عناوين هوليوود .. هل ترهق "النسوية السوداء" وتسيء لها؟


فيلم Hidden Figures

في السنوات الأربع الأخيرة، انطلقت في هوليوود موجة خلقت توجها واضحاً وملحوظاً في عدد من الأفلام السينمائية. اتخذت تلك الموجة لنفسها عنوان "سحر وجاذبية الفتاة السوداء" Black Girl Magic، وهو عنوان يركز على ثيمة تحمل مضامين تقدمية عالية، وقد أنتج أفلام سينمائية كان لها سطوة ونفوذ يذكران على شباك التذاكر. لكن ورغم كل تلك الدلالات وما نتج عنها عن أرباح المبشرة، إلا أن الطابع التسويقي للحملة بدا واضحاً جداً وطاغياً على كل ما قدمته.


أصبحت هوليوود وكأنها تعيش لحظات خاصة مع الفتيات ذوات البشرة السوداء، فغزت الشاشة وجوه جديدة ثم امتد ذلك لوسائل التواصل الاجتماعي. خلق ذلك تحديات جديدة، للمروجين للحملة والقائمين عليها وكذلك للنساء من ذوات البشرة السوداء اللواتي أصبحن فجأة، في قلب تلك الحركة، سواء أكن أمام الكاميرا أو خلفها.


أحد أبرز الأفلام التي أفرزتها تلك الحملة كان فيلم Hidden Figures (شخصيات مخفية) الذي بدأ عرضه في ديسمبر عام 2016، ويسرد القصة الحقيقية لثلاثة عالمات أميركيات من أصول أفريقية لعبن دورًا محوريًا في وصول المركبات الفضائية الأمريكية إلى مدار الأرض. حقق الفيلم إبان عرضه أكثر من 200 مليون دولار أميركي على شباك التذاكر العالمي. ثم تلاه في صيف عام 2017 ، الفيلم الكوميدي Girls Trip (رحلة فتيات) الذي حقق أكثر من 140 مليون دولار أميركي على شباك التذاكر، وقدم للمشاهدين في جميع أنحاء العالم الممثلة تيفاني هديش، التي تعود أصولها إلى إريتريا.


فيلم Girls Trip

في فبراير 2018 قدمت شركة مارفل Marvel Cinematic Universe أذكى شخصية من بين كل الشخصيات التي ابتدعتها عبر أفلامها المختلفة وهي شوري الفتاة السوداء التي تبلغ من العمر 16 عاماً وقد لعبت دورها الممثلة البريطانية المولودة في غيانا، ليتيتيا رايت. تأتي شوري من بلد خيالي ابتدعته مارفل يدعى واكاندا، وهي شقيقة تشالا، النمر الأسود، في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه Black Panther والذي قام ببطولته الممثل الراحل شادويك بوسمان، الأميركي من أصل أفريقي. في السابق كانت الشخصية الأذكى في أفلام مارفل هي شخصية توني ستارك من فيلم Iron Man (الرجل الحديدي) التي يقوم بها الممثل روبرت داوني جونيور، وهو ممثل أبيض بالطبع، أو شخصية بروس بانر في فيلم The Hulk (الرجل الأخضر). في هذا الفيلم قدمت ليتيتيا صورة مختلفة للمرأة السوداء، و ذلك بمعية زميلاتها من النجمات من أصول أفريقية أيضا، مثل لوبيتا نيونغو، وداناي غوريرا، وأنجيلا باسيت، فهن قويات ولكنهن لسن مسترجلات، يضعن الماكياج بشكل جميل، لا غريب، يحترمن ثقافتهن وتقاليدهن لكن لا يخضعن لها.


مجلة غال ديم، وهي مجلة بريطانية الكترونية ومطبوعة مستقلة تهتم بنشر أخبار النساء (الملونات)، أجرت مقابلة مع الممثلة لوبيتا نيونغو، التي لعبت دور ناكيا في فيلم Black Panther، اقتبست منها مقتطفات في مقالة نشرتها صحيفة الغارديان وهي المقالة التي اعتمدت ترجمتها كمادة رئيسية لهذا المقال.

تقول لوبيتا "إن تقديم الأفلام هذه الصورة لنساء قياديات وفي مواقع قوة، بشعر غامق وبشرة داكنة، سيغير بشكل كبير الطريقة التي ينظر بها كثير من الأطفال لأنفسهم".


من جانب آخر يورد المقال فيلماً آخراً من الأفلام التي روجت لسحر الفتاة السوداء، هو فيلم A Wrinkle in Time للمخرجة ذات البشرة السوداء آفا دوفيرناي، وهو من انتاج شركة ديزني. ويبني الفيلم على هذه الصورة الإيجابية من خلال قصة فتاة مراهقة تدعى ميج موري تسافر عبر الفضاء لإنقاذ والدها. وفيما تحاول الفتاة أن تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، تواجه مشكلة مبدئية تتمثل في عدم ثقتها بنفسها بسبب مظهرها الخارجي، وعلى الأخص شعرها المجعد. مع تطور أحداث القصة، تبدأ الفتاة في حب نفسها والاعتزاز بشكلها. رسالة الفيلم هذه كان لها صدى قوياً لدى النساء ذوات البشرة السوداء، وعزز من مفهوم سحر الفتاة السوداء.


