سؤال الرواية والهوية* : بين الامتثال القسري والامتثال الحر

الروائي فريد رمضان


هل للحكاية معنى غير معنى السرد؟

الحكاية التي تقول لنا ما حدث للذين نعرفهم والذين لا نعرفهم، يأتون هكذا، كلما ذهبنا باتجاه الذاكرة والتخيل، تأتي الصور ويأتي الأشخاص والناس والألم والضحك، والجنس وكل شئ، فنكتب ثم نقول لكم هذه حكاية تبدأ من هناك، من المكان الذي لا نعرفه، من الرائحة التي تسكن التاريخ والمجتمع.

تحتمل الكتابة في صميمها كل حدة الواقع وصراعاته، ومن يعتقد غير ذلك عليه أن يأخذ الكتابة وعظامه نحو الهاوية. الكتابة مقاومة ضد الموت وضد السمات العامة والثابتة لأي مجتمع، الذي يتغير حيث تتغير الدلالات وتتغير المواقف. حيث الكتابة مرواحة بين الذات وفهم تاريخها، وبين الذات والآخرين الذين لا يعون معنى الزمن والتاريخ المتغير، حيث تنكشف الأشياء على معاني أخرى غير السرد، وغير اللغة، وغير الحكاية. تضحى الكتابة مواجهة شرسة، احتدام شرس بين ذات الكاتب والواقع، هذا الاحتدام هو الذي يجعل للكتابة معنى ضد الزمن وضد الموت، ومع فهم الذات والتاريخ في سيرورته المستمرة.


لذا، فإن الحديث مرة أخرى عن سؤال الرواية والهوية، هو ذهاب نحو فهم المجتمع من منطلق غير مثالي. منحازين لتكوينات التحول والتعدد. ألم يقولوا إن الرواية تأتي حين تتعقد الحياة والمجتمع، ولأننا في مجتمع يدار بمفهوم القبليّة والجماعات والمذاهب والطوائف، ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين. ففي الوقت الذي نعي فيه ضرورة تحررنا من الولاءات التقليدية، في مرحلة سياسية تدفع بحلم الديمقراطية، نرى غير هذا يحدث، ذلك أن البنى والتنظيمات والمؤسسات تعمل على عرقلة هذا التحرر، كأن تصر الحكومة والنظام الاجتماعي العام على التعامل مع المواطن كونه عضوا في الجماعة والطائفة والقبيلة، أكثر مما يدفع به على اعتباره مواطنا حسب منظومة الدستور، التي عليها أن تضع هذا الفرد وهذه الأنا على درجة متساوية في الحقوق والواجبات.


-2-


إن مشروعاً يبحث في فهم الهوية البحرينية، هو مشروع شائك وخطير، وأقول خطير، لأن التجربة علمتني فيما أنجزته حتى الآن، إن هذا الخطاب هو ذهاب ضد خطاب السلطة وقيم الجماعات والطوائف والمذاهب، وضد خطاب القوميات والأحزاب السياسية، التي توهمت في عمل سياسي طويل أن الوحدة يمكن لها ان تتحقق عبر تذويب الهويات باختلافاتها الدينية والأثنية، نحو مجتمع متكامل!

إن تفحص الهوية من منظور روائي هو ان تعكف الرواية – وهذا جزء من تاريخها غير المكشوف على مستوى النقد العربي بسبب خلل واضح في فهم خطاب الرواية - ، نحو فهم لغز "الأنا" أو "الذات"، ورغم أن الشخوص الروائية هي كائنات خيالية بإدعاء ذلك، إلا أنها تواجه دائما سؤال "ماهي هذه الأنا؟"، كيف يمكن لنا إداركها. هذا ما تسعى إليه الرواية، تسعى لطرحه بجرأة، ضد الشعارات، وضد الامتثال القسري. تطرحه لتعبر عن ذواتها، وعن بحث لفهم التناقضات وليس على ترسيخها.

والرواية، من هنا، تسعى لمكاشفة هذا العالم واختلافاته.

