فريد رمضان .. نجمنا الشاهق

الروائي فريد رمضان


أن تموت يعني أن تفشي أسرارك،أن تقول للآخرين في ذهابك الطاريء ما كنت تخجل من قوله، أولها أنك سوف تتمدد دون خجل؛ ليكتشفوا ما أخفيته عن أعينهم طوال سنوات الهواء الروحي، ولكن مع انكشاف ما هو مستور، تنكشف معها لعبة حياتك القصيرة التي لم تسمح لك ولغيرك محاولة فهم شيءٍ حيالها. فهم أي شيء مهما كان.

فريد رمضان

رواية البرزخ2000


1

لم يستعد قلبي عافيته بعد من فقد أمي، حتى يُكسر ثانية برحيل الصديق، المبدع فريد رمضان. تُواصل الصدمات يقظتها فينا، ويعود القلب يعوي من هذا الخطف القاسي الذي لا نعرف التعامل معه، أنه فريد وليس أي أحد، فريد الشاهق بفرادته، بإنسانيته، بإبداعه، بسخائه في العطاء، المؤثر في محيطه، إذا حضر أشعل المجلس بفض الكامن فيك، وخَضّ المشهد بعنفوان الفتنة، وتركك صريع الدهشة، كما يتجلى حضوره في المحافل الثقافية كالمغناطيس، يجذب المحبين، يتحلّقون حوله كالمريدين الذين يتلهفون لفسحة سؤال أو إشارة. كم كنا نغبطه، وكم نغبط أنفسنا على قربنا من ذلك الرمز المُشع، من الملاك الآدمي الذي واصل اختلافه في الجمال حتى آخر أنفاسه.


2

آه.. كم يشقنا هذا الوجد، هذا الفقد، حتى ركضنا نبحث عن كل ما يربطنا بهذا الفريد. من حسن الحظ أن لدينا معه أرشيفا عامرا بكل الفنون، بالأسئلة الشائكة، والهموم الإنسانية وكل شيء.. كل شيء. هرعنا للخواطر اليومية الموثقة في الحوارات النصية، التلفونية. ماذا لو فتحنا سؤالا معه؟ ماذا لو نحاول من جديد؟. هذا جُل ما نملكه الآن، ننبش عن أجمل المعاني، ندير الرسائل للأمام، ثم نعود ركضا للخلف، نستحضر المدهش، الفاتن، الفائت قبيل أيام. نعود سراعا للرسالة الأخيرة، نقلب في حروفها ومزاجها، نبحث عن إشارة لوصية، لأفول قريب، عن معنى، عن مغزى، عن أي شيء نقبض عليه، إنها اللحظة الأخيرة، وعيد ميلاده الأخير.. نطلُّ ثانية على كتبه وتواقيعه الجميلة، نستذكرها من جديد كدرس تخلينا عنه. آه.. لدينا من الذكريات ما يكفي، ما يكفي لأسر الفؤاد ثم كسره.


3


يتلعثم الكلام وتتضارب العواطف والمشاعر.

نركض نحن الأصدقاء، ندماء الحنين، المفجوعين بسرقة ابتسامته منا، نقيم عزاءنا الخاص، نتسامر، نحصي فداحة الخسارة، نتدرب على وداعه، نلم شتات أرواحنا، نطلق أحزاننا ودموعنا، نحضن قلوب بعضنا البعض، علنا نرمم كسورنا.

ننسج من حضوره الطاغي الحكايات .. نستعيد ونجتر بلا ملل الأوقات السعيدة معه.. الآراء والمواقف الجريئة والأسئلة العصية، كم أخذ بأيدينا وأدخلنا السينما، والمسرح، وانتقى لنا ماذا نشاهد، وكم جذبنا للروايات اللافتة، لجرس القصيدة، لسحر الموسيقى، كم انتشلنا من المألوف، العادي إلى المدهش المختلف في كل فن، في كل شيء، حيث سخّر نفسه مرجعا للإبداع الحقيقي في كل الأجناس الأدبية لكل من طرق بابه، واستأنس برأيه.

قلب كبير يسع العالم حتى يعتقد أن كل من صافح عينه وقلبه أنه الصديق الأقرب إليه أكثر من غيره، لأن الفريد صادق وحقيقي لا يتخلى عن المحبة والسلام لمن حوله، ولا يشترط تقديم الإبداع في علاقاته الإنسانية، لأي أحد، أي أحد مهما كان.

من طيفه ننسج الحكايات، ونتقاسم تحياته البيضاء بدفء المودة التي يحيينا بها.

الفقد خسارة لا تعرف إلا أن تعزف على أوتار الخاطر والقلب، كما كانت حروفه تعزف على أوتار الموت والتعاويذ، فيتجلى العود بأوتار الأنين والحنين لما يحب الفقيد:

عندما كنت صغيرا وجميلا*

كانت الوردة داري

والينابيع بحاري

صارت الوردة جرحا

والينابيع ظمأ ..

