فيلم" القط": توثيق خارج النمط وروبن هود دموي


إبان عرضه عام 2014، وجه بعض النقاد والكتاب السينمائيين (المصريين تحديداً) انتقادات شديدة، كان بعضها لاذعاً، لفيلم "القط"، وهو خامس أفلام المخرج المصري "المستقل" ابراهيم البطوط، إن أخذنا في الحسبان فيلمه القصير الأول "إيثاكي" (2005)، والرابع على قائمة البطوط إن تحدثنا عنه كمخرج أفلام وثائقية، وذلك بعد "عين شمس" (2009)، "حاوي" (2010)، "الشتا اللي فات" (2013).


الناقدة السينمائية منصورة الجمري

مجمل الانتقادات التي وُجهت لفيلم "القط" ركزت على شخصيات العمل، التي وجدها البعض متناقضة غير منطقية، فيما ركزت انتقادات أخرى على ما توحي به شخصية "الكبير" التي قدمها الممثل الراحل فاروق الفيشاوي، مشككين في كونها تجسيد للذات الإلهية، عدا عن اشارة البعض لحركة الكاميرا واعتبارها حركة مشوشة ومزعجة للمشاهد، على الأخص مع تكرارها في عدد كبير من مشاهد الفيلم، هذا بالإضافة إلى الإتهام الذي وجهه بعضٌ ممن شاهدوا العرض الأول للفيلم، والموجه للبطوط، حيث أُتهم بـتشويهه لصورة لبلاده، وبلا واقعية القضايا التي يطرحها الفيلم، وكذلك بعدم صحة تمثيله لحواري مصر بالأماكن البائسة التي صور فيها فيلمه. بالطبع هناك انتقادات أخرى، لكنني أكتفي بهذا القدر من الانتقادات التي يمكن لها تدمير سمعة أي عمل فني، وهي في الوقت ذاته انتقادات تفوح منها رائحة التجني على مخرج غير اعتيادي يقدم مادة سينمائية مختلفة عن النمط السائد.



أما بخصوص الشخصيات المتناقضة، فهي إلى حد كبير منسجمة مع الإطار العام للفيلم ومع النوع الفني الذي يقدمه إبراهيم البطوط. إذ عُرف ابراهيم، منذ فيلم "عين شمس" على الأقل، بتقديمه لأعمال روائية ذات طابع وثائقي عاكس بشكل "قد يزعج البعض" لواقع مصر أو واقع العالم الذي تصوره تلك الأفلام. هذه الواقعية ستفرض إذن شخصيات واقعية، لا شخصيات سينمائية خيالية وحسب، وهو ما أنتج في هذا الفيلم شخصية القط الذي يقوم بدوره الممثل عمرو واكد، "البطل المذنب" الذي يصعب على المشاهد تحديد موقف أخلاقي منه. لكن هذا البطل المذنب واقعي في ظل ما يفرضه الواقع البائس المظلم للمجتمع الذي يصوره الفيلم وهو واقع تعمه الفوضى ويغيب فيه الحساب وسلطة القانون، ويأتي "الكبار" فيه على رأس قائمة الأشرار القتلة أو من يقف وراء عتاة المجرمين ويدعمهم. القط ليس شخصاً سيئاً، بحسب الفيلم، وليس "بلطجياً"، وإن بدا كذلك، لكنه "روبن هود"، يقتفي أثر المجرمين وينزل بهم العقاب حين لا يوجد من يردعهم عن ارتكاب تلك الفظاعات. لكن نسخة روبن هود التي يقدمها البطوط هذه، دموية ترتكب الجرائم بدم بادر، تصنع القنابل وتفجرها، وهي غير منسلخة عن ذاتها مضحية بكل شيء من أجل الآخرين، كما هو روبن هود، فالقط ينتقم لنفسه ويأخذ بثاره أولا ثم يفعل ذلك للآخرين. صحيح أنه يروع الآخرين بدموية جرائمه، وربما اضطر لأن يغدر ويباغت ويفاجئ البعض، لكن كل ضحاياه أو أهدافه، إن صح القول، هم من مرتكبي الجرائم والقتلة، وذلك هو تبرير الفيلم، غير المنطوق، لجرائم "القط". البطل المذنب وهو القط هنا، وهو واقعي بحسب منطق الفيلم، وواقعي بحسب الظروف التي يعيشها، وكذلك بحسب الواقع الحقيقي المعاش في مجتمع يُختطف فيه الأطفال لتنتزع أعضاؤهم وتباع.