-3-


في تجربتي المتواضعة، وضعت أمامي شخوصاً بحرينية متخيلة مدعياً ذلك أيضاً، تستمد عاداتها وسلوكها، وخياراتها من ذاكرة مجتمعها، بكل اختلافاته، عداواتها، تقارباتها. إن هذه الشخصيات التي تبلورت في "التنور" وفي "البرزخ.. نجمة في سفر" وفي "السوافح.. ماء النعيم" كانت تريد أن تجعل الصورة التي كنا نداريها ونخفيها واضحة وجلية، إنها تريد أن تكشف عن تاريخها وعن أفعالها علانية، ذلك أن التجربة الروائية تعكف على اللامرئي في حياة مجتمعات تحمل فوق ملامحها المثالية الظاهرة، تاريخ ثقيل من الانتماءات التي يراد تذويبها، هذا التذويب الذي أنظر إليه بكثير من الخوف، لأنه تذويب قسري لا اختياري، إجباري لا حر، عبر فرض مفهوم ذي أفق واحد، وتكريس كره التعدد بدلا من الاستجابة له. يقول الدكتور حليم بركات: " إن التشديد على تحقيق الإجماع باللجوء إلى الامتثال القسري وفرض الهوية ذات البعد الواحد، والعداء للتعدد بدلا من الاعتراف به، والعمل معا على تحقيق الاندماج السياسي والاجتماعي، والنظر إلى الهوية على أنها ثابتة مستمرة وكائنة مسبقاً، والانشغال بتعريفها والتنظير لها على مستوى المجردات أكثر من البحث في سبل الانتقال بها من حيّز المتخيل إلى حيّز الواقع، والعمل التضامني المنهجي، والانغلاق على تجارب الشعوب الأخرى باسم الأصالة بدلاً من الانفتاح عليها والاستفادة منها".

إن الوصول نحو التعددية الثقافية التي تنظر في بناء دولة يحكمها قانون "المواطنة" وتدعي أنها دولة ديمقراطية يتساوى فيها الأفراد أمام القانون، وتكون الفرص متاحة لها بالتساوي، وهي في جانب آخر تسعى لتكريس مفهوم القبيلة والجماعات والطوائف التي تحكم، والتي تدير المجتمع ضمن سياقاتها الاجتماعية والسوسيولوجية الخاصة.



إن التنوع العميق في فهم الهوية، وقبول الآخر ضمن إطار قانوني يشكل مظلة تشمل الجميع، ضمن أعراف جديدة ينبغي بناؤها في مجتمع متشابك مثل المجتمع البحريني. لكن هل استطاعت الرواية أن تقول كل هذا؟ رغم إنني مقتنع أنها غير معنية بقول صريح مثل هذا، مثلما هي غير قادرة على تغيير المفاهيم الكبرى، مثل تذويب الأديان والاثنيات، والقبلية، والمذاهب، والجماعات. إذن لماذا تسعى الرواية لطرح مثل هذه القضايا الخطيرة. بكل بساطة أقولها إن الكاتب والروائي خصوصاً معنيٌ أساساً للاستجابة لفهم "الذات" الروائية وهي تتقدم لتكشف عن تاريخها وسياقاتها في الهجرة، والاستيطان، والهجرة وهي عبر مواقعها ومِهنها البسيطة، في "التنور صناعة الخبز" وفي "البرزخ حفر القبور، وغسل وتكفين الموتى" وفي "السوافح مهنة النجارة وصناعة السفن"، وهي كما نرى مِهن تشكل مجتمعاً اقتصاديا فقيراً في مواجهة جماعات تمتلك الثروة وتهيمن على نظام الحكم ونظام الجماعات. هذه البنية الاقتصادية تتطلب مني كروائي أن أفهم المنظور الاقتصادي ودوره في خلق هيمنات ذات تأثير مباشر بوضع الهويات وتنوعها الاجتماعي والاقتصادي، في مرتبات دونية، ينظر لها كهامش لا غير، تهجين لا أكثر.

-4-


كيف نستطيع أن نُقَّوم هذه "الأنا" وهي في تمردها وقوتها التي اكتسبتها منذ أن سأل الإنسان نفسه وهو يرى انعكاسه على الماء، كمرآة فاضحة، والرواية تسعى لأن تكون مرآة لكل "أنا" وهي تتقدم في سرد حكايتها الغامضة، غموض سؤال الإنسان عن مفهوم الموت والحياة ومعرفة الرب. وهكذا نرى إنه ليس ثمة دهشة إزاء لا نهائية النفس غير المسبورة، بل إن الدهشة تزداد أمام لا يقينية الأنا من هويتها. لذا فإنني في أعمالي الروائية أقف مع شخصيات الرواية في استجواب تأملي لا يصل إلى أجوبة يقينية وواضحة، كما إن "أنا" الشخصيات لا تطرح ذلك، بل هي تقدم نفسها دون أن تعي معنى لهويتها، إنها تسير غير مستجدية لمستقبل زاهر لها ولأبنائها، لأنها في موقع دوني وهجين، لايؤهلها لأن تكون مدركة على أنها تمتلك وعياً لذاتها ولمصيرها التاريخي الذي أوقعت نفسها فيه، وبجهل واضح لأنها قادمة من تاريخ كرّس حالتها، ووضعها في اصطدام مؤلم مع المجتمع، الاصطدام بمعناه القوي "Crash". إن الرواية بهذا المعنى لا تفحص الواقع بل تتفحص الوجود، والوجود ليس ما يجري من أحداث فقط، بل هو حقل الإمكانيات الإنسانية. هي المغامرة بكل ما تعنيه من خطورة.

