صراط مستقيم أم صراطات مستقيمة؟ سجال حول مفهوم التعددية الدينية


(إنهم لم يشكّوا حتى يصلوا اليقين، ولم يروا الكثرة حتى يختاروا الوحدة)

د.عبدالكريم سروش


ما الذي يعنيه (الصراط المستقيم) بالنسبة لي كمسلم؟ وما الذي يعنيه للمسيحي واليهودي والمجوسي..؟ هل نحن بوارد الحديث عن تعددية دينية تتجاوز أمثولة تملّك النجاة الأخروي؟ أم أن هذا غير ممكن بلحاظ أن الإسلام خاتم الأديان ومكمل الرسالات وبالتالي لا مناص من إقصاء الأديان الأخرى إلى دائرة (المنسوخ)؟

أزعم أن هذا المبحث هو من أخطر المباحث التي دارت حولها السجالات في سياق علم الكلام الجديد، وأنا أستعرض جانبا من هذا الجدل من خلال تقديمي قراءة لكتاب (بين الطريق المستقيم والطرق المستقيمة) الذي ترجمه حيدر حب الله عن الفارسية وهو يضم بين دفتيه ثلاث مقالات فكرية تتناول مفهوم التعددية الدينية ومشروعيتها. وكلمتا (الطريق المستقيم) ترجمة غير موفّقة -في رأيي_ لكلمتي (الصراط المستقيم) اللتين استخدمهما عبدالكريم سروش في مقالته التي هي محور المبحث برمته، فالدلالات الإيحائية والإحالية المشحونة في لفظة (صراط) لا تستوعبها كلمة (طريق). لهذا السبب نجد هاشم صالح يفضل ترجمة (الأرثوذكسية) في مؤلفات محمد أركون بـ(الصراط المستقيم) لما تفيض به من دلالات خاصة غذّاها الاستخدام القرآني.

وظّف عبد الكريم سروش المفهوم القرآني للفظتي (الصراط المستقيم) التي وردت في القرآن الكريم دائما بصيغة المفرد، وولّد منها (الصراطات المستقيمة) بصيغة الجمع للمقابلة بين نمطين من الفهم الديني أحدهما يعترف بتعددية دينية تتجاوز حدود التسامح الديني إلى مقولة تكثّر الحقائق الدينية الداخلية والخارجية، والأخرى تصرّ على تملّك الحقيقة الواحدة. الكاتب علي رضا قائمي نيا (صاحب المقالة الثالثة) يطلق على أصحاب الاتجاه الأول اسم (التعدديين) والثاني (الانحصاريين). لتلك الغاية نحن نفضّل استخدام (الصراطات المستقيمة) رغم ما تثيره من تهكّم على صيغتها اللغوية (نستذكر حوار علي الديري مع الشيخ علي الكوراني في هذا الخصوص).

يأتي طرح مفهوم (الصراطات المستقيمة) نتيجة نضج وتطور نظرية سروش في (القبض والبسط)، فليست هي في الواقع إلا إحدى مبتنياتها، ولا يمكن استيعابها إلا ضمن فهم هذه المرجعية التي ستتمخض عنها مفاهيم وقضايا لمّا تزل قابعة في دائرة (المسكوت عنه) فكرياً. ونظرية (القبض والبسط النظريين للشريعة) تقوم على افتراض التمييز بين الحقيقة الدينية والمعرفة الدينية (يذكرنا هذا التمييز بتمييز ديكارت بين المعرفة في ذاتها، والمعرفة كما هي لنا)، فالمعرفة الدينية ذات طابع بشري، لهذا فهي متكثّرة ومتعددة بطبيعتها ومجافية للأحادية. النص (دينيا كان أو غير ديني) صامت ونحن نستنطقه معبّئين بأسئلتنا وقبلياتنا ومصادراتنا (لاحِظ التركيز على أثر القبليات الذهنية في تشكيل المعرفة الدينية وبلورة أفكارها)، النص لا يتكلم بل الرجال يتكلمون، وما ينتجونه من أفهامهم للنص إنما هو معرفة بشرية خالصة، وبالتالي فالمعرفة الديينة مرتبطة بعلاقات تبادلية مع بقية الحقول المعرفية الأخرى، ومتجاذبة معها: مستهلكة لمنتجاتها، ومنتجة لمفاهيمها شأنها شأن أية معرفة بشرية أخرى.

