عن الموسوي في روايته (دارا الزرادشتي): الوحدة خلف أقنعة التعدّد




الروائي عقيل الموسوي

(لو يعرفون كيف تُورَد الأسماء في الصحائف لكتبوا : كان دارا زرادشتياً صالحاً، ومانوياً يؤمن بقرينه الخاص، ومعتزلياً متمسكاً بإرادته، ومتصوفاً يبحث عن سلالة نشأتها من نور، وإسماعيلياً يضج قلبه بالثورة على الظلم، وشيعياً عاشقاً انتظر مخلص البشر في حال من الخوف والرجاء)

-دارا -


—————————————————


أن تترك فيك رواية أدبية عاصفة من الأفكار ، هذا هو - على الأحرى - ما سيشعر به قارئ رواية (دارا الزرادشتي) للكاتب البحريني عقيل الموسوي الذي سكب فيها عصارة مكابدة ذهنية وإبداعية كبيرة، وتتبع عبر سرده الحكائي سلسلة من التحولات الفكرية والنفسية التي عصفت بحياة بطل الرواية (دارا)، وهي تحولات تعكس أثر التنوع في إطار الوحدة، الجوهري باقٍ والعرضي يتغيّر، البنية العميقة للذات البشرية تفرز تشكيلات سطحية متعددة، تتمظهر في أديان ومذاهب شتى تنبع من حقيقة إيمانية واحدة.


جعفر المدحوب

يسير خط أحداث الرواية فيما يشبه الاتجاه الحلزوني، كلما أوشكت دائرة على الانغلاق انقدحت منها دائرة أخرى، إلى أن ترتمي حركة السرد الأخيرة، وبشكل فجائي تقريباً، كما ترمي موجة صاخبة نفسها لتسترخي أخيراً على رمال الشاطئ الأخير، وهو ما جسده مشهد إعدام البطل دارا على أيدي خصومه، مغلقاً بذلك الدائرة.


أعدّ كبير الموابذة (الكهنة) الزرادشتيين ابنه (دارا) ليخلفه موبذاً يرعى من تبقى من جماعته الدينية المهاجرة إلى الهند، لكنه يختار لنفسه مساراً آخر في الحياة، مقرراً ألا يغادر فارس التي نسري روحها في أوصاله، ولهذا يرحل أبوه عن الدنيا غير راضٍ عن فلذة كبده. من بلدته (يزد) التي هي أقرب إلى بلدة ريفية يرتحل إلى (شيراز)، المدينة الفارهة التي تضجّ بالعلماء والشعراء وتعجّ بالجوامع وزوايا الصوفيين (الخانقاه)، هناك يتعرف على دين الإسلام ويعتنقه على المذهب الشافعي، ثم تأخذه العقلانية إلى فكر المعتزلة، بيد أنه سرعان ما يجد ضالته في التصوف الإسلامي، يلتقي بالشاعر الفارسي سعدي، ثم يتحول إلى مريد يتنقل بين شيوخ المتصوفة وطرقهم. في قلعة (قائين) ينقلب شيعياً إسماعيلياً، وفي (تبريز) ينتهي به التطواف شيعياً اثني عشرياً.


مع كل حلقة مستديرة من تموجات الرواية وتحولاتها، تتعدد الشخصيات وتتجدد، فتظهر داخل كل دائرة سردية شخصية مساندة وأخرى معرقلة، وينفتح الفضاء والمكان الروائي على مدن وأمكنة ومساحات متنوعة، من يزد إلى شيراز، ثم يعاصر البطل أحداثاً كثيرة، الغزو المغولي لحواضر فارس، مذبحة نيسابور، حصار قلعة ألموت، مرصد الشيخ الطوسي في مراغة، قصور تبريز.


إذا كان الروائي يتحدث عن المصير الفردي، فقد اندغم في هذا المصير إرث أمة بكاملها، شعب فارس ذات الإرث الحضاري الغني، المتنوع، ، متعدد الطبقات، وفي دائرة أوسع يتجلى الوعي الإنساني الأكثر عمقاً واكتنازاً، وقدرةً على التجدّد وإعادة الخلق والتشكل. تلك الروح التي تدفقت من شريعة زدرادشت، وأعادت استنساخ رؤاها وتصوراتها ومعتقداتها، بل وحتى طقوسها، في الديانات الأخرى، ووجدت - عبر الصيرورة - في كل قطيعة ظاهرية استمرارية متجددة لكينونتها الأزلية. ولعل رواية (دارا الزرادشتي) تكمل ما بدأه عقيل الموسوي في روايته البكر (أريامهر نامه).


زمن الرواية خطي متصاعد، غالباً، لا يعكره إلا القليل من الارتجاعات أو الاستباقات، ولعل ذلك أحد آثار النزعة الذهنية لدى الكاتب، التي قيدت انتقالات الزمن الحكي ووازته - خطياً - مع زمن الحكاية، وعطلته أحياناً لصالح الوصف، الذهني غالباً، وهو إلى ذلك يستعين بتقنية التكثيف الزمني ليطوي المسافات الشاسعة من عمر دارا الذي ناهز ثلاثة وثمانين عاماً بين لحظتَي الولادة وانطفاء العمر.