فيلم A Wrinkle in Time

اقتباس آخر أورده مقال الغادريان، وهو مأخوذ من مجلة غال ديم الالكترونية نفسها، ومن مقالة باولا أكبان، محررة وسائل التواصل الاجتماعي في المجلة، إذ كتبت "أتساءل كيف كان سيؤثر بي هذا الفيلم لو كنت في التاسعة أو العاشرة من عمري. أن أشاهد كيف تمكنت هذه الفتاة السوداء من التعامل مع كل مشاعر التردد التي يواجهها معظم الشباب، والتي يزيدها سوءًا أنها فتاة سوداء وعليها أن تواجه مشاعر العداء تجاه السود طوال الوقت. حين شاهدتها وهي تغسل شعرها وتعتني به، دمعات عيناي قليلاً".

ظهر مصطلح "سحر الفتاة السوداء" أولا عام 2013 على يد الكاتبة الأميركية من أصول أفريقية كاشون ثومبسون، التي أرادات أن تحتفي بإنجازات النساء ذوات البشرة السوداء، في مقابل كل مشاعر العداء التي يواجهنها. تقول ميا ماسك، أستاذة السينما في كلية فاسار في نيويورك في لقاء مع صحيفة الغارديان "عبارة "سحر الفتاة السوداء" عبارة رائعة لأنها، وعبر كلمات قليلة، تعيد توجيه كل الفرضيات والأفكار الطبقية والعنصرية والمتحيزة جنسيًا حول النساء السوداوات والأجساد السوداء".


ليس ذلك وحسب، بل ثبت أيضا أنها عبارة مربحة، إذ تجاوزت أرباح فيلم Black Panther المليار دولار أميركي على شباك التذاكر العالمي، كما حصد حوالي 33 مليون دولار أميركي في أسبوع عرضه الأول، ما جعل نجاحه يفوق كل التوقعات.


لكن هل يمكن القول بأن نجاح وانتشار المفهوم يرتبط بنجاح الأفلام التي روجت له، أو أن المفهوم نفسه ليس أكثر من أداة تسويق لجماهير متعطشة لمن يمثلها على الشاشة؟ وإلى جانب ذلك، هل هو منصف دائماً للنساء السوداوات تصويرهن بأنهن الساحرات والجذابات؟ ترد جن نكيرو وهي مخرجة سينمائية وكاتبة سيناريو بريطانية واعدة، من أصل نيجيري، قائلة "نحن نعيش لحظة مختلفة، لكن نجاح فيلمين لا يعني أبدا أن الأمور قد تغيرت ".


تشير جايلين غولد ، رئيسة دور السينما والبرامج في معهد الفيلم البريطاني (BFI) ، إلى أن الأفلام والحركات السينمائية الرائدة في الستينيات (مثل حركة L.A. Rebellion والتي تعرف باسم مدرسة لوس انجلوس لصناع الأفلام السود "Los Angeles School of Black Filmmakers" وحركة سينما العالم الثالث Third Cinema أو Third World Cinema وهي حركة سينمائية سياسية وجمالية انطلقت في دول العالم الثالث في أميركا اللاتينية وأفريقيا أساسًا) "قدمت جميع أنواع القصص العالمية القوية في هذا الشأن. وفي التسيعينيات أيضا احتلت النساء السوداوات مركز الصدارة مع ظهور أفلام مثل Set It Off وفيلم How Stella Got Her Groove Back وفيلم Waiting to Exhale، وجميعها مهدت لفيلم Girls Trip، لكن رغم كل ذلك لم تتغير نسبة صانعات الأفلام أو المنتجات أو الموزعات أو حتى الممثلات من ذوات البشرة السوداء خلال العشرين عامًا الماضية".



وعودة إلى جن نيكيرو التي نشأت في بيكهام، والتي فاز فيلمها Rebirth Is Necessary بجائزة قناة كانال بلاس في مهرجان كليرمون فيران للأفلام القصيرة في عام 2018، فهي تعلق بالقول "كامرأة سوداء، هناك دائماً ضغط علينا لكي نكون كاملات، وإذا لم نكن كذلك، فلن نتمكن من عمل المزيد من الأفلام"، وتكمل "أعرف الكثير من زملائي من الذكور البيض ممن لا تحقق أعمالهم نجاحًا، لكن مع ذلك تسمع عنهم كلاماً مثل "لا يزال يعتبر نفسه كفنان. دعونا ننتظر فيلمه الثالث".

