحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنها دفاتر البوح وعدم النسيان وحفظ الذاكرة كما قرأناها ليس في دفاتر ابراهيم فقط، بل في دفاتر ناردا وهي تلامس تاريخ النكبة 1948، ونكسة 1967، الكتابة هي حبل نجاة، "عليك أن تكتبي لتنجي مما أنت فيه" ص216 هكذا نصح الطبيب ناردا

يدفعنا الروائي جلال برجس للوثوق في شخصياته أكثر من ثقتنا به، نحب المكتوب أكثر من حبنا للكاتب لذلك كانت (دفاتر الوراق) لا دفاتر جلال برجس، إنه المعنى الحقيقي لكتابة عمل لا يقف كاتبه خلف شخصياته، يمكنك التشكيك في روايته التي كتبت في سلسلة أحداث متلاحقة وربما غير مقنعة في إطار فنتازي، لكن من المستبعد أن تشكك في تدوينات الوراق، إذ معه ستعرف جدوى الكتابة، "المشاعر المكتومة لا تموت أبدا، إنها مدفونة وهي على قيد الحياة وستظهر لاحقا بطرق بشعة" سيجموند فرويد، أما مع جلال برجس فستكون مسكونا بسؤال إشكالي حول حقيقة المعرفة التي نستقيها من مختلف الروافد (الكتب التي حشدها مثالا)، هل نحن نقترب من الإطلال على واقعنا بكل انهياراته التي نعيشها، لنفهمه أم نحن نسطح التعامل معه ونجمح بالخيال بعيدا في حالة هروب دائم عبر سلسلة أقنعة نتقمصها، في غيبوبة طويلة الأمد تنسينا وتبعدنا.

مستويات الكتابة والفهم

إذا اكتفيت بمستوى الكتابة الروائية لهذا العمل فإن ذلك لن يمنحك سوى قناع جديد، يضاف إلى تلك الأقنعة التي تقمصتها الشخصية الرئيسة، ستار جديد تضيفه إلى نفسك، غشاوة تظلل بها عينيك، سيكون كتابا في عداد الكتب التي لم تمنع قارئها من السقوط – على حد تعبير البطل – حياة أخرى لكن من صنع الآخرين، الرواية تدفعك لتلمس مستوى التدوين داخل العمل، هو مستوى ثان مهم من الكتابة (عليك أن تكتب لتنجو مما أنت فيه) تدوين التاريخ، وواقع العزلة، والوحدة، وكل تلك الأوجاع التي ستجدها في دفاتر الذاكرة.

لا تستسلم للإثارة والفنتازيا في هذه الرواية، فهناك سلسلة أحجار يقذفك بها الكاتب يحرك بها بعض الرواكد: حياتنا من يصنعها؟ هل نحن مكشوفون في عالم اليوم لهذا الحد ؟عبيد نحن هناك من يوجهنا أم نملك فعلا قرارنا؟ هل صرنا فعلا كائنات رقمية منزوعة الإرادة؟ ماذا تبقى من ذاكرتنا ؟ وما الذي سيحفظ ما تبقى منها ؟ أي معرفة نملكها عن هذه العالم ؟ ... سيطول التأمل بالقارئ كثيرا لهذه الأسئلة

38 عرض