هذه النظرية أرهصت بتحولات عميقة وآذنت بتفكيك الكثير من المفاهيم المستغرقة في السبات ومراجعة العديد من المسلمات القابعة في حياض الاطمئنان واللا مساءلة، ومن ضمنها هذا السؤال: (هل نحتكر نحن كمسلمين الحقيقة؟ وهل يعقل أن نكون نحن بمفردنا سكان الفردوس وباقي الخلق مصيرهم لظى سقر وبئس المصير؟) يؤكّد سروش أن البشرية "حديقة مليئة بالألوان والعطور" وأن ساحة الفهم الديني فيها "العديد من المتسابقين والمتبارين، ليس ثمة مباراة ومسابقة للاعب واحد" وأنه ينبغي أن نرى أنفسنا "جالسين وبقية البشر على سُفرة واحدة"، وهذا التوصيف المجازي يختزل رؤيته للتعددية الدينية التي هي اعتراف بالآخر الديني (المسيحي، اليهودي، البوذي...) ولكنه لا يرقى إلى الاعتراف بـ(حقانيته)، فـ(الحقانية) لا يمكن لأحد ادعاء امتلاكها والقبض عليها بصورة جزمية. لعلنا لانجد في هذه المقولة سوى توسيع لميدان تطبيق نظرية (القبض والبسط) من إطارها الديني الداخلي إلى الخارجي المتمثل في الأديان الأخرى مأخوذا في ذلك بنفس مرتكزاتها الفلسفية (سنعرض للانتقادات الموجّهة لتوسيع ميدان تطبيق النظرية المثار حولها أصلا الكثير من أغبرة الشك والريبة)، فالاعتراف بالآخر الديني هو إحدى الدوائر المتشكلة حول الحجر الملقى في البحيرة الراكدة والذي نعني به نظرية سروش الآنفة، فإلى أي مدى ستتسع كرة الثلج المتدحرجة هذه؟ وهل ستفضي إلى ديانة عالمية تذوب فيها الفوارق بين الأديان؟ رويداً أظننا نشطح في الخيال..


المباني العشرة للتعددية الدينية عند سروش


يرتكز القول بمشروعية التعددية الدينية عند عبدالكريم سروش على عشرة مباني متداخلة ومتجاورة سأحاول تلخيصها باقتضاب تمهيدا لعرض الانتقادات الموجهة لها ومناقشتها، لكن قبل هذا يوضح سروش أنه يعني بالتعددية الدينية كلاً من تنوع استنتاجات النصوص الدينية وتفسيرات التجربة الدينية وهو ما سيكون موضع محاكمة من قِبل الشيخ مصباح اليزدي وعلي رضا قائمي:

المبنى الأول: أن القول بالتعددية الدينية هو إفراز طبيعي لنظرية القبض والبسط السابقة، وعليه فإنه يرى أن النجاة والسعادة الأخروية كامنة وراء الدوغمائيات وغير قابلة للاحتكار.

المبنى الثاني: يتعلق بالتجربة الدينية التي هي مواجهة مع المتعالي، وتتمظهر في صور مختلفة، وبالتالي قابلة للكثير من التفسيرات، والأديان كلها مسبوقة بـ(الكشف).

المبنى الثالث: يسميه الدعامة العرفانية مستشهدا بأبيات لجلال الدين الرومي يستشف منها أنه عندما تتنازع الفرق والأديان فإن المعنى يختبئ خارج هذا النزاع، ووراء هذه الخصومات يكمن الجوهر.

المبنى الرابع: يستلّه من أبيات للشاعر (مولوي) تتحدث عن غرق الحقيقة في الحقيقة، وان تفرق الأديان والمذاهب لا يعود لانحراف بعضها وضلاله وكفره بل لأن العالم مجموعة من الخطوط المستقيمة الصحيحة.

المبنى الخامس: في أبيات أخرى لمولوي يرى أن طلاب الحقيقة تحت أي لواء انضووا وبأي مذهب تعلقوا سيصلون إلى مقصدهم وغايتهم، فالعبرة بصدق الطالب لا صدق التعاليم.