أما باولا أكبان فترى "إن عدم التسامح مع فشل النساء السوداوات هو نقد لصناعة السينما من جهة ولمفهوم سحر الفتاة السوداء من جهة أخرى" مضيفة "ما يدعو للقلق هو أن استوديوهات الأفلام، تعلم جيدًا أن جماهير السينما المتنوعة مستعدة لدفع الأموال، لتشاهد نفسها ممثلة بشكل قوي على الشاشة، ومع ذلك فهذه الاستوديوهات لن تدعم المشاريع التي تصور شخصيات متنوعة على درجة من القوة. أحببت عبارة "سحر الفتاة السوداء" ولكني أعتقد أن التسميات والعناوين يمكن أن تضع الكثير من الضغوط، ويمكن أن يكون لها تأثير كبير على صحتنا النفسية، ما قد يصيبنا بمتلازمة "المحتال". لسنا مجبرات لأن نرهق أنفسنا، ولا بأس بأن لا نكون متميزات دائماً".


ميا ماسك تشير إلى أن مفهوم "سحر الفتاة السوداء" له جذور قديمة، وتقول "أضع المفهوم في سياق الشاعرات ذوات البشرة السوداء اللواتي أرسين الأساس لغيرهن من النساء السوداوات، مايا أنجيلو على وجه الخصوص وقصيدتها Still I Rise التي تبدو وكأنها مهدت لكل هذا."


وتسرد ماسك أسماء كثيرة لنساء ذوات بشرة سوداء مثل جون جوردان وسونيا سانشيز ونيكي جيوفاني،مشيرة إلى أنهن "جميعاً نساء أميركيات ملونات خلقن حركة مسيّسة من الشعر وتركن إرثًا رائعًا لجيل الشباب"، مضيفة بأن "السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما هي من ينسب لها الفضل في نقل مفهوم سحر الفتاة السوداء إلى العالمية، موضحة "الانتشار الهائل لصور أوباما وهي منخرطة في النشاط الاجتماعي والسياسي كان بمثابة تغيير لقواعد اللعبة".


تقول جايلين غولد التي أمضت 30 عاماً في العمل الثقافي "إذا كانت هناك عرابة تنثر سحر الفتاة السوداء، فهي أوبرا وينفري"، معلقة "تتسع العدسة أخيراً في صناعة تتجذر فيها قوة البيض. حقيقة أن أوبرا ارتبطت مع المخرجة آفا دوفيرناي في فيلم A Wrinkle in Time أمر رائع. لم أعتقد مطلقًا أنني سأشهد ذلك في حياتي أبداً، فنسخة عام 2003 من الفيلم لم يظهر فيها إلا ممثلون بيض".


ميا ماسك تتنازل عن راديكاليتها قليلة، وتعترف قائلة "مفهوم سحر الفتاة السوداء - كما هو الحال مع كثير من الأمور في مجتمعنا الاستهلاكي - أصبح الآن علامة تجارية"، مضيفة "لا أسخر من الأمر، لكن ما يحدث هو صناعة علامة تجارية للنسوية السوداء، إذ لا يكفي أن يكون لمفهومك معنى، ولكن يجب أن تكون قادرا على تقديم فكرتك في صيغة قابلة للتغريد على مواقع التواصل الاجتماعي"، وتواصل "من المهم أن نكون صادقين بشأن الكيفية التي تُروج بها الثقافة السوداء في الأسواق الرأسمالية. يجب أن تقدم الأفكار بطريقة جذابة "، وضربت لذلك مثلا هاشتاغ #OscarsSoWhite معلقة "منذ عشرين عاما كان هناك كثير من الكلام حول حصر جوائز الأوسكار على البيض، ثم قامت أبريل رين بعمل هاشتاغ #OscarsSoWhite وفجأة بدأ الجميع يتحدثون عن عدم وجود تنوع في جوائز الأوسكار.

قصة التلفزيون مشابهة، إذ إنه ومع نجاح بعض برامج (ذوي البشرة السوداء) على التلفزيون مثل Insecure أو Queen Sugar أو Chewing Gum ، جعل البعض يعتقدون أن تمثيل السود على التلفزيون أصبح أفضل من أي وقت مضى. لكن غولد ونكيرو تجادلان بالقول "في الواقع.. لقد تراجعنا إلى الوراء"، وتعلق غولد قائلة "عملية التغيير تشبه الرقم 8، لدينا نقاط مضيئة ثم فترات من الظلام ، ولكن في كل مرة يكون هناك نور، تتقدم الأمور إلى نقطة أبعد من المرة السابقة".

على الرغم من كل الفرص التي يخلقها مفهوم (سحر الفتاة السوداء) في السينما وفي التلفزيون، إلا أن نكيرو تحذر من خلق مفهوم مجازي مقيد آخر، وتقول "ما أريد أن أراه هو أن يتم تمثيل النساء السوداوات كبشر، فنحن نربح حيناً، ونفشل حيناً آخر، نرتكب الأخطاء كما نفعل الصواب".

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email