سؤال للروائيين وكتاب القصة بأنواعها ما استعدادك لكتابة نصك الإبداعي؟



شيماء الوطني


الملاحظ بأن الكثير من النصوص الادبية (الخليجية والعربية بشكل عام) المنشورة سنويًا، هزيلة وخالية من أي بُعد، كما انها عادةً ما تكون خالية أيضًا من أمور مهمة في كتابة النص كالجدية والمصداقية والعقلانية والمنطقية والواقعية، (وفي اعتقادي) يرجع هذا في عمومه إلى عدم الجدية في البحث عن الموضوع المراد تناوله في الرواية او القصة، للإحاطة به من جميع زواياه، وسؤالي أطرحه على أعضاء مختبر سرديات البحرين: كيف تقوم بالاستعداد لكتابة نصك؟ وما مدى عمق البحث الذي تقوم به قبل الكتابة؟، وما هي أدوات بحثك؟، وما هي التقنية الامثل من وجهة نظرك لتوظيف الحقائق التي تحصلت عليها من خلال بحثك؟، واخيرًا، هل تلتزم (اخلاقيًا) ومهنيًا بمخرجات بحثك حتى وإن خالف الرأي العام وخالف كذلك بعض قناعاتك السابقة؟ وعليه جاءت الإجابات والمداخلات على النحو التالي:

عباس عبدالله

المشكلة تكمن في ضعف الرؤية وقلة القراءة وغياب حتى الموهبة .. وبالنسبة لي الكتابة تأتيني كفكرة أصوغها كتابة وقد احتاج أحيانا لبعض المصادر والكثير من المعلومات كي اوفق في تناول ما عزمت إخراجه في عمل سردي، فكيف أكتب عن شيئا لا احيط بمعلومات كافية عنه رغم قرارة نفسي ان ما سأقدمه لا ولن يعتد به مرجعا معلوماتيا حتى عند ابسط القراء. ولكن من اجل نجاحي في الكتابة، ثم اردف: أجد الاغلب من اصحاب الاصدارات يكتفي بما يشاهد او يسمع فيسجله كتابة ويطبعه وهنا لا يحتاج لأي مصادر بحثية او علمية حتى بعض الأعمال التي لاقت رواج ملفتا لم اجد فيها ما يوحي بثقافة كاتبها او جده في تميز عمله ومرد ذلك لقصر نظره حول الكتابة ذاتها، وعودًا على بدء عن نفسي لي قصة قصيرة بدأت كتابتها في العام 2008 ولأنها بحاجة لمعلومات معينة ليست خاصة ولكني لم اجد ما يكفي منها لازالت القصة معلقة لم تتم. وإن لم التزم بما وصلت له في بحثي فعلما إذا سأتعب نفسي في البحث ؟ ولا علاقة لاقتناعي من عدمه بما حصلت عليه من معلومات لأني لا اكتب تقريرا علميا او سيرة مقدسة لذا نعم سأستعمل ما علمته بعد جهله في العمل إن كان مناسبا والا فلا

حسن علي حسن

بالنسبة لي اكتب الفكرة اولا ..ثم مسوده ثم اكتب النص بأكمله اما البحث فهو يعتمد على النص نفسه ان كانت به امور تاريخيه ارجع للمراجع التاريخية وان كان المكان محدد ببلد ما احاول ان اعرف موقع البلد ومدنه وحتى اسماء الشوارع لكي يكون النص واقعيا فلا يمكن ان اكتب عن قصه تجري في مصر على سبيل المثال ولا احدد اي مدينة وأي منطقه وكان المكان اخترته جزافا فلابد من المعرفة التامة بجغرافيا موقع الاحداث اما التقنية فأما عن طريق الانترنت او الكتب ان توفرت ٫ وانا التزم مهنيا بكل ما احصل عليه من معلومات صحيحه فهذا هو واقع لا يمكن التنصل منه فلا يمكن لتصور عن شيء يحكم حقيقه و إن كانت مؤلمه و الكاتب الحقيقي هو الذي يُكيف المعلومات و نتاج البحث لخدمة نصه مهما كانت وجهة نظره

وهاب يوسف رضي

أن كان من ضعف قد يعتور اي نص فالأسباب لن تخرج عن التالي :استعجال النشر، الاستهانة بآراء ونصائح النقاد، ضعف مهاري أو بُنيوي لدى الكاتب أو الكاتبة، رغبة الربح السريع، تلبية ذائقة جمهور قد يكون سطحيًا، عدم بذل مجهود وخصوصا لحبكة النص، وأخيرًا عدم التوفيق من الرب.

