زمن الأشياء: الوقوف على كتفي بروديل وماركس

المؤرّخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل

لا أعرف حتى الآن كتاباً يضاهي فرادة العمل الضخم الذي أنجزه المؤرّخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل (1902-1985)، وهو كتاب "البحر الأبيض المتوسط ​​وعالم البحر الأبيض المتوسط ​​في عصر فيليب الثاني". أراد بروديل، في هذا الكتاب وهو الأعظم والأشمل بلا جدال (تربو صفحات الترجمة الإنجليزية التي نحيل عليها هنا على 1300 صفحة)، أراد أن يكتب تاريخاً شاملاً ليس لأمة من الأمم، ولا لحضارة من الحضارات، بل لبحر اعتبره بروديل مجموعة بحار في بحر واحد وهو البحر الأبيض المتوسط في القرن السادس عشر. لبروديل عمل آخر يأتي بعد هذا الكتاب من حيث الطموح والاتساع والأهمية وهو كتاب "هوية فرنسا" الذي انتهى منه في العام 1981 (قبل وفاته بأربع سنوات). حاول بروديل، في هذا الكتاب، أن يضيّق الدائرة أكثر ليكتب تاريخاً شاملاً لبلد متوسطي واحد، وتحديداً لفرنسا كمكان وأرض ومدن ومقاطعات وأقاليم وحدود واقتصاد وسكّان وأمراض وهجرات. وفكّر، في البداية، أن يسمي هذا الكتاب الأخير باسم "الدورات طويلة الأجل في التاريخ الفرنسي"، إلا أنه عدل عن هذا الاسم الطويل والذي كان سيرضي غرور الكثير من الأكاديميين والمؤرخين والنخبة، لكنه لن يحظى، بكل تأكيد، باهتمام عموم القرّاء، في حين أن بروديل أراد في آخر عمره أن يقدّم عملاً يثبت جدوى طريقته في التأريخ من خلال "الاستناد إلى مثال متاح لجمهور واسع"، فكان هذا العنوان "هوية فرنسا" هو الأنسب لمثل هذا الغرض. إلا أن الحقيقة أنه إذا كان لبروديل من إسهام لا يُنسى في مجال التاريخ فإن هذا الإسهام سيكون هو ابتكاره لمفهوم "الدورات طويلة الأجل" longue durée أو "الزمن المديد" أو "الزمن العميق".


د.نادر كاظم

بدأ اهتمام بروديل بتاريخ البحر الأبيض المتوسط منذ العام 1923، وهو الاهتمام الذي تُوّج، في العام 1949، بكتابه الأشهر "البحر الأبيض المتوسط ​​وعالم البحر الأبيض المتوسط ​​في عصر فيليب الثاني". عندما بدأ بروديل العمل على هذا الكتاب في العام 1923 لم يكن في باله سوى أن ينجز أطروحة أكاديمية تناول إعجاب أساتذته في السوربون، ولهذا اختار موضوع "سياسة فيليب الثاني في البحر الأبيض المتوسّط". نالت الأطروحة إعجاب أساتذته كما توقّع، لكنه اكتشف لاحقاً أن "سياسة فيليب الثاني"، ملك إسبانيا في الفترة بين 1556 و1598، لم تكن سوى "قمم الرغوة التي تحملها أمواج التاريخ على ظهورها القوية"، مما يعني أن هذه الأمواج القوية ينبغي أن تصبح هي موضوع التاريخ لا مجرد خلفية أو ديكور لملوك إسبانيا و"سياستهم الشاذّة" آنذاك. لكن هذا الأمر يتطلب التحرّك خارج حدود التاريخ التقليدي من أجل كتابة تاريخ للبحر وأمواجه القوية التي تمتلك تاريخاً أكثر عمقاً وتجذّراً من الأحداث والملوك وسياساتهم.

توصّل بروديل، في النهاية، إلى فكرة ستغيّر فهمنا للتاريخ على نحو جذري، وهي تشرّيح التاريخ إلى أكثر من مستوى من مستويات الزمن التي تكوّن التاريخ الشامل للمكان وبشره وكائناته وشجره وحجره. وهو يميّز بين ثلاثة أزمنه، أو ثلاث طبقات متدرجة ومتراكبة طبقة فوق طبقة، حيث تكوّن الطبقة الأولى "الزمن العميق" أو "الزمن المديد" وطويل الأجل الذي يجسّد تاريخ الإنسان بعلاقته المشدودة إلى الجمادات، إلى الأرض والبحر وأشيائهما. وهو زمن عميق يضرب بجذوره في طبقات التاريخ البعيدة مكوّناً "الزمن الجغرافي والجيولوجي" للمكان، أي الزمن الذي يتجسد في تفاعلات الموقع والبيئة والمناخ وطبقات الأرض وموارد الطبيعة. ويتكوّن هذا الزمن العميق بإيقاع بطيء جداً، "وهو بطيء التغير، ويكاد يكون تاريخاً من التكرار المستمر، ودورات متكررة باستمرار"، وهو تاريخ شديد المقاومة للتدخّل البشري، ولهذا يبقى متحكّماً في المستويين الثاني والثالث من طبقات الزمن. ويتكوّن المستوى الثاني من الطبقة الثانية من الزمن المديد، وهو "الزمن الاجتماعي" أو التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي طويل الأجل لأمة من الأمم، وهو يتصل بتكوّن الطبقات الاجتماعية والجماعات والحضارات والإمبراطوريات وانهيارها والتحولات الديموغرافية والاقتصادية العميقة والحروب.