في فيلم "القط" الذي جاء عرضه الأول خلال فعاليات مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي عام 2014، يسلط إبراهيم البطوط الضوء على قضايا يعاني منها المجتمع المصري، أو مجتمع الفيلم، من بينها اختطاف الأطفال، على الأخص أطفال الشوارع، سرقة الأعضاء البشرية، زواج القاصرات، شره البعض وطمعهم حتى لو عنى ذلك ارتكابهم لأبشع الجرائم لاشباع ذلك الجوع والنهم الدائم للمال.

صُور الفيلم في أحد الأحياء المصرية الشعبية "الحقيقية"، لا داخل استوديو ولا بداخل مدينة الانتاج، الاعلامي، بكاميرا ابراهيم البطوط الصحافية، الموثقة للواقع على الدوام، وحتى وإن أدت دورا سينمائياً هنا، إلا أن روح الصحافي المتتبع للحقائق تظل دائما واضحة في كل أفلام ابراهيم البطوط تقريباً.



منذ بداية الفيلم ستتابع هذه الكاميرا القط وهو ينتقل بنا عبر المكان، حيث أزقة وحواري ضيقة مظلمة حالكة تفوح منها روائح فقر مدقع، ومواطنون بائسون يعيش عدد منهم حالة انتظار غير مصرح به. تتواطئ تلك التفاصيل مع حركة الكاميرا المتتبعة Tracking Camera لتشرح للمشاهد ماهية تلك الأماكن التي ترتكب فيها مختلف أنواع الجرائم بكل سهولة ويسر، والتي يمكن وصفها بمسرح لارتكاب أبشع الجرائم، ليس بالضرورة على يد قاطني تلك الأحياء لكن حتى من قبل ساكني الشقق الأنيقة والقصور القديمة والأحياء الراقية، ممن يجدون فيها ملجئً وحيزا مناسبا لارتكاب البشاعات دون أن تصلهم يد الرقيب أو المعاقب.

أما فيما يتعلق بشخصية "الكبير"، العليم بكل شيء والموجه ربما لأفعال الشخصيات الذي يحرضها على ارتكاب مختلف أنواع الجرائم إن صنفنا البطل كبلطجي، أو الأفعال الجزائية والعقوبات إن نظرنا له كبطل آثم. هذا "الكبير" الذي شكك البعض في كونه اشارة وتلميح للذات الالهية، ربما، كان تحايلا من البطوط، لتضمين اشارة سياسية في فيلمه، لكن عبر الايهام وعبر شخصية خيالية، فيها من الذات الالهية صفات كالحضور الدائم والعلم بما ظهر من الأمور ما بطن من النوايا. البطوط، على أية حال، واجه منعاً لفيلمه الأول "عين شمس" وليس غريبا أن يمتنع عن التصريح ببعض الاشارات في هذا الفيلم، ما قد يتسبب في جعل مصير هذا الفيلم مشابها لسابقه، وربما كان مصيرا أسوأ. ربما جاء ادخال شخصية "الكبير" لاضفاء طابع خيالي، اسطوري، ينقذ الفيلم أيضا من سطوة الرقابة في بلاده.

في النهاية، فيلم "القط" هو عمل فني قابل لقراءات عديدة، وكذلك هي شخصياته التي يمكن تشبيهها أو تفسير الاسقاط الذي تقدمه، بشكل مختلف من قبل كل مشاهد، كلٌ بحسب ما يريد. المقلق فقط في هذا الأمر هو حمل الفزاعة الدائمة، التي يمارسها البعض في العالم العربي، وهي فزاعة الالحاد والشرك بالله أو التجني على الدين أو على الذات الالهية. هذه الفزاعة التي يجد فيها كثيرون وسيلة ناجحة وناجعة لمواجهة أي عمل فني وانتقاده، رغم حقيقة كون العمل الفني عامة، وأعمال البطوط بأشكال خاصة، أعمال خاضعة لعدد لا يحصى من القراءات والتفسيرات ومتضمنة لكثير من الدلالات والاسقاطات.

في "القط" يصالح البطوط يصالح بين الخير والشر عبر شخصية "القط"، ويتحايل ربما على الرقابة عبر شخصية الكبير التي تراقب ارتكاب افظع الجرائم دون أن تتدخل لكنها تسهل لمعاقبي القتلة عملهم، وتباركه لهم. وهو في الوقت ذاته، يمارس عمله الصحافي المعتاد، موثقاً للواقع الذي يفضل البعض مشاهدته من وراء نظارات سوداء متهالكة. فيلم "القط"... خروج عن النمط وواقعية لاذعة مزعجة.

114 مشاهدة