جعفر يعقوب

الفكرة هي عربة تقودني قبل أن تصل بي إلى محطة الكتابة، فماذا تريد مني الفكرة لأستوعب التفاصيل التي تولد من رحم الفكرة .. بعض أعمالي المطبوعة وغير المطبوعة قادتني في اتجاهات مختلفة منها السؤال من مختصين كأطباء او للبحث العلمي في الموسوعات أو سؤال مجربين وأهل الخبرة .. وربما خالطت بعضهم للحصول على أسرار خاصة بخبرة لا تتوفر عامة مثل مربي الطيور ومرتادي ألعاب المقاهي .. الشعبية، وأحيانا أعتمد على خبرتي في زياراتي السياحية، لذا أهتم بتدوين المعلومات عن كل مدينة أزورها، وأحيانا أتعمد أسأل من سكان المنطقة بعض الأسئلة التي تشغلني، لعلها تكون مفتاحا لعمل كتابي قادم، فالفكرة هي من تحدد سعي الكاتب، ولا أتردد في عرض عملي بعد الكتابة على المختص لتصويب أي معلومات وردت في النص قد أخذتها من النت أو من مجرب، خاصة في الاختصاصات كالطب مثلا. حيث النص يمثل محتوى، ودقة المعلومات تضع الكاتب في اختبار أمام القراء، فإذا كانت المعلومات ليست دقيقة لن يقبل القراء عليها، بل حتى خلال الكتابة لا تتوقف عملية البحث والسؤال وزيارة الاماكن، اذا تستجد زوايا جديدة في الكتابة تتطلب البحث . ولنقل البحث هو الصديق الذي يلازم الكاتب حتى يصل الى محطة القطار الأخيرة.

جابر خمدن

بالنسبة، لي كتبت رواية خادمة مونار بعد تخمر الفكرة في رأسي مدة طويلة. استفدت من سفري لكيرلا وكذلك لسريلانكا ووظفت ثلاثة بلدان في الرواية، تبدأ من بلدة مونار في كيرلا، ثم البحرين، وتنتهي في بلدة دامبولا في سريلانكا. بعض المعلومات اخذتها من النت، لكن كان لرؤية المكان على ارض الواقع دور كبير في الكتابة بما يعبر عنه سابقا بالصدق الفني، وحتى الفنادق التي ذكرتها فقد كنت فيها. وصف الطريق لفندق تي كونتي.. هو من رؤية هذا المكان والسير فيه والتقاط مئات الصور عن الطرق والمزارع والاسواق وغيرها.


جابر خمدن

بالنسبة للقصة القصيرة جدا، ينبثق النص في مخيلتي فاكتبه، ثم اقوم بوضعه في غرفة التخمير، اضيف او اتقص منه قبل ان يرى النور، وقد يموت في مكانه إذا لم يبد مقومات الحياة، وعن القصة: قصيرة أم طويلة، لها حكاية أخرى.. التقط الفكرة، اكتب بضع كلمات حتى لا تتبخر او تنسى.. بعدها وفي الوقت المناسب ابدا الكتابة، قد تحتاج الى بحث عن بعض المعلومات من هنا وهناك وقد استخدم مخزون الذاكرة والقراءات السابقة. بعض الافكار نتوقف حيالها.. فهي غير قابلة للمجازفة خاصة عندما تخرق الثالوث المقدس، الدين، الجنس، السياسة.

في السرد الرمزي والعجائبي، ندور حول ذلك الثالوث، لا نناطح الجبل، لكننا نتشكل بانحناءاته ونتوؤاته.. نوظف الكلمات، حمالات الأوجه، نطلق مردة التأويل، تجوس في النص. في النهاية.. كل له مفتاحه لقراءة نصك ،عندها قد تكون موفقا أنك سلمت المفاتيح إلى أصحابها وانسحبت الى الظل.. من يرفض المفتاح، هذا ليس من قرائك، فهو غير مأسوف عليه، وهنا تأتي التقنيات من تلقائها، نحن لا نستدعيها، ولا نختارها. حسب النص ،تأتي في سياقه متناغمة معه.