المبنى السادس: من خلال تأويل سروش للاسم الإلهي (الهادي) يتساءل كيف يكون الله هاديا إذا كانت مليارات البشر في ضلال ونحن وحدنا المشمولون بهداية الله؟

المبنى السابع: عدم خالصية أمور العالم بل هي خليط من حق وباطل. فمن يدّعي أن كل ما عنده حق خالص؟ الأمر ليس مقتصرا على أفهام الناس فحتى الدين (يعني به هنا السنة النبوية) قد دخل فيها الجعل والوضع.

المبنى الثامن: بناء على المبنى السابع ثمة صلة قرابة بين الحقائق تستدعي أن نبحث عما هو حقٌّ لدى الأديان الأخرى، فلا مفر من القبول بالكثرة والتعدد.

المبنى التاسع: القيم والأخلاق والفضائل متعارضة (ألا تتعارض الحرية أحيانا مع العدل؟) وهذهالتعددية الأخلاقية وثيقة الصلة بالتعددية الدينية.

المبنى العاشر: أن تدين أكثرية المتدينين ناشئ عن علة لا دليل: إيمان موروث.

وفي النهاية يعترف سروش بأن ما يدعو إليه تعددية مبنية على الظن، فعلم الكلام غير قادر على إنتاج ما هو أرفع من هذا. لكنه يعيد تأكيد رفض المجتمع الإيديولوجي الذي يسود فيه تفسير رسميّ يجذب البشر إلى مركز واحد.

هنالك (صراطات مستقيمة)، فالقرآن الكريم حين تحدث عن صراطٍ مستقيم أوحى بأن صيغة المفرد (النكرة غالبا) تختزن وراءها اعترافا بصراطات أخرى مستقيمة، أو هي على الأقل لا تزعم الانفراد بتمثيل الحقيقة دون غيرها.


التباس مفهوم التعددية الدينية


ما الذي يعنيه سروش بالتعددية الدينية؟ يبدو أن إخفاقه في تحديد المفهوم بشكل واضح جعله عائماً ودفع مناوئيه للاجتهاد وإعمال أدوات التخمين في نقد مقالته، فالشيخ مصباح يزدي (وهو مناوئ عتيد لسروش الذي تحدّث عنه بمرارة في حوار قمتُ بترجمته ونشره في ملحق رؤى قبل أشهر) أبرز ثلاثة تمثّلات لهذا المفهوم:

  • التعددية بمعنى التعايش السلمي والتسامح بين الأديان.

  • التعددية في المظاهر بمعنى أن الأديان مشتركة في حقيقة جوهرية واحدة تتمظهر في أفهام مختلفة، لا يدعي أحد امتلاك الصواب.

  • التعددية في حقيقة الدين بمعنى تكثر الحقائق واعتبار كل الأديان صواباً.

وعن المعنى الثالث ينبثق تمثّل رابع يتجسد في اعتبار الحقيقة عبارة عن أجزاء وعناصر متفرقة في مجموع الأديان، فهي تتكامل في بلورة فكرة الحقيقة.

يسلّم الشيخ يزدي بالمفهوم الأول ويقيّد الثاني بالمسائل الظنية فيما يرفض المفهومين الأخيرين رفضا باتا.

وهنا نسأل كيف يقيم د. سروش المباني العشرة لمفهوم ضبابيّ، إذ الواضح أنه لا يشير إلى المعنى الأول إطلاقا، لكن مبانيه تستبطن المعاني الثلاثة الأخيرة. المشكل أن عدم التعيّن يلقي بظلاله على إحكامه للمباني السابقة فهي لا تمتلك من التماسك والترابط المنطقي ما وجدناه في مباني نظرية القبض والبسط (راجع كتابه الذي ترجمته دلال عباس)، الأمر الذي أفقد مقالته الكثير من الصدقيّة، ودفعه لتكثيف البنية المجازية. أعتقد أن هذا التخلخل الظاهري هو ما دفع محمد رضا قائمي لمحاولة زحزحة العلاقة بين نظرية (القبض والبسط) ومفهوم التعددية باعتبار أن الأولى لا تفضي إلى الثاني، فالقبض والبسط يتعلقان بتعدد فهم النصوص الدينية، وهذا إن انطبق جدلاً على التعدد الديني الداخلي (وذلك لالتفاف جميع الفرق الإسلامية حول القرآن) فإنه يستدعي اتحاد النص المؤسس للأديان (القرآن، الإنجيل، التوراة..).