كتاب "البحر الأبيض المتوسط ​​وعالم البحر الأبيض المتوسط ​​في عصر فيليب الثاني"

لهذا الزمن "إيقاعات بطيئة لكنها محسوسة"؛ ولهذا فإن التغيير في هذا المستوى يكون أسرع بكثير من المستوى الأول، إلا أن دورة تغيره تمتدّ على مدى زمني طويل ويقاس عادةً بالقرون. أما المستوى الثالث من الزمن فهو "الزمن الفردي" أو "تاريخ الأفراد أو ما أسماه بول لاكومب وفرانسوا سيميند بـ"تاريخ الأحداث"، وهو تاريخ الاضطرابات السطحية" التي تتجسّد في الأحداث والوقائع التي ترتبط بالأفراد ومجريات الأحداث السياسية سريعة التغيّر، ولهذا يسميه بروديل بـ"الزمن الصحفي والإخباري بامتياز". إنه زمن الفاعلين الأفراد وهم يستغرقون بالكامل في أحداث "حياتهم قصيرة العمر وقصيرة النظر مثل حياتنا"، الأمر الذي يجعلهم – ويجعلنا كذلك - يتوهّمون أن الراهن الملتهب من الأحداث هو كل شيء، وأنه سيدوم طويلاً وربما إلى الأبد. يشبّه بروديل هذا الزمن بـ"الدخان الخادع الذي يملأ عقول معاصريه، لكنه لا يدوم، ونادراً ما يمكن تمييز ناره الملتهبة". وبحسب بروديل، فإن الزمن الفردي الحدثي (يمكن أن نسميه التاريخ الصغير) هو أكثر الأزمنة خداعاً بحكم أنه يحدث في زمن الأفراد، وأمام وعيهم وناظريهم، وفي مستوى مشاعرهم فرحهم ورعبهم اليوميين، إلا أن الذي يمسك التاريخ من قرنيه – إن صحّ التعبير – ليس هذا الزمن سريع التقلّب الذي يحدث أمامنا، بل هو ذلك الزمن المديد الذي لا نراه، لكنه يجري تحت أقدامنا دون أن نشعر مثل أمواج البحر "الخالدة".

يتركّب التاريخ، بحسب بروديل، كطبقات الأرض في الجيولوجيا، حيث يمثل المستوى الأول على الطبقة العميقة من قاع التاريخ، فيما يمثّل المستوى الثالث القشرة السطحية والخادعة وسريعة التقلّب من هذا التاريخ. ويقع جزء كبير من التاريخ السياسي في هذه الطبقة السطحية الأخيرة؛ لهذا يذهب بروديل إلى القول بأن "التاريخ السياسي دائماً كان يتركز على دراما "الأحداث العظيمة" التي تجري في فترة زمنية قصيرة". إلا أن وضع هذه "الأحداث العظيمة" في سياقها الزمني طويل الأجل والممتد على مدى قرون متطاولة من حركة التواريخ السياسية والاقتصادية والسكانية والاجتماعية والبيئية والجغرافية، كل هذا كفيل بأن يكشف لنا هذه الحقيقة، وهي أن هذه "الأحداث العظيمة" ليست سوى طَرفة عين في عمر الأزمنة المديدة.

إنه زمن الفاعلين الأفراد وهم يستغرقون بالكامل في أحداث "حياتهم قصيرة العمر وقصيرة النظر مثل حياتنا"، الأمر الذي يجعلهم – ويجعلنا كذلك - يتوهّمون أن الراهن الملتهب من الأحداث هو كل شيء، وأنه سيدوم طويلاً وربما إلى الأبد

