«فريد» شجرة الحياة


عبدالوهاب العريض


منذ أيام رحل الصديق، كاتب السيناريست البحريني، فريد رمضان «1961/2020» رحيله كان موجعا على من عرفه، أو يمتلك ذاكرة معه، وقد ضجت خلال الأسبوع الماضي وسائل التواصل الاجتماعي بصوره، حيث كانت علاقة «فريد» ممتدة بعمق ما بين البحرين والسعودية والكويت، ولم يكن من الشخصيات التي يستسلم لمرضه الذي امتد معه طيلة 59 عاما التي عاشها، حتى أصبح خياره -كما يقول دائما- أن يصنع الاختلاف ويحاول أن يتعمق أكثر في بحور الكتابة: قصة، رواية، سيناريو، وحيث إن كتاب البحرين يعيشون حالة حميمية، نجد أن «فريد» كانت له في قلب كل كاتب وفنان ذاكرة، يمتلكها بشكل جمعي أو فردي، لذا نجد أن مخزون الذاكرة أصبح يخرج على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير خلال الأيام الأولى لرحيله المر.

كان يوم الجمعة يوما كئيبا على قلوبنا جميعا، وحزينا، لكنه الوحيد الذي لم يحزن في ذلك المساء، وغادر مبتسما، تاركا أثره في هواتفنا، ومخزون الصور والروح الحميمة التي جمعتنا به، كان يحمل في داخله ذلك الشعور الذي يقول إن هذا اللقاء ربما يكون الأخير، فنجده يستحضر هذا الوجع بابتسامة، متصالحا مع أوجاعه، كما يستعيدها في جميع أعماله الروائية، خالصا إلى فكرة الحياة هي «رحلة ربما تكون طويلة أو قصيرة» لذا كان يعمل ويبتسم ويلتقي، ويسافر، ولكنه يضع ذلك حسب مواعيده في المستشفى، الذي أصبح يتقاسم الوقت بين منزل «الزنج» و«السلمانية» هذا التصالح الذي جعلنا نعتاد عليه جميعا، وننتظره في كل موعد.


الكاتب و السيناريست الراحل فريد رمضان

بقي «فريد» طيلة الثلاثين سنة التي عرفته فيها، ذاك الصوت وتلك الابتسامة التي عرفتها، في منزله الصغير بجزيرة المحرق، أثناء التسعينيات، ولم تتغير مع انتقاله لمسكنه الجديد في «الزنج» نشط في العمل الصحفي، فلا أذكر وظيفة أخرى عمل بها «فريد» غير الكتابة.

حكاية خلف حكاية، وقصة تصنع الأخرى، حتى وصل إلى محيطه الإنجليزي، الذي أدهش القارئ في رحلة الحجر، ما جعلها أشبه بفيلم سينمائي لتاريخ المهمشين في منطقة الخليج، وما بين «التنور» و«المحيط» نجد قراءات لأعمال تشكيلية، وقصصا لأفلام لم تنتج، وأخرى تم إنجازها، فحصلت على الجوائز فور صدورها، فيسافر «فريد» هنا وهناك، ويعود لبيته الثاني مستشفى السلمانية، ويجعلنا في حالة من القلق التي استطاع تبديدها من خلال رسالة سريعة أو هاتف عاجل، يطمئننا فيها بأن الحياة ما زالت تسير بشكل جيد بيننا، ولم يكن «فريد» من النوع الذي يتعذر بسبب الحياة، عن المشاركة في كل ما هو جميل ويستطيع أن يشارك فيه.



كان «فريد» يوقظ الذاكرة، ويذهب في أحاديث الأصدقاء والعلاقات الحميمة التي تصنع اللحظة، يعانق الأمل، الذي يحاول أن يبعثه بمن حوله، مهما كتبنا عنه، لن نستطيع سوى تكرار نقطة واحدة، نبرة صوت الأمل و«أمل» التي بقت تنتظر عودته بعد خروجه الأخير.

لكل منا مع «فريد» ذاكرة، وحكاية بحرانية، نعيد صياغتها من جديد، محاولين تركيبة الأمل المعقدة كقطع فسيفساء لتستخرج معنا روحا فريدة من نوعها، يجمعها الفوتوغرافي في لوحة كبيرة اسمها الحياة.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email