فيلم الحرائق .. المرأة التي تُغني في السجن واحد + واحد = واحد


رغم أن هذا الفيلم من إنتاج 2010، إلّا أنني شاهدته حديثاً على "نتفليكس". ورغم أن حكايته المستوحاة من مسرحية لسيناريست الفيلم وجدي معوض- التي جسدت حالة لقصة حقيقية حصلت مع الكاتب- هي حكاية في بنيتها البرانية الظاهرة تكررت في العديد من الأفلام حول البحث عن المفقودين في الحروب، ومنها الحرب الأهلية اللبنانية ومآسيها الدموية والكراهية والدماء التي سالت والقتل والانتقام بين المسيحيين والمسلمين، إلّا أن ما شدّ انتباهي هو علاقة تلك الأحداث بالرياضيات "الخالصة"!. حيث يبدأ الفيلم بحوار حول الرياضيات، وينتهي-تقريباً- بإحدى "ومضات" هذه الرياضيات المتمثلة بأن في هكذا حروب عبثية من الممكن -في بعض أحداثها- أن تصل إلى نتائج "غير واقعية" و"غير منطقية عقلية". حيث من الممكن أن يكون:واحد + واحد = واحد، وليس اثنان!.

حكاية الفيلم تدور حول اللبنانية المهاجرة إلى كندا والعاملة في أحد مكاتب المحاماة (نوال مروان) وابنيها التوأمين (جان وسيمون)، حيث يقرأ المحامي عليهما وصية الأم بعد موتها والتي تتضمن طلبها بأن يبحثا عن والدهما وأخيهما المفقودين في لبنان منذ فترة الحرب الأهلية، ويثمر سفرهما إلى لبنان في اكتشاف الحقيقة التي شَكّلت حدثاً صادماً لهما.


عبدالله جناحي

الحكاية وعلاقتها بالرياضيات الخالصة:


في المشهد الأول من الفيلم يشرح بروفيسور مادة الرياضيات لطلابه في الجامعة عن الرياضيات، حيث يوضح بأن (الرياضيات التي درستموها حتى الآن سَعت أن تخرجوا بأجوبة واضحة ومحددة لمسائل واضحة ومحددة، لكن الآن ستمرّون بمغامرة جديدة، ستواجهون مسائل لا حل لها تؤدي إلى مسائل أخرى يصعب حلّها بنفس المستوى،سوف تواجهون بهجوم من الأصدقاء على أن هدف تافه، ولن يكون لديكم وسيلة للدفاع عن أنفسكم، لأن تلك المسائل ستكون مُحيّرة ومعقدة). وهذه هي أحداث الفيلم ومغامراته، وهي نتيجة البحث الذي قام به التوأمان وهما ينفذان وصية الأم. لذلك ينهي البروفيسور محاضرته بالترحيب بالطلبة:

-أهلاً بكم في الرياضيات الخالصة، حيث "مملكة العزلة"، ومن المعروف أن الرياضيات الخالصة لها علاقة "بالحدس" والبحث عن حلول فيما وراء الظواهر التي تُدركها حواسنا.

تكشف الابنة (جان مروان) عن مضمون وصية أمها للبروفيسور حيث تعمل مساعدة له في الجامعة، وشكوكها عن صحة ما ورد فيها، فهي متأكدة تماماً بأن والدها قد مات في لبنان، وأنها هاجرت إلى كندا مع أمها وأخيها التوأم، ولم يكن لديهما أخ ثانٍ في لبنان.


يتأملها أستاذها البروفيسور، ويسألها:

- ماذا يخبرك حدسك؟ فحدسك صائب دائماً، فلديك ميزات اختصاصية رياضية حقيقية.

واضح عند هذا المفصل من الفيلم بأن جان مروان قد "حدست" بأن هناك "حقيقة" ما ستكتشفها إذا ما سافرت إلى لبنان لتنفيذ وصية أمها، وهذا عكس أخيها سيمون مروان الذي كان حتى المشاهد الأخيرة من الفيلم -تقريباً- واثقاً بأن أمه مصابة بالجنون، ووصيتها اللامنطقية تعكس جنونها لأنها اشترطت في وصيتها أيضاً بأن تدفن عارية ودون تابوت، ووجهها مقابل التراب كدليل على احتقارها لهذا العالم، وألا يوضع على قبرها أي شاهد أو اسم، إلا بعد تنفيذ وصيتها في البحث عن والدهما وأخيهما.

