فريد رمضان.. تلك الحياة التي تشبهك


الروائي الراحل فريد رمضان

: "امر عليك المكتبة؟" ثم ينتابك الوجع فيختفي ظلك.

أحشد الآن جرأة سافرة للكتابة عنك وأنت في كتابك الأخير. كتاب الموت. لكن ليس الموت ما أخشاه عليك ولكنه الفقد ما أخشاه عليّ. فنحن لفرط أنانيتنا سنتمسك بك رغم آلامك.

لكن ليس الموت ما أخشاه عليك ولكنه الفقد عندما أسمع خبر رحيلك فأطلبك على الهاتف لأسمعها منك بأنك تريد أن تذهب الآن. الهاتف يرن لأطول مدة ممكنة. وحتى لا أزعجك قطعت الخط لأطلب "حداد": فريد فيه شي؟ أي عطاك عمره.

ليس بوسعي الآن أن ادرك ذلك لأغير طبعي عندما انجز جديداً فأطلب رأيك أو تطلبني.

في الفجيرة يسألني "الرفاعي": أنت تحب فريد؟ فريد مهم في تجربتي الكتابية. متابع وأمين لها.

لكنها ثلاثون عاماً يا صديقي منذ لقاء الاربعاء بأسرة الأدباء والكتاب. منذ "تلك الصغيرة التي تشبهك" وأنت ترى نصك على خشبة المسرح. منذ "الصلاة" والمشاريع المؤجلة. منذ "درب المصل" وأنت تكتب الآمك على لسان امرأة، منذ الخطط والأفكار لواقعنا الثقافي المهترئ.

ها أنت ذا ترى وأنت في (البرزخ) كم هي المحبة عامرة في أفئدة من يحبونك. كلهم لفرط المحبة يصفونك بطيبة البحريني المحرقي اللكنة. الفريد الذي لا تفارق الابتسامة محياه. لكنك أيضا الشرس والعنيد الذي تمسك بالحياة رغماً عنها وقال لها أحبيني. المحب للإبداع والمهووس بتغيير الواقع الثقافي.

فريد لم يكن أديباً بالمعنى الظاهر كما يصفه محررو الأخبار، فهو لم يجلس في بيته ليجعل أوهام الكتابة تتلبسه بل راهن على التغيير في تعاطيه مع أشكال الابداع لتكون الكتابة متغيرة ومتحولة معه.

في ”البياض“ شحذ ذاته عبر رؤية شخصية حادة لكنه في ”تلك الصغيرة التي تشبهك“ راهن على اللغة بوصفها قصة والسرد بوصفه شعراً.. يكاد فريد أن يكون الثاني أو الثالث في محيطنا السردي بعد أمين صالح من يكتب القصة أو الرواية بوصفهما شعراً وهذا نادر الحدوث منذ مطلع الثمانينات.



لكن ”التنور“ كانت الانعطافة نحو البحث.. الكتابة بوصفها بحثاً وإعادة قراءة. منذ ”التنور“ شعر فريد أن المفهوم الذكي للكتابة يعيش في الابداع الانساني بأشكاله المختلفة. فكان مولعاً برفقة التشكيليين وراح يكتب للمسرح ثم وجد التقاطع المثالي في كتابة السيناريو والذهاب نحو السينما بوصفها عيناً تعين على الكتابة.

قلة من الكتّاب وهم نادرون في محيطنا الثقافي أدركوا أن الكتابة عالم مختلف عن حصرها في حدود الورقة، الابداع بأشكاله يسعفك أن ترى في الكتابة ما لا يراه الآخرون. أنها حاجة انسانية لأن ترى الابداع يعلي من ذاتك. فريد من هذا النوع. ربما لأنه كان قريباً من الذين سبقوه ورأى فيهم ذلك أيضا. لكنه يكاد فريداً من أبناء جيله من خاض المعترك الثقافي بأشكاله المتعددة.. تنقل بين الجزر وخاض المعارك الأدبية والفنية من أجل واقع ثقافي مختلف.. فهو بالمعنى الحرفي لم كن كاتباً فقط بل كان جزاء محركاً للواقع الثقافي وكل ذلك سببه هو أن الابداع حاجة انسانية.


(٢)


يخطر ببالك الاتصال بـشخص، لكن شعورًا سيوقف يديك وهي في طريقها إلى الهاتف.. لا لشيء.. إلا لأن هذا الشخص الذي تحاول الاتصال به قد "رحل..فجأة".. لحظتها فقط:

ستعرف حتماً ما معنى أن يرفع الطرف الآخر خطه ليكلمك، ستعرف كم من انتظار عليك تجاوزه وأنت تحاول الكف عن هذه العادة، ستعرف كم كانت اليد - وهي أقرب إلى القلب منها إلى العقل - تحنو على الهاتف لتدفأ فيك غربة ليل بأكمله، ستعرف ما معنى صوته، وهو يتدفق إليك، يحمل حلمك الذي كان مصدره ذات يوم، يغدق عليك اليسير من محبة، ويرفع عنك عبأ يوم عادي لا أكثر.

لحظتها.. ستعرف كم هي طويلة تلك السنين وكم هي قصيرة لأنها لم ترفق بكما، ستعرف - كأن الحجاب مرفوع عنك - كم كبيرة تلك المساحات التي شغلها ويشغلها وسيشغلها،

ستعرف - كأنك في القلب - ما معنى أن تُحِب وتُحَب، ستعرف -كأنك لا تجد في البشر كفايتك- الشخص الذي فقدت !

من غيره يأخذك إلى نفسك، يبصرك بها، يكون عينيك كلما أبصرت حلماً، والأذن والقلب والروح، من غيره يثق بنواياك، من غيره يطال القلب، يهدهد نبضه كلما تسارع خائفا من ظله الذي لا يراه، من غيره ينصّب الشمس دليلاً لظلك، من غيرك فيه ومن غيره فيك.

عندما تناديه كأن الكائنات تنصت لسماع اسمه، من سواه يكبر أمامك ما إن تطأ الدمعة مقلتيه، إنه لا يبكي عليك - عليه - إنه يبكي لك.

وأنتما مشغولان بنفسيكما، تهندسان الحياة، وتزوقان الغيم القادم، تحاكي خطواتك الذاهبة بك إلى الجديد وتنشغل بنفسك...بينما هو ذا:

مشغول بك.. يؤثث لك الدرب ويرفع عنك عبأ اليوم والدرب وما ينتظرك في الغد وما يشغلك بالأمس ويؤنسك بالحكايات منتظراً إياك عند سفح الليل..

ترفع السماعة تناديه مشتاقا.. كأن كل ما في حلو الكلام اصطفاك، من سواه مشغول بك يفتح لك أبواب النهارات الجميلة.

من سواه..

يخلقه الله لك ويأخذه من أجلك.




مسرحية درب المصل


74 مشاهدة