-5-


يقول كونديرا عن الرواية: "إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو أن تقول شيئا لا يمكن أن تقوله سوى الرواية"، لذا فإن سؤال الهوية هو سؤال تستطيع أن تقوله الرواية، من دون الاخلال بالشرط الإبداعي والفني للبنية الروائية، ومن دون الوقوع في مطب المباشرة، أو الانحياز لهوية من الهويات التي تشكل فسيفساء هذا المجتمع. وأنا هنا أسعى من أجل تحرير وعيي الخاص كمبدع، ومن أجل تحرير الوعي الجمعي العام، من ارتهاناته للمقولات النهائية والمغلقة حول مفاهيم مغلوطة تتعلق بالأصالة والنقاء العرقي والطائفي، ليس في البحرين فقط، بل في معظم بقاع الأراضي العربية، ومن أجل فهم مفتوح لا مغلق، متسامح لا متناحر. للمعنى والواقع والمجتمع والتاريخ والهوية في مجتمعنا البحريني. هذا المشروع لا يذهب بوهم التغيير الذي ربما يحسب البعض أن الكاتب قادر على تحقيقه، ولكنه في النهاية يشكل لي قولا خاصا يمكن للرواية أن تقوله وتتحاور فيه وحوله، وأعتقد أننا كعقول مازالت لا تتفهم مثل هذا الطرح لأسباب عديدة، ليس أقلها الموروث القبلي، وسيادة الأنظمة الاجتماعية، والدساتير الناقصة، بل وحتى الأحزاب والتيارات الدينية المتعصبة التي تكرّس مثل هذه المفاهيم، والجهل العام، من دون النظر لها ضمن الحيز التاريخي الواحد الذي يربط جميع من يعيش على أرض واحدة، وتربطه سمات ومصالح مشتركة، وتحسين وضعهم وموقعهم في التاريخ.



-6-

لماذا سؤال الهوية والرواية؟

لطالما سوئلت هذا السؤال، حين يتطلب الموضوع الحديث حول مشروعي الروائي. إلى أين أذهب؟ وماذا أريد من هذا الذهاب؟ وألا تعلم أن طرح قضية الهوية البحرينية سوف يجرك إلى موضوع الطائفية؟.

أسئلة كثيرة مثل هذه تطرح في العديد من اللقاءات، كما إنني أدرك أن الكثير من الأصدقاء يذهب بتأويلات عديدة حول هذا الموضوع الشائك، ويبدي البعض تحفظاته حول هذا "المشروع" وأضعها بين قوسين كي لا أكون مطمئناً مثل الآخرين!

إذا كان الموضوع لا يستحق الطرح، فمتى يمكن لنا أن نتحدث عن قضايا سوسيولوجية واجتماعية وسياسية واقتصادية مرتبكة في مجتمع مازال يتلمس خطواته نحو الديمقراطية، مع التعويل كثيرا على مشروع الإصلاح المرتبك أيضاً. لذا فإن طرح قضية الهوية، والعديد من القضايا الاجتماعية والسوسيولوجية ذات الخطوط الحمراء هو مطلب مهم، يعبر بالتأكيد عن دور المثقف في رسم مسارات المجتمع وبلورتها بشكل يخدم هذا البناء الاجتماعي الجديد، لربما تصل الأجيال القادمة، إلى ما بدأنا بطرحه من قضايا. مع تأكيد إن ذهابي إلى هذا المشروع لم يكن ينتظر أي مشروع إصلاحي، إذ صدرت أول رواية وهي "التنور" في العام 1989م.


إن الحياة لا تتطلب منا أن نستكين للثابت ومصير المبدع هو الحلم بالتغيير. وبما إن الرواية ضرب من الإبداع فإنني أجاهر بالسؤال حول مدى قيمة طرح قضايا اجتماعية شائكة في وضع سياسي وثقافي مازال ينظر بكثير من الريبة لهذه التجربة، واقولها صراحة، إنها تجربة تقلقني كثيرا، ذلك إنني أسعى عبر القول السردي ألاّ أهادن، وأقسو كثيرا على التجربة إن كانت قد أخلصت لذاتها كفنٍ أدبي يسعى في جانب أساسي منه إلى أن يحفر في بناء رواية ذات منحى جمالي وشكلي يسعى إلى تحطيم البناء التقليدي، وتجاوز النمطية السردية. لكن هل نجحت في ذلك؟ هذا ما لا أستطيع أن أجيب عليه. ولكنني أردد مثلما قال أدونيس في كتابه "الكتاب": "ما أصعب أن أبقى في نفسي، داخل نفسي، ولا أكون لها، ما أصعب أن أخرج منها لأكون الآخر".

  • قدمت هذه الورقة في ندوة أدب التحولات في البحرين – أسرة الأدباء والكتاب – البحرين 2007م.

50 عرض