عن زيارة الأفغاني للبحرين أواخر القرن التاسع عشر


جمال الدين الأفغاني

توضيحا لما ذكره الأخ الناقد يوسف مكي في تعليقاته النقدية على كتاب (الشيخ والتنوير) للدكتور نادر كاظم ، من أن زيارة جمال الدين الأفغاني هي اسطورة ، بمعنى أنها لم تحصل ! أودّ هنا أن ابدي رأيي حول ذلك : أولا ، لا أشك في صدق المعلومة التي أوردها الشيخ ابراهيم الخليفة ونقلها الريحاني عنه ، حول زيارة الأفغاني للبحرين ، ولا مصلحة أو غرض من وراء إيرادها !. وثانيا ، أعتقد بأن الزيارة حصلت مابين عامي 1890/1891م بعد زيارة الأفغاني الأخيرة لإيران ، وخلافه مع (الشاه ناصر الدين) حول أفكاره الإصلاحية في الحكم ، ومن ثم الغضب منه ، مما اضطر الأفغاني إلى الهروب إلى البصرة ، حيث عانى من المرض اثناء إقامته فيها ، وبعد أن شفي غادر إلى لندن لممارسة نشاطه السياسي .


يشكر للدكتور نادر أنه أثار المياه الثقافية الراكدة المعكرة ، وعلى الناقدين له الابتعاد عن الكتابة المشوبة بالعواطف السياسية والطائفية

وخلال هذه الفترة قام بزيارة إلى البحرين ، حين علم بوجود حركة ثقافية نشطة فيها . أما أنه لم يلق الاستقبال الذي يليق بمكانته ، فأعتقد أن ثمة ثلاثة اسباب لذلك : أولها انزعاج السلطة الإنجليزية من أفكاره التحررية ، وخصوصا مطالبته البلدان الإسلامية بالتخلص من الاستعمار الأجنبي ، علاوة على نشاطه في مكافحة شركات التجارة البريطانية أثناء وجوده في البصرة . وثانيا ، خوف السلطة المحلية من تأثير أفكاره التحررية والاصلاح الإداري والدستوري .


الشيخ ابراهيم الخليفة ومحمد صالح خنجي

وثالثا - وهو المهم - ، وجود تيار ديني سلفي مناوئ لأفكار الأفغاني ، ما جعل مثقفي البحرين ومؤيديه من رجال الدين يمتنعون عن ملاقاته والترحيب به ؛ خوفا من غضب تلك السلطات المذكورة !. وكانت الجماعة النجدية المقيمة في البحرين آنذاك ، من أمثال مقبل الذكير وابنه أحمد وبقية اخوانه ، وآخرين ممن يترددون كثيرا على البحرين من أمثال محمد عبالعزيز المانع وعبدالرحمن العصيمي وأبو سيلمان الدخيل وعبد المحسن الباهلي ومحمد حسن المرزوقي وغيرهم .. كان هؤلاء يقودون الحركة الثقافية الدينية ، وينشطون في مكافحة التبشير والأفكار التحررية والعلمية ، ويهتمون بنشر الكتاب وطباعته - في الهند خصوصا - وتوزيعه ، والرد على مخالفيهم بشدة .. وكان مقبل الذكير من أنشطهم على الإطلاق ؛ حيث أنشأ أول مكتبة عامة عام 1885م ، وعُني بطباعة الكتب ونشرها ، وجلب الجرائد الصادرة آنذاك من مصر واسطنبول والعراق .. وكانت هذه الجماعة على علاقة وطيدة مع المفكر الإسلامي - السلفي - والمؤرخ محمود شكري الآلوسي ، وبينهم رسائل متبادلة كثيرة ، - سبق لي الاطلاع عليها - توضح الطابع الثقافي السائد في ذلك الوقت في بلدان الخليج العربي .


محمود شكري الآلوسي

ومما يجدر ذكره : أن مثقفي البحرين و اصلاحييه من أمثال : الشيخ ابراهيم الخليفة ومحمد صالح خنجي وناصر الخيري وغيرهم .. لم يكونوا من مؤيدي التيار السلفي المذكور- لأسباب معينة - ولم يحاولوا الصدام به ، بل تعاونوا معه في النشاط الثقافي وتأسيس المنتديات والمجالس الأدبية ، ولم يظهر الخلاف بينهم إلا بعد تأسيس نادي اقبال أوال ومكتبته عام 1913م ؛ حيث اختلفا حول التوجه الثقافي للمنتدى واهدافه ، مما دعا السلطة الانجليزية إلى حلّه .. واعتقد أن ابرز المؤثرات للحركة الثقافية في تلك الفترة هي : منتدى الشيخ ابراهيم الخليفة ، ومكتبة المبشرين ابتداءً من عام 1894م ، ومكتبة مقبل الذكير وجهوده الثقافية ، ومدرسة الشيخ احمد المهزع وتصديها لحركة التبشير .

الحديث طويل ومتشعب ودقيق ، ليس محله هنا ..!.

يشكر للدكتور نادر أنه أثار المياه الثقافية الراكدة المعكرة ، وعلى الناقدين له الابتعاد عن الكتابة المشوبة بالعواطف السياسية والطائفية ؛ فالموضوع ليس بالسهل الخوض فيه ، لنقص كبير في وثائق تلك الفترة والمعلومات المدونة عنها .

92 مشاهدة