شيماء الوطني


دراستي للهندسة المعمارية أفادتني في كتابة الرواية كثيراً، فالبناء الروائي لا يختلف كثيراً عن البناء الهندسي، بل إن الاثنان يخضعان لذات المعايير والعمليات .وتبدأ عملية " خلق " الرواية من العدم بدايةً بالفكرة، في البداية تظل هذه الفكرة مجرد وميض عام يحتاج إلى بحث وقراءة لتختمر ، من ثم تبدأ عملية دراسة جوانبها وذاك بالاطلاع على مختلف عناصرها الرئيسية والفرعية ، تكون هذه الدراسة إما بقراءة مصادر مشابهة أو مصادر ذات صلة أو بالبحث الميداني واللقاءات، وحين تكتمل صورة الفكرة " تقريبياً " تبدأ عملية وضع عناصرها :

الشخصيات ،المكان ، الزمان ومن ثم البحث مجدداً، بعد ذلك تأتي مرحلة وضع التصور العام للرواية ( توزيع الفصول ، اختيار السارد ، توزيع الأدوار على الشخصيات)، تلي ذلك مرحلة الكتابة والتي تظل مرحلة البحث مرافقة معها .بعد الانتهاء من المسودة تأتي مرحلة المراجعة. بالنسبة لي شخصيًا فعملية المراجعة يومية، دائماً اقرأ ما كتبته سابقاً حتى أثناء الكتابة .وأعتقد هناك عمليتان تترافقان مع عملية الكتابة والمراجعة وهما: عملية التشذيب وعملية الاستبعاد، أحاول تشذيب النص من كل ما يثقله ولا يؤثر في سياق الحدث ، وايضاً استبعد ما يحتاج إلى الاستبعاد .بعد ذلك تأتي مرحلة " النحت " أو السنفرة النهائية للنص وفيها يتم تغيير كلمة من هنا أو إضافة عبارة من هناك .


الدكتور جعفر الهدي


إشكالية ضعف النتاج السردي في الوطن العربي ليس إلا جزءاً من مشكلة أكبر من واقع ثقافي يعاني من الضعف والتراجع لأسباب كثيرة ليس هنا محلّ حصرها لكننا يمكن القول إن المشهد الثقافي لدى الأمم يرتبط بنهضتها الحضارية والحال إن العرب في أسوأ حالاتهم وليس هناك مؤشر على تردي الوضع العلمي والثقافي في الوطن العربي أكبر من هجرة العقول المبدعة للغرب وإنجازها الكثير من الإبداعات هناك في حين تبقى في أوطانها مهملة أو عاجزة.هذا الواقع العام ينعكس على مستوى الإبداع في السرد لكن علينا أن نحاول النهوض من كبوتنا من خلال: دعم المبدعين - خلق بيئة متكاملة لإنضاج السرد.


جعفر الهدي

وعلى الصعيد الشخصي أجد إن التكوين الثقافي الذي يتكامل من خلال القراءات المعمقة وإثراء العقل في مجال السرد وما يتعلق به. يعتقد البعض إن قراءة الروايات فقط كافية لكن في وجهة نظري الروايات يجب أن تكون جزءاً من التكوين الثقافي للكاتب فالسرد يحتاج لثقافة متنوعة وعميقة تجعل من الكاتب مثقفاً حكيماً قادراً على فهم الحياة وإعادة صياغتها بشكل سردي. وهناك نقطة أخرى هي حالة الانبهار بنتاج الغرب والاستغراق فيه لدرجة فقدان الهوية وهي مشكلة معقدة تحتاج الكثير من الحديث لكن بشكل عام مشكلتنا إننا لا نمتلك مشروعاً ثقافياً وحتى من بدأوا مشاريع ثقافية كانوا أقرب لمترجمين لمشاريع أجنبية .بل حتى في مجال السرد نحن لا زلنا نقرأ نظريات وأفكار الآخرين وليس لنا نتاجنا الأصيل المتكامل أو على الأقل ليس لدينا تعليقات توازي ذلك النتاج.