هل هناك زمن رابع غير أزمنة بروديل الثلاثة: الزمن الجغرافي، الزمن الاجتماعي، الزمن الفردي؟ أتصور أن هناك زماً رابعاً سأسميه هنا "زمن الأشياء"، وهو زمن الأشياء التي يصنع البشر، لنفكّر في هذه الأشياء: الجسور، الشوارع، المعالم، المقابر، الساحات والميادين وغيرها. تشترك كل هذه الأشياء في كونها أشياء من صنع البشر، لا أشياء طبيعية وجدت بمعزل عن إرادة البشر وتفكيرهم وفعلهم. الأمر الذي يعني أنها أشياء تمتلك زمنها الخاص، وهو زمن لا يبدو أنه يقع في أي مستوى من مستويات أزمنه بروديل الثلاثة. فإذا كان الزمن الفردي هو زمن الأفراد، والزمن الاجتماعي هو زمن الجماعات والطبقات، والزمن الجيولوجي/الجغرافي هو زمن الأرض والتضاريس والمناخ، فإن زمن الأشياء، مصنوعات البشر، لا يقع في أيٍّ من هذه الأزمنة، فزمنها ليس فردياً لتتلاشى بموت أصحابها (صُنّاعها ومستخدميها)، ولا هو زمن تكوّن الجماعات والطبقات والكيانات الجماعية الكبرى، ولا هو زمن الأرض والتضاريس والمناخ وبقية أشياء الطبيعة. صحيح أن الأفراد من البشر هم من يبتكرون هذه الأشياء، وهم من ينفذّونها، وهم من يستخدمونها، وهم، كذلك، من يرمّمونها ليطول عمرها، أو يهملونها ليقصر هذا العمر، إلا أن هذه الأشياء تمتلك، في نهاية المطاف، زمنها الخاص؛ بدليل أن كل من ابتكر أو نفّذ البدايات الأولى لهذه الأشياء مات، فيما بقيت هذه الأشياء، أو امتدّ العمر بها وبآثارها على مدى زمني أطول من عمر أصحابها. لا تبلغ الأشياء البشرية، بالتأكيد، الأمد الطويل الذي يميّز الزمن الجيولوجي/الجغرافي، فتاريخ البحر والجُزر والجبال والهضاب والمناخ أعمق من تاريخ هذه الأشياء بكل تأكيد، إلا أن هذه الأشياء التي تأتي لتجاوز عقبة ما في أشياء الزمن طويل الأجل (ندرة الموارد واستعصاء التضاريس والمناخ) تمتلك كيانها الخاص الذي يعيد رسم العلاقة مع البشر وأشياء الطبيعة على نحو غير متوقّع.


كارل ماركس

إن أشياء البشر هي نتاج تفاعلهم مع أشياء الطبيعة، هذا صحيح، لكن هذه الأشياء ما إن تُصنع وتتجسّد ماديّاً حتى يتغيّر كل شيء في حياة البشر والطبيعة معاً. كان كارل ماركس قد تنبّه إلى ذلك من منظور اقتصادي، وذلك عند تحليله للعمل المغترب وظاهرة "الاغتراب" وما يحدث للعامل والعمل في ظل الإنتاج الرأسمالي للسلعة. بالنسبة لماركس، فإن "العامل لا يستطيع أن ينتج شيئاً من دون الطبيعة، من دون ذلك العالم الخارجي المحسوس. إنها المادة التي يتحقّق عمله عليها، وينشط فيها، وينتج منها وبواسطتها". إلا أن العمل أو إنتاج السلع (الاشياء) ليس مجرد عملية استثمار للعالم الطبيعي، أو عملية تحويل بسيطة له، بل هو عملية أقرب ما تكون إلى إعادة التكوين الجذرية بحيث يتغيّر بموجبها لا العالم الطبيعي الذي يعاد تكوينه عبر العمل فحسب، بل البشر أنفسهم حين يتحوّلون من ذوات إلى أشياء، إلى موضوعات وسلع تباع وتشترى، ترتفع قيمتها وتنخفض. إن ما ينتجه البشر من أشياء يعيد رسم العلاقة برمتها بين البشر والطبيعة عبر عملية يسميها ماركس التشييء objectification. يتضمّن الإنتاج، أي نشاط إنتاجي رأسمالي بحسب ماركس، تشييئاً من نوع ما، فحين يتجسّد العمل في مُنتج ماديّ، فإنه يمتلك كيانه الخاص المستقلّ بحيث تنبتّ الصلة بينه وبين العامل، بمعنى أن الأشياء (السلع) تصبح غريبة عن العامل على الرغم من كونه هو المنتج الفعلي لها. وما خلص إليه ماركس هو أن قيمة عالم البشر (العامل هنا) تنخفض كلما ازدادت قيمة عالم الأشياء (السلع). وبتعبير ماركس نفسه، فإن "العمل لا ينتج السلع فحسب، بل هو ينتج نفسه والعامل معاً بتحويل ذلك [أي العمل والعامل] إلى سلعة، ويتمّ ذلك بالمعدل ذاته الذي تُنتج به السلع بشكل عام".


