ظلال للهواء



صدرا مؤخرا كتاب ظلال للهواء – وهو كتاب رقمي حول أنطولوجيا لشعراء التفعيلة والنثر في البحرين، حيث جاء الفهرس بــ 69 شاعر وشاعرة، من إعداد الشاعر أحمد العجمي.

ديباجة الكتاب:

تلعب الأنطولوجيا في الشعر دوراً فاعلاً بفتح نوافذ المعرفة والإطلاع على إنتاج وثقافة وذائقة الآخر والمختلف والمتعدد، حيث إنها تحاول وبحيادية أن ترسم المشهد الجمعي من خلال مشاهد فردية متجاورة أفقياً، ومتباينة عموديا، تحمل كل واحدة منها سماتها وخواصها التي تترك للمتلقي حرية الذهاب المعمّق لاكتشافها وكشفها في ذات اللحظة.

ومن المهم التيقظ إلى أن الأنطولوجيا، وهي تقدم خارطتها المحايدة نسبياً، فإنها بالتأكيد تتبنى لحظتها، ولا يمكن لها أن تتجاوز إلى المستقبل إلا من من خلال ما يترشح من مؤشرات، وما يومض بما تقدمه من نصوص قد لا يربطها ببعضها من وشائج إلا حضورها الأنطلوجي، أي أنها قد تفشل في وهب الصورة الحقيقية للتجربة الشعرية التي تقدمها، وذلك لأسباب متعددة لعل منها ما يتصل بأن النصوص المختارة لم تنجح في التعبير عن مسارات ونمو تجربة منتجها، أو أن هذه التجربة ربما تكون مرشحة للتطور أو الانحراف بمسافات عما سجلته المدونة الأنطولوجية في لحظتها؛ ومن هنا فإن الاحتراس أو الاحتراز فعل ضروري للنفاذ إلى مناخات وطقوس هذه التجارب، ومناغاتها، نظراً لما تمثله هذه المصفوفات الشعرية من ظلال متباينة ومتفاوتة في الجمالية، بل في الشعرية ذاتها وتوغلاتها الإبداعية!


الشاعر أحمد العجمي

ولعل هذه الاحترازات والمحاذير تبقى مهمة عند تصفح أنطولوجيا الشعر في البحرين، ليتسنى للمتلقي وبهدوء أن يكتشف محاور التقاربات وحزم الاختلافات داخل المشهد الشعري الكلي، أو ضمن التجربة الفردية في حركة انزياحاتها عند حدوثها!

هذه التجارب التي تنتسب إلى البحرين في شعريتها الجغرافية، هي أيضا تنتسب إلى دوائر جغرافية وتاريخية أوسع لعبت التغذية الثقافية والجمالية التي غرفت منها وتحصلت عليها أدواراً مهمة في منحها صبغات أكثر تبايناً وانحرافاً، وهذا ما قد يوضح مقدار التفاوت الشاسع في المنحنى البياني لنضج بعض التجارب أكثر من الأخرى، وربما لوقوف بعض النصوص أيضاً على مسافة بعيدة من الشعرية.

وعليه من الضرورة الانتباه إلى أن حراك الشعرية في البحرين لا يمكن اختزاله في تجربة أو شكل أو زمن محدد، فهي تمتد في جذور التاريخ الحضاري والثقافي في دلمون وربما قبلها، لتتواصل بمنعرجات وأخاديد متنوعة، تبرق تارة وتخبو أخرى ترسمها حركة الشعر العربي منذ لمعان المعلقات إلى لحظة التمرد الحداثي. فأرخبيل البحرين نظراً لوقوعه في أقصى الشرق العربي على حواف الحضارة الفارسية ومن خلفها الهندية ولطبيعته الجغرافية في تواصله وانقطاعه في ذات اللحظة عن الجغرافيا والتاريخ العربي، ربما جعل من التجربة الإبداعية في البحرين وعلى امتداد نهر التاريخ تجربة تذهب إلى التواصل القوي مع الحركة الإبداعية العربية لتمثل نقطة توترها في أقصى طرف القوس في علاقة تآثرية مع حركة الحضارات المجاورة؛ هذا التآثر الذي يمنحها صبغات ومهمات إيجابية من أهمها سرعة ومرونة الاستجابة للتحولات الجديدة التي تلامسها، والانفتاح على التعايش واعتماد التعددية التي تنحاز إلى الخلاسية، عبر الاصطفاء؛ وبالطبع هذا الطقس هو ما تتمايز به الأطراف عن المركز، من حيث إنها تصبح المجسات الأولى للاتصال والتفاعل مع الآخر المختلف، ولهذا فإنها لا تكتفي بأن تكون مستقبلة أو قنطرة للاتصال بالآخر، وإنما تسارع دوماً إلى ممارسة التأثير الحيوي وربما تصبح من أهم منابعه، ولذلك علينا الالتفات على أن الحركة الشعرية في البحرين عندما تلقت التغيرات في الحركة الشعرية العربية تجاوبت معها بروح منفتحة، وبادرت مبكراً على أن تكون نقطة إشعاع فيها، وربما هذا ما يوضحه الدور والأثر الذي تركته مجلة (كلمات) التي أصدرتها أسرة الأدباء والكتاب في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، والتي اشتغلت على الدفع بالحركة الأدبية والشعرية خاصة إلى آفاق إبداعية أكثر توغلاً في مناخات الحرية والفنية.

وقد اعتمدت هذه الأنطولوجيا في منهجيتها على عدة نقاط ودوائر، تمثلت في:

  • رصد التجربة الشعرية الحديثة التي انطلقت في نهاية الستينيات من القرن العشرين، والتي اختارت تجربة قصيدة التفعيلة، وما بعدها.

  • رصد وإدراج كل التجارب التي أصدرت ديواناً شعرياً واحداً على الأقل، ورقياً أو رقمياً، وأهملت التجارب التي لم تتورط حتى هذه اللحظة في طباعة أو إنتاج ديوانها الأول.

  • اختيار الشاعر ذاته لنصوصه التي يراها تمثل تجربته، باستثناء حالات نادرة جداً قام فيها معد المادة باختيار النصوص (للشعراء المتوفيين).

  • لم تذهب الأنطولوجيا إلى تقييم واصطفاء التجارب التي ترى فيها النضوج، وإبعاد التجارب الأولية، وإنما أرادت أن تعطي صورة أفقية عن المشهد الشعري فتركت للمتلقي حرية الكشف العمودي.

  • اعتمدت منهجية التسلسل الألفبائي لأسماء الشعراء.

تبقى الإشارة إلى أن هذه الأنطولوجيا عملت على تغطية جميع التجارب المختلفة منذ بداية تجربتي التفعيلة والنثر في البحرين خلال حقبة الستينيات من القرن المنصرم حتى لحظتها الآنية في عام 2020م.، ولو اكتشف المتلقي غياب بعض الأسماء، فهذا ليس إهمالاً أو تجاوزاً أو نسياناً، وإنما راجع إما إلى الاعتذار، أو عدم استجابة للدعوات المتكررة التي قدمت للمشاركة، كما أن هذا المنجز قابل للإضافة والتعديل بما يستجد متى ما توجب ذلك.

أحمد العجمي

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email