عبر توثيق أقرب ما يكون لسرد أنثروبولوجي مصور


الفوتوغرافي القميش يوثق لآخر قبائل الآريين بـ«جامو وكشمير»

من خلال العضوية المميزة لشركة نيكون (NPM) حصلت على الدعم اللازم من الوكيل المعتمد (شركة أشرف) وتم تزويدي بالعدسات اللازمة لتغطية الرحلة .. شكر خاص للسيد / طارق عبدالرحمن الرئيس الاقليمي لخدمة عملاد نيكون.

عن (لاداخ) أرض الممرات الوعرة، والأديرة الساحرة، والرهبان، والناس، عن تلك البلاد البعيدة التي تلامس السماء ظاهرا، منتشية باستنشاق الغيم، عنها وهي تنعكس على عدسات المصوّرين، وفي تلألؤ أعينهم المندهشة، يحدثنا الصحافي والفوتوغرافي البحريني علي القميش، الذي نشرت «مجلة العربي» الكويتية، في عددها (744) الصادر هذا الشهر (فبراير 2021)، تقريرا مصورا عن تفاصيل رحلته إلى ولاية (جمو وكشمير) الهندية، واختيرت إحدى صوره لتكون غلاف العدد، بالإضافة إلى مجموعة من الصور الاحترافية، التي تستعرض جوانب ثقافية لحياة الناس، والأديرة، والرهبان، وتغطي مختلف تفاصيل اللحظة بثخانة انعكاساتها، من أزياء ناسها، إلى طقوسهم، وممارساتهم الحياتية اليومية، لتكون بمنزلة سرد أنثروبولوجي مصوّر.



قصد القميش هذه الولاية أواخر عام 2019 بمعية فريق من أربعة مصورين بحرينيين، هو خامسهم، هم حسين الطيف التانغو، عراب الرحلة، وإبراهيم الفرحان، وناهي علي، ومجتبى سلمت، وفي أثناء وجودهم هناك فرضت الهند حظرا للتجول لدواعٍ سياسية، حال دون مقدرتهم على متابعة اشتغالهم الفوتوغرافي، «كان علينا تقييم الوضع واتخاذ القرار بشأن استمرارية الرحلة أو تعليقها، وحزم معداتنا للعودة للوطن»، يقول القميش، الذي ألمّه وفريقه خيبة الأمل التي انتابتهم، خاصة بعد علمهم بأن فريقا فوتوغرافيا عُمانيا احتجز من قبل الجهات الأمنية، وطُلب منه مغادرة (سريناغار)، عاصمة (جامو وكشمير)، في أسرع وقت.

لم يكن في نية القميش ورفاقه العودة خالي الوفاض إلى الوطن، فبين مطرقة المخاطر المحيطة وسنديان ترك ما جاءوا بقصده، صار الفريق حائرا، فتقرّر أن يتابعوا رحلتهم، بعيدا عن مسارات التوتر، فكان دير (Rangdum) الذي يقع في إقليم (لاداخ) منتصف الطريق بين (كارجيل) و(بادوم)، وجهتهم.

يقع (Rangdum) على رأس وادي سورو (Suru) بارتفاع (4031) مترا عن سطح البحر، بالقرب من قرية صغيرة تدعى (Julidok)، «لم نكن نعرف أي شيء عن هذا الدير والمنطقة، ولم يكن بوسعنا البحث في تفاصيلها بسبب العزلة الكونية التي عشناها لانقطاع خدمة الإنترنت»، يقول القيش الذي عرف وفريقه فيما بعد أن الدير «دير بوذي من بين الأقدم والأشهر في منطقة (التبت)، إذ يعود تأسيسه لأواخر القرن الـ(16)، كما أنه ينتمي لطائفة (غيلوغ) أحدث طوائف البوذية التبتية، المعروفة باسم (ذوي القبعات الصفر)، ويقال إن الفيلسوف جي تسونغكهابا (1357-1419) هو من وضع قواعد وفلسفة تلك الطائفة».