البحث عن الواحد الأول من معادلة واحد + واحد = واحد:


كان البروفيسور واضحاً مع مساعدته جان مروان، فإذا كانت الوصية تشير إلى وجود أب لا يزال حياً وأخًا ثانيًا، فهي معلومات جديدة في حياة جان مروان.

- ويجب أن تعرفي الحقيقة، وإلّا فلن يهدأ بالك أبداً، ومن دون هدوء البال لا رياضيات خالصة.

تُعلق جان على كلام أستاذها:

  • والدي قد مات في قرية (دارش) في لبنان.

جواب البروفيسور:

  • هذا هو "المُتغير المجهول" في معادلة البحث، لا يجب أن تبدئي بالمُتغير المجهول، كما في الرياضيات الخالصة!.

في مشاهد أخرى من الفيلم يستشف المشاهد بأن المرض المفاجئ الذي أُصيبت به الأم قبل وفاتها السريع، هو كغموض المعادلات الرياضية الخالصة، فقد كانت حتى آخر أيامها حيوية ونشطة، ورافقت ابنتها جان للمسبح لممارسة السباحة، لكن عند لحظة مشاهدتها على حافة المسبح لقَدم شاب به وشم على شكل "ثلاث نقاط"، بدأت الصدمة ثم شلل في النطق، وقبل وفاتها همست في أذن المحامي بوصيتها وماتت.

ما سر هذا الوشم ذي النقاط الثلاث؟

إنه الرقم (واحد) الأول في المعادلة الخالصة!.

في مشاهد (فلاش باك) تشاهد الأم في قريتها تحمل من حبيبها دون زواج، فيقتل الحبيب على أيدي شبان القرية، ورفض أهالي القرية بقاء المرأة -الأم- معهم باعتبارها لوثت سمعة وشرف العائلة، فتختبئ في بيت جدتها حتى تنجب طفلاً تعمل الجدة وشماً على شكل ثلاث نقاط على قدمه وتضعه في دار للأيتام، وتُجبر الأم على الرحيل من القرية للمدينة لتعيش هناك كصحفية في جريدة يصدرها خالها الوطني المدافع عن الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب اللبناني الواحد، والرافض للتحالف بين الحزب القومي واليمين المسيحي الرافض لوجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.



إذن مشاهدة الأم وهي في المسبح وقدم شاب يحمل وشماً بثلاث نقاط، هو ابنها الذي أُجبرت أن تنفصل عنه وهي في لبنان، وأصبح منذ ذلك الوقت مفقوداً. هنا يصبح جزء من "المُتغير المجهول" في المعادلة معلوماً. وكشفت مشاهد من الفيلم معاناة الأم وهي تنتقل من قرية إلى أخرى تحت نيران الحرب والقتل تبحث عن ابنها المفقود بعد أن شاهدت الدمار الكامل لدار الأيتام ونقل الأطفال منها إلى مكان مجهول، حيث يتبين فيما بعد بأن جميع هؤلاء الأطفال اليتامى قد تم تجنيدهم وتأهيلهم ليكونوا مقاتلين في الميلشيات المسيحية. أما الأم المسيحية الوطنية فقد تم اعتقالها بعد أن اغتالت زعيم إحدى الميلشيات المتطرفة وذلك بعد معايشتها ومشاهدتها مجزرة قامت بها تلك العصابة بحق نساء وأطفال وحرقهم أمامها، ويتم تعذيبها في السجن واغتصابها، لكنها تبقى صامدة وتتحدى جلاديها ومغتصبها "أبو طارق" عن طريق استمرارها في الغناء وهي في زنزانتها القذرة والضيقة، لذلك اشتهرت "بالمرأة التي تُغني في السجن".

لكن لماذا الأم وقد شاهدت قدم الشاب ذي الوشم ثلاثي النقاط، لم تكشف هويتها لابنها وتحتضنه، بدل الصدمة والشلل وموتها بعد ذلك؟

هذا هو السر والغموض في "الواحد" الآخر من المعادلة.

في مشاهد الابنة جان مروان وهي في لبنان تبحث عن أبيها وأخيها، كان خيط العثور عليهما يبدأ بتتبع ماضي والدتها، حتى لو وصلت إلى نتيجة موتهما، فالموت لا يعتبر نهاية القصة أبداً، إنه يترك آثاراً دائماً ويكشف حقائق جديدة.