"إن التشييء هو خسارة الشيء"، وهو يقصد أنها خسارة من جانب العامل بمعنى أن تحوّل الذات (العامل) إلى موضوع (شيء) هو البداية الفعلية لفقدان وخسارة هذا الشيء (العامل والعمل والسلعة معاً).

ما كان يعني ماركس في هذه العملية هو اغتراب العامل عن عمله وعن منتجاته بما يمثّله ذلك من خسارة للعامل الذي أصبح محروماً من أهم الأشياء ليس فقط في الحياة ولكن أيضاً في العمل الذي صار الحصول عليه مسألة بالغة الصعوبة (البطالة). وبما أن المعادلة صفرية هنا، فلا بد أن تكون هذه الخسارة ربحاً لطرف آخر، أما من هو هذا الطرف الذي يربح من خسارة العامل وتخفيض قيمته وقيمة عمله، فهم البورجوازيين أصحاب رؤوس الأموال (ويمكن أن يكون المستهلك كذلك لأنه سيقتني السلع بأسعار منخفضة). ولكن بمعزل عن هذه العواقب الاقتصادية التي لا تعنيني كثيراً هنا، فإن صنع الأشياء بحدّ ذاته هو خسارة لجميع الأطراف بشكل أو بآخر، لعالم البشر وعالم الطبيعة معاً. كان ماركس يقول "إن التشييء هو خسارة الشيء"، وهو يقصد أنها خسارة من جانب العامل بمعنى أن تحوّل الذات (العامل) إلى موضوع (شيء) هو البداية الفعلية لفقدان وخسارة هذا الشيء (العامل والعمل والسلعة معاً). إلا أن هذا ليس إلا الوجه الاقتصادي من التشييء، أما الوجه الآخر، لنسمّه هنا الوجه الوجودي، فهو أمر آخر. يمكن القول إن الرابح الأكبر، وجودياً، في التشييء هو هذه الأشياء ذاتها؛ لا لأنها لم تكن موجودة فوُجدت فحسب، أو إنها كانت في حالة طبيعية كموادّ خام وصارت في حالة أخرى كأشياء ذات معنى ووظيفة فحسب، بل لأن هذه الأشياء ما إن توجد (تتجسّد في أشياء مادية) حتى يتغيّر كل شيء من حولها من البشر إلى الشجر إلى الحجر، بحيث يصبح كل شيء مضطرّاً للتكيّف معها، أي لتغيير ذاته أو جزء من ذاته ليتناسب مع هذه الأشياء المصنوعة.

جاءت فكرة إنشاء أول جسر يربط بين جزيرتين في بلد مثل البحرين، على سبيل المثال، من أجل التغلّب على تلك الطبيعة الجغرافية المتشظيّة لأرخبيل يتألّف من 84 جزيرة وجُزيرة صغيرة. وجاءت فكرة الشوارع المعبّدة للتغلّب على تضاريس تلك الأرض المتعرّجة وغير المستوية وغير المؤهّلة لاستقبال القادم الجديد (السيارة) الذي غيّر كامل حياتنا كبشر ودوابّ وأرض على نحو لا رجعة فيه. يمكن، بالطبع، أن يصل استصلاح البحر إلى حدّ دفن كامل المساحة المائية الفاصلة بين جزيرتين بحيث تنتهي الحاجة إلى وجود أي جسر يربط بينهما، إلا أن هذه فكرة تبقى خيالية ليس الآن فحسب، بل حتى في المستقبل القريب على أقل تقدير. ولكن، ماذا يمكن لمثال الجسر والطبيعة المتشظية لهذا الأرخبيل أن يكشف لنا؟ لنضع في اعتبارنا أن هذا الأرخبيل تكوّن على مدى قرون طويلة منذ أن انشقّ عن يابسة الجزيرة العربية في زمن جيولوجي سحيق (100 ألف سنة يقلّ أو يزيد)، إلا أن أشياء البشر، سياراتهم وشوارعهم وجسورهم وحتى جشعهم الذي لا حدود له، صارت قادرة على التهديد بوضع حدّ لتلك الطبيعة العصيّة في هذا الزمن الجيولوجي/الجغرافي السحيق. الأمر الذي يعني أن زمن الأشياء (البشرية)، زمن الشوارع والجسور والمقابر والمعالم والأمكنة...إلخ، صار فعليّاً هو السياق الذي يمسك بكامل حياتنا ككائنات بشرية وغير بشرية، كأفراد وجماعات ودوابّ وتضاريس، أي إن تاريخ الأشياء صار، بالفعل يتحكّم في أزمنة بروديل الثلاثة معاً: الزمن الجغرافي، والزمن الاجتماعي، والزمن الفردي.

68 مشاهدة