وتشفّياً من سروش سيمعن قائمي في تصيّد المغالطات المنطقية التي وقع سروش في فخاخها موظفاً عدّته التخصصية، والواقع أن قائمي تجاهل كثيراً بنية المجاز والاستيحاء التي اشتملت عليها مقالة سروش، وهذا المجاز يؤسس للرؤية تاركاً للمنطق متسعا آخر، إنه يسعى للكشف ويلوذ بشعراء العرفان والمتصوفة، وهو منهج في المعرفة تغاضى عنه قائمي ليخضع المقولات الاستيحائية لقواعد المنطق، فبينما كانت رؤية سروش تفيض من عرفانيات مولوي وجلال الدين الرومي استغرق قائمي في تشريح عباراته بمباضع أرسطو والمظفر.

لا أدعي أن قائمي تجاهل هذه الاستشهادات العرفانيات لكنه عمل جاهدا لإقصائها خارج ميدان الجدل عبر توظيف استراتيجيتين:

  • الأولى تتجسد في فرض قراءة أحادية لها تزعم إعادتها إلى سياقها النصي الذي اجتزأها سروش منه.

  • الثانية: إخراجها من ساحة النقاش بدعوى عدم صحة الاحتجاج بأقوال الشعراء في المسائل الفكرية والفلسفية. وهو هنا يجر سروش من رأسماله الرمزي في الاتكاء عليها.


لا ينفي ما سبق أن نقد قائمي هو الأكثر خطورةً وعمقاً، فبينما اكتفى الشيخ اليزدي باستعراض معاني التعددية وفرز المقبول منها والمرفوض مؤكدا الرؤية الكلاسيكية لهذا المفهوم، حاول قائمي الحفر في ثلاث طبقات لنص سروش. وبينما برّر اليزدي قبول التعددية الدينية في الغرب بظروف الصراع بين الكنيسة والعلم متكئا في ذلك على رؤية أداتية براغماتية، نجد قائمي يتغلغل إلى مسامات النص وخلفياته المعرفية.


الطبقات الثلاث في نقد قائمي

يمكن تحليل النقودات التي قدمها قائمي إلى:


  • النقد المنطقي لمباني الخطاب:

فقد وقف عند كل مبنى من المباني العشرة كاشفاً تهافتها أحياناً وتناقضها أحياناً أخرى، ومغالطاتها المنطقية في أحيان أخَر، وكثيرا ما تحدّت عن مغالطة تسميم البئر، ومغالطة ذي الحدين الجعلي وغيرهما.

  • فضح ثغرات الخطاب:

وهنا يركز على المسكوت عنه في خطاب سروش، وهو (جوهر الدين)، ويتساءل هل هو مجموع التفسيرات الدينية أم التجارب الدينية؟ (الواقع أن سروش لم يوضح الأمر، فيما يرى قائمي أن ذلك مسألة جوهرية فاصلة في قبول التعدديةالدينية أو رفضها)، ثم يتجوّز ليلبس سروش زعم اعتبار التجربة الدينية هي جوهر الدين ليبدأ محاكمة سروش على هذا الأساس، وفي النهاية يماهي بين موقفه وموقف الفيلسوف اللاهوتي شلايرماخر، ويندفع لنقد مقولات شلايرماخر وكأنها مقولات سروش.

المدقق في نقد قائمي سيلحظ -ولا ريب- تداخلاً غريباً وتناقضاً عجيباً. ففي حين يستظهر قائمي أن سروش يدخل التفسيرات الدينية ضمن جوهر الحقيقة الدينية بدلالة بعض مبانيه، نراه في موضع آخر منهمكا في نقد سروش لمشايعته شلايرماخر في عدم اعتبار تأويلات النص الديني وتفسيراته جزءا من التجربة الدينية ! ففي المبنى السادس ينتقد اعتبار التجربة العرفانية أساس الدين وجوهره (لأن ذلك سيقود للاعتراف بالأديان الأخرى والتعددية لاشتراكها في التجربة الدينية)، لكنه قبل صفحات قليلة ساق حكماً مفاده أن سروش يعتبر الأفهام والتفسيرات المتعددة هي جوهر الدين، فإلى من يوجه النق