يسكت وتر الفنان حسن حداد

ويشتعل فينا الظمأ ..

4

ما جدوى الروح بعد هجرة الجسد للتراب؟ الروح خرساء، تسمع ولا ترد.. يقال أن هي حاضرة بالسمع، لكننا لا نعيها، لا نعرف كيف نعيها، لا تسمن ولا تغني من جوع. الروح لا يعول عليها إلا في مكانها الصحيح، ولأن المكان أصبح غير آمن للحب، غادرنا الفريد معتذرا، مضطرا، وأخذ معه الابتسامة إلى غير رجعة ...

لتنم قرير العين يا عزيزي فقد تعبت من شقاء هذا الضيف، نم بكبريائك العالي، وليس لنا أن نكون أنانيين أكثر من ذلك، نطالب القدَر أن يبقيك حيا، حاضرا بيننا، على حساب آلامك المضنية. إذا كان الغياب الأبدي لصالحك، فليكن، لك كل الحق أن تنال حصتك من الراحة المفقودة، اللهم لا اعتراض، لكن ماذا في صالحنا نحن؟ من لنا بعدك؟


5

ما فتيء ينجح في إزاحة الألم وركنه بعيدا.. وجعٌ بوجع، وجع الجسد يقارعه بوجع نبيل، بالكتابة.. الكتابة وحي ملهم يهلّ كي يُبلسم الجسد المتعب، كي يناكف توأمه المُشاغِل، يقهره بالتجاهل، بفنه الخاص الذي لا يعرفه الكثيرون غيره، حتى حين يحل الأرق على مخدة الأفكار النشطة، يقتنصه بدفتر الأحلام المخلص في وجوده دائما على طرف السرير. كل ضيف يناكفه، له من أدوات المهادنة والكياسة واللطف ما يناسبه من ابتكار وإبداع.

تدرّب كثيرا على ترويض الضيف الثقيل حتى تحايل بالصداقة معه، بتبديل الدم المخرّب إلى دم أقل رعونة وقسوة، لأن جموح هذا الأخير غادر ولا سيما في الجلطة العابرة، متطفل في كل وقت، وظرف، بيد أن الفريد لا يعرف الاستكانة لهجمات عدوه. البراعة في النزال تكاد تكون مهارة متكافئة، مرة له، ومرة عليه، وتُعاد الكَرة بسبب أو بدون سبب، وليس للضيف الثقيل غير مزاج المكر والكر.. وليس للفريد المجبول بالصبر والتحدي غير شرف النزال والانتصار.

6

إن شئنا الحقيقة فإن الفريد مطالب بمجاراة إيقاع هذا السقم، قبل الإيقاع به. يسعى أن يكون متفوقا على ضيفه المهدد بالهزيمة كلما تعارك معه، فاستمات في محاربته، بأقصى وأقسى السنين، بالعمر العنيد، المديد بحرية الكلمات، ومقارعة اللغة، لأن صاحب "المحيط الإنجليزي" والإنجازات الكثيرة، لا يعرف أن يكون عاطلا عن الجمال والإبداع، وهو السلاح الذي استقوى به على خصمه حتى وصل إلى العمر الطويل نسبيا في حياة المرضى المبتلين بهذا السكلر الأرعن، استقوى عليه بنجوميته المتصدرة وسامة الصورة، وصدى الصوت.


7

يغيب عن الكثيرين أن الفريد كان عظيما في عين نفسه، يكره أن يُرى بعجز المرض، وعيون الشفقة فأشهر جسده في سبيل عزة النفس والكرامة، وكرامته ألاّ تسمع أنينه، ألاّ تراه مكسورا، مكبّلا بأجهزة الأمصال والإنقاذ.. حتى أنه يود لو يضع شارة على باب غرفة المستشفى تقول: "الرجاء عدم الإزعاج"، أريد أن أموت بهدوء.

8

لا نعرف أن نوقف النزيف، نزيف الفقد يتعاظم بالنكران، لأن غريزة الحياة، والصراع من أجلها، تأبى أن تنصاع بسهولة لعكس دورتها.. دخلنا في زمن أجوف، لا يملأه غيرك، لقد غبت كثيرا جدا منذ 6 نوفمبر إلى الآن، وسنموت كثيرا بعد هذا الغياب، ها أنت تعود إلى البرزخ الذي فتنك بألغازه فتنة كبرى .. ذهبت لمقابلة الله، ماذا ستسأله؟ هل ستسأله عن الروح، حيث قيل إنما الروح معنى في الجسد ومخلوق مثله، وجسدك طين هش لم يكلف الله كثيرا، هل ستسأله عن جدوى امتحان المعنى الموهوب إليك؟ وهل المعنى هو دفاعك المستميت عن حق الوردة؟ أم عماذا سوف تسأل؟.

ولكننا نسألك: هل رحلت لتقول لنا أن سيرتك الناقصة اكتملت هناك؟

________________________________________________

الهامش

* شعر محمود درويش .. غناء وألحان خالد الشيخ

125 مشاهدة