عطرك الأخير/ موت أم حياة



(تمهّلوا بي، ترفّقوا بي، يا أصدقاء العنب، وأحباب الطريق، برفق احملوا نعشي، وسيروا بي في طرق المدينة الآسرة بالأحلام، دللوني وأنا فوق أكتافكم لأرى الشوارع للمرة الأخيرة).

فريد رمضان/ عطر أخير للعائلة



كنت أود أن أقول إن هذا مجرد حلم

حين يخسر الحب نفساً من أنفاسه، نفساً من بين أصابعه، تضج الحياة، حكايا وقصصاً، ومن قلبه تُعزف موسيقى الصدق والإنسانية. وحدهم الكُتّاب، حين يموتون، تومض كتبهم، وتخرج أبطالها تزف كلماتهم حرفاً حرفاً؛ كي تزيح هذه العتمة. يستدرجني السؤال: كيف سنكون بعدك أيها الفريد؟ وأنت الذي كنت تنثر عطر قلبك على كل ما نكتب، بصوتك الحنون تطبطب على قلوبنا كلما باغتنا يأس أو عانقنا إحباط، تأخذ بيدنا وأنت ترافق هدوءك، تزرع أملاً ما في قلوبنا، وتنتظر لتأتيك أصواتنا مفعمة بالحب والأمل، فتبتسم، وما أجملها من ابتسامة. ثمة ملائكة تحتفل الآن بك. ثمة حضور لك في الجنة، مكلل بصبرك على كل هذا الألم. ثمة حمام يرافقك أينما ذهبت. ثمة نهر يجري باسمك، يشبه نهر عطائك. ثمة أغاريد، وعصافير، وفرح كبير هناك في السماء. منذ أفردت جناحيك لتطير، والسماء تحتفل بك. لكن، في المقابل، ثمة قلوب هنا باغتها فقدك، تستجدي الصبر، وهو لاهٍ عنها في غرور. الآن حق لك أيها الفقد أن تسخر منا. الآن حق لك أيها الجسور بعد أن أصبتنا في قلوبنا، وأنصت جيداً لعويلنا، الآن حق لك أن تبتهل، وأنت ترى نصلك مغروزا في أوردتنا. "ليس ثمة غيركم من يستحق كل هذا البهاء المعطر بالموت".

كيف ينبغي لنا أن نشعر الآن؟ وكيف سيمر هذا الليل؟ وحده الحزن يعلمنا كيف نداري مكيدة الفقد. وحده الليل يعرف كيف يداري دموعنا. ووحده حبك المرشوش بالصدق، وحرفك الممهور بالشغف ما يجعلنا نتماسك، ونراهن على خلودك.

أيها الأصدقاء..

أفسحوا الوقت أمامي، ونحن ننتظر من غاب ومن تأخر. فكّوا قناديل الحزن، ودعوني أقلّب في ألبوم الصور الذي تركته حين ساومتني البلاد على حبها، لأحتفي بتضاريسها، لألمح صهيل الحياة وهو يرتوي من دمي. إنها الصور أيها الأصدقاء، عناق يستحق السرد.

فريد


163 مشاهدة