وبعد نضال قاسٍ من البحث والتحري وربط العلاقات والخيوط، اكتشفت الابنة جان وأخوها سيمون أحد مفاتيح "معادلة" معرفة الحقيقة، وهو "شرب الشاي"!.

شرب الشاي في المجتمع القروي الشرقي:


يقول المحامي اللبناني الصديق والمرافق لجان وسيمون في لبنان:"حتى نصل إلى الحقيقة هنا، علينا أن نجرب شيئاً، فأثناء البحث والسؤال في هذه القرى إذا ما تمت دعوتكما لشرب الشاي عليكما قبولها دون تردد". إن المجتمع القروي المغلق لا يرحب بالغرباء، ولن يكشف لهم الأسرار ولا الفضائح التي حدثت، إلّا إذا قرر أحد أعيان القرية استضافتهم في منزله على فنجان من الشاي والقهوة، وهذا ما حصل لجان وسيمون في زيارتهم للقرية التي كانت تحتضن سجن النساء الذي عاشت فيه أمهما. هذا "الطريق المتطرف -إلى حد ما- وأثناء شرب الشاي في منزل أحد أعيان القرية وسؤاله عن سبب وجودهما في القرية، بدأت خيوط اكتشاف "الواحد" المجهول الثاني من معادلة: واحد + واحد.

فعندما كشفت جان مروان عن هويتها بأنها ابنة "المرأة التي تغني في السجن" وأنها وأخاها يبحثان عن أخيهما المفقود، كانت لحظة شرب الشاي بمثابة كلمة السر لمعرفة "المتغير المجهول" في المعادلة التي فتحت الباب المواري، فقد عرفا بأن زعيم الحزب الذي فجّر دار الأيتام وأخذ الأطفال منها -ومنهم أخوهما المفقود- ما يزال حياً، وهو القادر على كشف مصير الأخ الذي يبحثان عنه. ورغم تعقيد المسألة لأنها حدثت من مدة طويلة جداً، وفي ظل معارك الانتقام وجرائم لا ترحم بين الأطراف المتحاربة آنذاك، وسلسلة من الأحداث كأنها فرضيات لمعادلة رياضية لم تولد بعد!. لكن مثلما للعالِم الرياضيات الخالصة "حدس" وذاكرة ومخزون في لاوعيه، فهذا الزعيم لديه ذاكرة لا تنسى، فكيف بالإمكان لهذا الحدس أن يكشف سر "المجهول"؟ كيف يمكن العثور أو الوصول إلى هذا الزعيم المحمي خوفاً عليه؟

يأتي الجواب من ذلك المحامي اللبناني الصديق، العارف بطرق التفكير و"الحدس" الموجود لدى الناس في هذه القرى. ففي لحظة شرب الشاي وكشفها جان مروان لهويتها وسبب وجودها "فلا داعي بعد ذلك أن تعثر على الزعيم، هو الذي سيعثر عليكِ" -هذه هي ذات لحظة الحدس الرياضي الذي لا داعي من العالِم العثور على الجواب، فالحدس سيعثر عليه ويضعه في طريقك-.

وهذا ما تحقق،حيث وصلت "الخبرية" للزعيم وقام بكشف مصير الأخ المفقود الذي يبحثون عنه، وهو "أبو طارق" الجلاد الذي كان يُعذب الأم في السجن ومغتصبها والذي اختفى وهاجر وغيّر هويته.

اكتملت المعادلة:


الأخ ذو الوشم الثلاثي النقاط الذي شاهدته الأم في المسبح الكندي، هو نفسه جلاد ومغتصب الأم. وهكذا اكتملت المعادلة؛ واحد + واحد. فالواحد الأول قد تم التعرف عليه بالوشم، والواحد الآخر والد التوأمين قد تم الآن اكتشافه.

في حوار بين التوأمين -جان وسيمون- في المشاهد الأخيرة من الفيلم:

يسأل سيمون أخته؛هل 1+1= 2 ؟

الأخت : نعم.

الأخ : 1+1 لا يمكن أن يساوي 2.

- لماذا؟

- لأن ما اكتشفناه هو أن واحد + واحد = واحد.

مشاهدة ممتعة لهذا الفيلم الحائز على أكثر من ثلاثين جائزة في المهرجانات السينمائية. الفيلم إنتاج كندي وباللغة الفرنسية ومترجم إلى العربية. من إخراج دتنيس فيلنوف، وسيناريو نفس المخرج مع المسرحي وجدي معوض.