إلى ذلك نجد أن الرواية، في حقيقتها وجوهرها، توظف تكنيك الأقنعة المتعددة، كلما خلع دارا قناعاً ظهر قناع آخر، وأيها هو وجه دارا الحقيقي؟ الأمر يشبه طبقات قشور البصل - كما في استعارة جاك دريدا - فالبصلة (المعنى) هي مجموع تلك الطبقات المتراكبة من إمكانات التأويل والفهم والتجلي، أو فلنقل هي مزيج من فسيفساء الأفكار، كما حدّثتنا جوليا كريستيفا.


أحد الأقنعة والوجوه العديدة التي تتوارى خلف رموز الرواية هو قناع والد الكاتب (السيد محمد صالح الموسوي القاروني)، الذي يلتقي مع (دارا) في نقاط شبه كثيرة، ويتباين معه في تفاصيل أخرى، فكلاهما عالم دين من سلالة موقّرة، أعده والده ليرث عنه زعامته الدينية، وكلاهما اختار لنفسه مصيراً مختلفاً، في تجلٍّ واضح لموقف الإرادة الحرة، دارا (الفارسي) يُعمَّد موبذاً فتياً، والقاروني (العربي) يتمنطَق عمامته صبياً يافعاً، هذا يزهد في منصب أبيه كبيراً للموابذة، وذلك يعاف منصب قاضي الشرع الأكبر، كلاهما يجد في عالم الكتب متعته الحقيقية، وكلاهما يفقد أمه طفلاً، ويتخيل ملامح وجهها على صفحة ماء النهر، ثم يفقد أباه لاحقاً، فيقضي بقية حياته عصامياً.


ومكانياً، يزد هي الموازي الحكائي لبلاد القديم، وشيراز المدينة التجارية التعددية هي ذاتها المنامة، ونيشابور في وعي دارا هي لگهنور الهند بالنسبة للقاروني، يغادر دارا نيسابور مرغماً بسبب هجوم المغول الكاسح، ويقفل القاروني من رحلته الطوباوية للهند مع قرع طبول الحرب العالمية الثانية، لدارا أربع مدن، وللقاروني أربعة بيوت. كلاهما اختار مصيره بنفسه، ولم يرضَ أن يكون نسخةً باهتةً عن أسلافه. وأخيراً يتوفى كلٌّ منهما عن ذات العمر تقريباً.


هل كان عقيل الموسوي يكتب السيرة الذاتية لوالده الذي عاش تجربة باذخة من التحولات، واصطدم خلالها - مراراً - بحراس العقيدة الصلبة؟ ثم دفع ثمناً باهظاً لا يقل فداحةً عن الثمن الذي دفعه دارا؟ ألهذا اختار الكاتب ضمير المتكلم في روايته، مماهياً - بذلك - بين الراوي والبطل كما يحدث في تكنيك كتابة السير الذاتية؟ أم أن ذات أبيه وروحه المتمردة حلّت فيه وتناسخت كما تتناسخ الأرواح في الفلسفات القديمة؟ هل شمس التبريزي هو المرآة التي يتأمل فيها عقيل وعيه الذاتي؟ أم أنه إذ يرسم وجه دارا يذيب فيها ذاته وذات أبيه وذواتاً كثيرة، جامعها المشترك هو أنها تجسد مفهوم الفرد الأعلى، عند نيتشه، بروحه المتوثبة الحرة؟ أليس لافتاً هذا الجناس الصوتي بين اسم (دارا) بطل الرواية واسم (زارا) بطل كتاب (هكذا تكلم زرادشت) في ترجمته العربية؟ إنها سيرة الإنسان الكائن في سيرورته المضنية نحو أفق الاكتمال، ألم يحدّثنا جان بول سارتر عن أسبقية الوجود على الماهية؟


لا أخفيكم أنّ الرواية صادفت هوىً عتيقاً في نفسي، ولربما يسوغ في التصور أنها كتبت بنفَس صوفي يرى الوحدة في التعدد، والتماهي في التشظي، والتشابه في الاختلاف، والمطلق في المتناهي.


ويسوغ أيضاً أنها صيغت بمخيلة رومانسية خصبة، تستوحي فكرة كولردج في الخيال الخلاق الذي تأتلف فيه المختلفات، وتتقارب فيه المتباعدات.


ويسوغ كذلك أنها كُتبت بعقل فلسفي هرمنيوطيقي تأويلي مفتوح على جدلية الثابت والمتغير في الدين والعقل.


فلنقل، أخيراً، إنها رواية من طراز فريد، وصوت مغاير بين أصوات السرد البحريني.



120 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email