الـ«بيراك» غطاء للرأس ترتديه نساء لاداخ، وهو عبارة عن حزام من الجلد يكون مرصعاً بالأحجار الكريمة مثل اللازورد والفيروز وتصميمه يشبه رأس أفعى الكوبرا

دخل الفريق المعبد، «كنت أمعن النظر في تفاصيل المكان، جردانه، بواباته العتيقة المزخرفة، قطع القماش الملون المتدلية من السقف، الأجراس الصغيرة، ورايات الصلاة المكتظة برسوم الحيوانات وبعض النصوص التي حدث بها بوذا»، وأخذوا في توثيق المكان، وتفاصيله المدهشة، لتتخذ رحلتهم مسارا آخر يتمثل في توثيق أناس الـ(بروكباس)، آخر قبائل الآريين، وهم «آخر ما تبقى من جيش الإسكندر حين غزا الهند عام 326 ق.م»، كما يقول القميش، متابعا «يقال إن هذه القبائل ضلت طريق العودة، فعاشت في هذه الأمكنة كالغرباء، لتتشكّل طبائعهم بطبائع المكان».


تسكن هذه القبائل وادي (آريان)، نسبة للعرق الآري، ويبلغ تعداد نسمتها قرابة الـ(2500) متوزعة على خمس قرى في مقاطعة (ليه) البوذية، و(كارجيل) ذات الأغلبية المسلمة، تساءل القميش: «كيف تسنى لهذه القبائل الحفاظ على عرقها (الآري) منذ غزا الإسكندر الهند؟»، مضيفا «هناك الكثير من السرديات في هذا الشأن، من بينها أن هذه القبائل، منذ قرون، كانوا يمارسون تبادل الزوجات فيما بينهم»، وهذا ما ادعاه المؤرخ الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه «حضارة الهند»، إذ أكد هذه السردية، وبطبيعة الحال قد تشكل طبيعة هذا الزواج صدمة بالنسبة للكثير منا، بيد أن هذه القبائل تشرعه بتفاصيل معقدة، ويضيف: «على الرغم من قسوة الصورة المتخيلة في تحمل المرأة لستة أخوة كزوجة إلا أنها تمثل أيضا ذلك الثقل الحاكم في إدارة العائلة، والحفاظ على تماسكها».


اِمرأة آرية ترتدي غطاء الرأس TEPI محملاً بمجموعة من الزهور الملونة وريش النعام وتظهر في مقدمته بعض التمائم والخرز وبعض الأحجار الكريمة

ومن المظاهر التي يلفت إليها القميش لدى هذه القبائل، ملامح من طقوسهم، إذ تفرض عليهم الطقوس تجنب الاغتسال، رغم كونهم يتطهرون عبر إقامة شعيرة (التنقية)، إذ تحرق بعض أغصان شجر (العرعر). كما لا يجوز لأفراد القبيلة غسل الملابس حتى تهترئ، مبينا أن هذه الطقوس تفلتت منها الأجيال الجديدة، فمع أول فرصة سمحت لهذا الجيل باكتشاف العالم الحديث نسبيا، إذا ما قيس بحداثة الهند المتواضعة آنذاك، حدث انزياح ثقافي للأجيال الجديدة أوقد بشرارة النزاع الباكستاني الهندي على (كشمير) عام (1947).

وعلى الرغم من تأكيد قادة قبائل (بروكباس) على ضرورة التمسّك بموروثاتها ومعتقداتها، إلا أنها فضّلت بحث فكرة الكفاح من أجل إيجاد الحد الأدنى من التوازن بين الحداثة والقيم التقليدية. وقد تضاعفت مخاوفها عاما بعد آخر بسبب زواج الجيل الجديد من خارج تلك القبائل، والهجرة بحثا عن الرزق، إلى جانب التحول الديني، إذ اعتنق الكثير منهم الإسلام، والهندوسية، وغيرهما من الأديان.


راهب ينتمي إلى طائفة جيلوغبا البوذية التبتية، يؤدي مراسم الصلاة في دير رانغدوم «Rangdum» الواقع على رأس وادي Suru بالقرب من قرية Julidok

53 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email