يتساءل المحاور

اتفق معك دكتور جعفر في كل ما ذهبت اليه، واسمح لي أسألك: ما هي منهجيتك في البحث عندما تكتب رواية، ولنأخذ روايتك القادمة (اكواخ مقمرة) كمثال؟

دكتور جعفر الهدي

منهجيتي تتمثل في إثراء معلوماتي حول فكرة القصة ثم القراءة والبحث حول: تاريخ القصة ففي رواية أكواخ مقمرة احتجت للبحث والقراءة حول نهاية القرن التاسع عشر في البحرين، كيف كانت الأوضاع الاجتماعية، الصراعات وكيف تتم وعلى ماذا؟ كما قرأت أبحاث عن هجرة الأسر إلى الداخل وإلى الخارج، القراءة عن المكان فقد قرأت وشاهدت (فيديوهات) عن دار السلام في تنزانيا لأفهم كيف هي الحياة هناك.جلست مع باحثين في مجال تاريخ البحرين وناقشت معهم الهجرة والهجرة المعاكسة .الاطلاع على وثائق تاريخية ذات علاقة. طبعاً استعنت بما لدي من مخزون ثقافي احتفظ به مما سمعت من أعمامي حول هجرة عائلتنا من المناطق الساحلية (فارسية ) وقد زرتها مع والدي وشاهدت بقايا المسجد و(المضاعن) وتمكنت من خلق صورة لتلك القرية المندثرة. كل ذلك صهرته في فكرة القصة المتمثلة في هجرة عائلة من جزيرة معزولة وفقيرة إلى مسقط ثم تفرق أولاد المهاجر وهو الحاج كاظم بين أفريقيا والهند والعراق، ثم عودة واحدة من حفيداته من مدينة وادي السلام للبحث عن جذورها لتصل للساجة الأثرية التي كتب الحاج كاظم عليها اسم جدتها .

الدكتورة مي السادة

أنا أدرّس حاليا جمالية البداية في النص الروائي لطلبتي، وفي الأثناء لاحظت بأن معظم النقاد والباحثين يركزون على كيفية تخطيط الروائي لعمله منذ أن كان مجرد فكرة وكيفية وضعه لخارطة طريق يسير عليها أثناء الكتابة

يتساءل المحاور

دكتورة مي، من وجهة نظرك الأكاديمية، ما هي التأثيرات المترتبة على عدم البحث بشقيه الميداني والنظري، والتخطيط المسبق لكتابة النص؟

دكتورة مي السادة: نص هزيل طبعًا.


الدكتور علي فردان

أثني على هذا الأسلوب في كتابة قصصي القصيرة.فأفكار قصصي تتأتى من ملاحظات وشوارد أو تصورات، كما تفضل أبو عيسى التقطها أدون ملاحظة عنها. ولأن القصة القصيرة تتعلق بجزئية أو مشهد مكثف من عمارة الحياة. فالمعلومات المطلوبة والحقائق محدودة ومرصودة أو متخيلة. بعد حين قد يكون يوما أو شهرا أراودها فأجدها انثالت فأكتبها. وكيرا ما أعود اليها بين حين وآخر لأضبط جملة فيها أو أغير كلمة ذات أثر سياقي. ثم أنتقل لغيرها.أما فكرة الكتابة الروائية فتخاتلني منذ زمن.. وأرصد أفكارا.. لكنني أحتاج للمزيد من القراءة لأبدأ في الاشتغال على منجزي الأول. والعمل الروائي بناء معماري. يحتاج خرائط وهندسة ومواد خام كافية ومناسبة. كما يحتاج لاختيار مقاسه وبيئاته. والتوفر على أدوات حداثية ملائمة.

