رأس المال في القرن 21… نظرة متعمقة لنظام مهترئ


في نهايات عام 2019، خلال الثلث الأول من شهر سبتمبر تحديدًا من ذلك العام، قدم الإيرلندي جستن بيمبرتون، مخرج الأفلام الوثائقية الحائز على عدد من الجوائز، فيلمه الوثائقي المأخوذ عن واحد من أشهر الكتب الاقتصادية، وهو فيلم "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" Capital in the Twenty-First Century.

ويستند الفيلم إلى واحد من أهم وأقوى الكتب الاقتصادية وأوسعها انتشارا وهو كتاب "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" Capital in the Twenty-First Century لمؤلفه الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي.

وقد أثار هذا الكتاب إبان نشره عام 2013 جدلا حادا بين اقتصاديي العالم، لكن الاقتصادية الأميركية وواضعة استراتيجيات السوق ستيفاني فلاندرز، كتبت مقالا مطولا في صحيفة الغارديان حول الكتاب، أشارت فيه إلى "أنه كتاب هام جدا ويجب أن يتفق الجميع على ما جاء فيه"، موضحة أن أهميته تكمن في تناوله لموضوع هام هو موضوع اللامساواة، مؤكدة أن المؤلف هو أكاديمي اقتصادي محترم وأن الأرقام الواردة في الكتاب لاثبات نظرية الكاتب هي أرقام حقيقية. ولعل أهم مزاعم الكتاب، كما تشير ستيفاني، هو: "أن عدم المساواة في الدخل قد ازدادت بشكل حاد منذ أواخر السبعينيات، مع حدوث ارتفاع كبير بشكل خاص في حصة الدخل الإجمالي التي تذهب إلى أصحاب الدخول الأعلى".



وتقتبس ستيفاني إحدى إحصائيات بيكيتي التي تصفها بأنها "الأكثر اقتباسًا" والتي "لم يشكك فيها أحد"، والتي تشير إلى أن 60٪ من الزيادة في الدخل القومي للولايات المتحدة في الثلاثين عامًا التي تلت عام 1977 ذهبت إلى المتربعين على قائمة أصحاب الدخل الأعلى التي لا تزيد على 1% من السكان، وأن القسم الوحيد من سكان الولايات المتحدة الذي كان أداؤه أفضل من هؤلاء هم الذين يشكلون نسبة العشر من قائمة الـ 1٪، وأن أعلى 100 شخص على قائمة الـ 1٪ حققوا الأداء الأفضل على الإطلاق.

وعودة إلى الفيلم، وبحسب موقع آي ام دي بي للإفلام، فإنه يقدم رحلة تفتح عين المشاهد على عالم الثروة والسلطة، وبأنه يفكك الفرضية الشهيرة التي تشير إلى أن تراكم رأس المال يسير جنبا إلى جنب مع التقدم الاجتماعي، وهو ما يسلط ضوءًا جديداً على العالم من حولنا وعلى اللامساواة التي تتفاقم فيه. يأخذنا الفيلم في رحلة عبر الزمن منتقلاً من الثورة الفرنسية ومن تحولات عالمية ضخمة، وصولاً إلى الحروب العالمية وانتهاءًا بعصر التقنيات الحديثة الذي نعيشه اليوم، مضيفًا إلى ذلك لقاءات ومقابلات مع أشهر الخبراء في العالم.

حول الفيلم نشرت صحيفة الغارديان مقالاً وصفته فيه بأنه "فيلم مرعب بتفاصيله الكثيرة" وبأنه "نظرة متعمقة لنظام مهترئ"، وبأنه يتميز "بمونتاجاته المذهلة والتعليقات الذكية التي يزخر بها".

وبحسب مقالة الغارديان "يروي الفيلم قصة مألوفة للغاية، لكنها شديدة الكآبة وقادرة على تخديرنا بشكل مروع، تماما كما يفعل مشهد سينمائي يصور بشكل بطيئ حادث سيارة بدون سائق، لكنه مأخوذ من زاية مقعد أحد الركاب".

ويواصل المقال "يزعم بيكيتي بأنه في القرن الحادي والعشرين أصبحت الثروة أكثر تركيزًا في شكل رأس مال مملوك من قبل قلة قليلة ممن يعيشون بسعادة على دخل هائل يتزايد باستمرار، تماماً مثل الأرستقراطيين الذين كانوا يعيشون في أوروبا في الفترة التي سبقت الثورات الأوربية والتي سبقت عصر بريطانيا غير الثوري. كما يزعم بأن القوى التي حفزت الثورة الصناعية سياسياً والحركات الديمقراطية الواسعة في القرن العشرين وهي: الصفقة الجديدة، ودولة الرفاهية، وتنظيم البنوك، وضوابط الإيجارات، وغير ذلك، تبدو الآن وكأنها صورة عابرة".



كما يشير كاتب المقال إلى أن الفيلم "يلقي في البداية نظرة سريعة على سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية السوفيتية، ثم يقدم مونتاجاً مذهلاً يصور رحلة انتصار الرأسمالية وتجاوزاتها الفظيعة، التي تشمل الاستثمار العالمي فائق الثراء في العقارات، تلك المنطقة التي حققت الحلم الريجاني المتمثل في اقتصاد "التسرب" “trickle down”: وهو ما يضخم أسعار العقارات من القمة إلى القاعدة، مما يعود بعوائد مالية ضخمة على الكهول، بينما يجعل امتلاك العقارات أمراً بعيدًا عن متناول معظم شباب العشرينات".

وبحسب نظرية "التسرب" فإنه يتم تقليص الضرائب على الشركات والأثرياء في المجتمع كوسيلة لتحفيز الاستثمار في الأعمال التجارية على المدى القصير وإفادة المجتمع ككل على المدى الطويل.

ويضم الفيلم تصريحات هامة جاءت على لسان مراقبين اقتصاديين من بينهم مؤلف الكتاب توماس بيكيتي نفسه، بالإضافة إلى الكاتبة الصحافية البريطانية جيليان تيت وهي محللة الأسواق المالية في صحيفة الفايننشال تايمز، وبول ماسون مؤلف كتاب (ما بعد الرأسمالية) Post Capitalism ، والمؤرخ الاقتصادي فرانسيس فوكوياما الذي وصفه كاتب مقال الغارديان بأنه "الذي لم تتأثر سمعته بمزاعمه التي أطلقها منذ ثلاثين عامًا بأن انهيار الاتحاد السوفياتي يعني انتصار الديمقراطية الليبرالية و"نهاية التاريخ"".

ويختم الكاتب مقالته داعيا عددا كبيرا من الدول إلى المصادقة على الاقتراح الوارد في الفيلم، وهو اقتراح بيكيني "بفرض ضريبة ثروة تصاعدية".


152 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email