وقبل البدء.. اجدني بحاجة إلى الغوص اكثر في الفكرة والمكان والزمان والشخصيات. وتوفير كل المعلومات التي ترتبط بالصدقية والقناعة التي تجعل المتلقي شغوفا بالعمل. لما يلامس فيه من حاجات ورغبات وتطلعات ونوازع. ولكن ليس لحد تعطيل الفعل. بل لجعل البداية قوية. وعودًا على بدء السؤال الذي حكم بضعف المنجز السردي الخليجي وافتقاره للفكرة الجيدة والاطلاع الكافي. هل لك أن تزودنا بنماذج تحليلية تبين كثرة هذا الضعف وغلبته. كما يغلب الماء على الطحين؟ لأن الحكم يستوجب سوق الدليل والبرهان. ونحن في مختبر. فإن كان المختبر، تلقى فيه الأحكام على أعمال المبدعين جزافاً. فهو مختبر لا يمارس دوره الحقيقي. آمل أن تطلعونا على ما يثبن ذلك الضعف والوهن والتهافت في المنجز السردي الخليجي. ولكم خالص المحبة. وشكرا لكم لإثارة هذا النقاش المفيد.

جعفر سلمان

الاستعدادات لكتابة النص تعتمد بشكل كلي على نوعية النص وموضوع النص، بعض النصوص تحتاج لبحث مركز عن كيف و لماذا و متى وبعضها يحتاج لراحة ذهنية وإطلاق طائر الخيال، اما بالنسبة للحقائق الناتجة عن البحث فلابد ان تكون ملزمة للكاتب والا فإنه داخل في دائرة النفاق او داخل في سوق وتجارة الجهل، لكن قد يكون ذكر الحقائق في بعض الأحيان صعبا، فقد يكون سردها مؤذيا لك ككاتب او قد يكون وقتها غير ملائم وقد يتجنب ذكرها او سردها ولا يوجد عيب او سوء في الامر، لكن المعيب والسوء يكون في التنكر لها او ذكر ما يخالفها.

حسين خليل

بالنسبة لتجربتي الخاصة، عندما بدأت الإعداد لكتابة قصة الأطفال (جلجامش من جديد)، وفي سبيل البحث العلمي قمت بالتالي: قراءة كتب عن حضارة دلمون، قراءة أعمال أدبية تتناول هذه الفترة، زيارة المتحف الوطني أكثر من مرة، زيارة المدافن الأثرية أكثر من مرة، المشاركة في جولات على مواقع أثرية نظمتها هيئة الثقافة

هذا بالإضافة إلى طلب استشارات من مختص في علم الآثار وهو الدكتور سلمان المحاري. أمام المعلومات التي جمعتها، لم أُضَمن القصة إلا الشيء البسيط منها، فالنص لا يتحمل ثقل المعلومات، التي احتجتها فقط لتهيئة الخلفية المكانية والزمانية، وحتى لا أخطئ في نقطة ولو بسيطة: لباس، أو طعام، أو قطعة أثاث.. تنتمي لتلك المرحلة.

بالنسبة لرواية (مشي سريع)، فإني احتجت للبحث بشكل كبير عن مرحلة المراهقة، فقرأت كتب واستمعت لمحاضرات، وقرأت أعمال أدبية خصوصًا التي يكون فيها الراوي هو فتى مراهق، كل ذلك أثرى لدي مسألة التعرف على نفسية المراهق وطريقة تفكيره. وبالنسبة لقصة (واي فاي في الصحراء)، احتجت إضافة لوصف الشخصيات الخارجي والنفسي، إلى وصفها المنطقي، وأردت أن أجعل كل شخصية تتميز بطريقة خاصة بالتفكير المنطقي، لذلك قرأت كتب عديدة في علم المنطق، وخصوصًا في مجال (المغالطات)، وعادة تثيرني مسألة المغالطات، وخصوصًا التي نسمعها من السياسيين على التلفزيون. وبعد كل هذه القراءات خرجت بجملتين فقط: " أن أحد الشخصيات يبدأ كلامه دائمًا بكلمة (لا)، والآخر يجيب على سؤالك (بسؤال) "! فمرحلة البحث العلمي عادة ما تكون طويلة، والنتيجة قد تكون جملا بسيطة، ، أو قطعة أثاث، أو وصف نفسي، وأو مجرد جو في القصة أو روح في النص، فحسب.


د.فهد حسين

الدكتور فهد حسين

الرواية عمل ثقافي، شكرًا عزيزي علي على طرح هذه الأسئلة التي هي إشكالية معقدة جدًا بالنسبة للمبدع وبالأخص كاتب الرواية بحكم تعدد الأحداث والشخوص والأمكنة والأزمنة مما يتطلب ذلك من المبدع أن يتقن فن السرد وجمالية الوصف وعمق الحوار، وهذا يتطلب منه - أيًا كان موضوع النص حتى لو كان نصًا اجتماعيًا عاديًا - التخطيط المسبق وأنا أسمية هندسة النص، فالحياة عامة هي تخطيط فكيف بنص إبداعي؟ هذا التخطيط الهندسي لا يتطلب بل بفرض على المبدع أن لبحث في بطون الكتب ومن الثقافة الشفاهية ومن المصادر المتاحة في عصرنا، بل أن يسجل كل ما يتعلق بالموضوع ليس لتساعده في الكتابة بل لتوظيفها وفق رؤية وتخييل.والنص الإبداعي عند العديد من الكتاب قديمًا يتكئ على مرجعية اجتماعية عفوية بسيطة لا تتعدى مواقف هنا وهناك، ولكن ونحن في القرن الواحد والعشرين لا ينبغي كتابة نص هو اجتراء لما هو مكتوب قبله، بل عليه بالقراءة والبحث وهذا ينبغي يكون ديدن المبدع. وكتابي المعنون (مرجعيات ثقافية للرواية الخليجية) في هذا السياق حيث وقفت على عدة مرجعيات: الثقافية - الدينية - الفلسفية - التاريخية - الاجتماعية - اللغوية)، ذلك باتت قناعتي تتأصل أكثر فأكثر بأن النص الابداعي هو نص ثقافي بامتياز، من هنا لم تعد تجذبني الاعمال التي ليس فيها تعب وبحث، وإنما هي مجرد حكايات. وبالمناسبة اتفق مع ما ذكر قبلي حول أهمية البحث والتقصي.

وفيما أشارت اليه د. مي: هناك كتاب في السرد بعنوان (جمالية المابين في الرواية العربية) للدكتور رشيد بنجدو، حيث خصص كاتبه فصلاً كاملاً حول الجملة الأولى للنص الإبداعي، والكتاب مهم جدًا للمبدعين قبل النقاد، وفيما طرحه الدكتور على فرحان، فهناك الكثير من الاعمال القصصية والروائية للأسف يصل الامر إلى إنك تسأل نفسك، لم كل هذه الخسارة من مبالغ وورق وتعب، وللأسف لا نص ولا مضمون ولا شيء، ولست هنا لوضع بعض الاستشهادات حتى لا أثير حفيظة أحد، نحن كما قال المحاور نعاني، وعلينا ألا نخجل من ذلك بطرح أسئلتنا، شيء ملفت للانتباه، لدى بعض المبدعين، فهم يكتبون شيئًا ويؤمنون بشيء آخر، يكتب عن الحرية وهو مقيد الحرية في أسرته، يكتب عن الحب. وبرفض الحب ويرفض ابنته تبني علاقة حب مع شخص،

يكتب عن التسامح وهو عكس ذلك وقس على هذا الكثير، ولو فعلاً لديه وعي حقيقي ناتج عن قراءة وبحث لما كان في هذا الشكل من الانفصام، وهنا أذكر من خلال مداخلات الأخ جعفر سلمان ومناقشاته بين الحين والآخر اتضح لي أن ثقافته وقراءته منصبة بوعي، وبما يؤمن به منصب في كتاباته لا شك، ولو اكتشف غير ذلك فهذا يحطم رؤيتي تجاه ما يطرح، بل هناك سؤال ربما يضاف إلى أسئلة الأخ علي، ما القضايا التي ينبغي الكتابة فيها وحولها وعنها بعد كل هذا الكم الهائل من الكتابات السردية؟ نحن نحتاج إلى من يكتب عن العلاقات العاطفية والحب، ولكن لماذا لا تزال محصورة في الجانب الحسي والمشاعر ولم نحول مناقشة هذا الحب والعاطفة الى أبعد من ذلك ؟ أتوقع كلنا قرأنا رواية باولو إكويلو (إحدى عرة دقيقة)، ومن الجملة الأولى حتى نهاية الرواية وهي مشحونة بالحالة الجنسية، ولكن لِمَ لمْ تثير المشاعر والغرائز؟ لأن الكاتب تناول الموضوع بشكل مختلف تمامًا.