قارئ أحلام








غاستون باشلار

أن تقرأ شعراً، ليس من ترف الحياة، أن تقرأ شعراً، إنما أنت في مهب عبث الآلهة، أو أنه التدريب الأول على أحلام بلا نوم. مرة قال غاستون باشلار، «أن تقرأ الشعر يعني أن تمارس أحلام اليقظة». والذين يأتون إلى الشعر مستنفرين قواهم العقلية كافة، إنما هم يستعدون لإفساد متعة الخيال والحلم. فالرياضيات البحتة ليست من صفات الشعر، وجلافة الذهن لا تستقيم مع جمال الأحلام.

هؤلاء، إذا أحسنّا الظن بهم، سوف يفسدون على أنفسهم فرصة الجمال المتاحة في حضور الشعر، لأنهم سوف يغفلون عن أهم الجمالات التي يقترحها النص الشعري. وهي متعة الخيال والحلم.

فإذا كان الشاعر، فيما يكتب، يصدر عن أحلامه، فإن هذا يتطلب من القارئ أن يفتح هو الآخر النوافذ والأبواب على طاقاته الحلمية (المعطلة غالباً).

التعامل مع الشعر يستدعي من الشخص أن يهيئ نفسه لتجربة أن يكون قارئ أحلام بامتياز، فلن يسعف الشخص وهو في حضرة الشعر سوى المخيلة. وأحلام الشاعر لا تتيسر لها الحياة (في كل قراءة) إلا إذا توفر لها قارئ يقدر على التخلي عن عنجهية العقل وغطرسته. ففي الشعر يصبح الأمر منوطاً بالصورة وليس بالمعنى، بالمشاعر والعاطفة وليس بالأفكار، بالخيال وليس بالمنطق.


2

الشعر نقيض العمل، هدفه المباشر اللذة وليست الحقيقة، كما يقول كولدرج. ومن يريد العلم يمكنه أن يجده في مطارح كثيرة ليس من بينها الشعر. أنت لا تستطيع أن تقرأ الأحلام الشعرية بالمنهج الذي يقترحه فرويد مثلاً. وإلا كان باشلار قد اختصر بحثه الفاتن في النص الأدبي بكلمات قليلة، وذهب إلى البيت، بل إننا سوف نخسر الشعر وكلام باشلار الممتع عن الشعر.

لكن، ترى متى يقبل القارئ العربي فكرة أن الشعر هو ضربٌ من متعة الروح والعاطفة أكثر منه خدمة للعقل والمعرفة العلمية؟ ولعل ما تواجهه التجربة الشعرية العربية الجديدة في الثقافة العربية، سيبدو يوماً بعد يوم، أكثر تعقيداً وصعوبة مما صادفه الشعر السابق. وأعني بالشعر السابق، كل ما كُتب تحت وطأة وهم الإبلاغ والإخبار والإعلام، هذا الإعلام الذي لا يزال يرى في الشعر وسيلة من وسائل الاتصال الجامدة، الخالية من المشاعر الإنسانية.


3

قيل لعربي: لماذا لا تكتب الشعر؟

فقال: إنني لم أعد أغضب ولا أطلق عواطفي للريح. فقد تحكم بي العقل حتى أفسد السليقة.

وظني أن في هذا انحيازٌ واضح لحقيقة أن الشعر ضرب من العواطف، وليس طريقة للعمل العقلي، لذلك أعجب من الذين ما زالوا يعتقدون بضرورة بروز المعنى المنطقي في النص الشعري. والذين لا يجدون في الشعر الجديد شرطاً يستجيب لمتطلباتهم، فيحكمون على هذا الشعر بالنفي والإلغاء. كما لو أن على الشعر أن يقوم بأداء الوظائف التي ينبغي أن يؤديها نوع مختلف من الكتابة. ما الذي يفرق بين الأدب وغيره من فنون الكتابة؟


4

دخل الجاحظ مرة على شخص يشتغل في معمله على عدد من القوارير والأنابيق، مستخلصاً السوائل من بعضها، ومختبراً العقاقير والأمزجة، فسأله: ماذا تفعل؟ فقال الشخص: إنني أعمل على اكتشاف السر في الخيمياء التي كتب بها الشاعر قصيدته. فانتبه الجاحظ إلى أن الشخص إنما كان يعبث به، فسأله غاضباً: لكنك تبحث عن شيء في المكان الخطأ، الشعر لا يبحث عنه في مختبرات الخيمياء، هل أصابك المسّ؟ فاعتدل الشخص في هيئة من يستعد للمبارزة: لا، إنما المسّ قد أصاب هذا الشاعر، وإلا كيف يمكنني أن أفهم ما يقول إذا كان على الشاكلة التي يصوغ بها الكلام؟ فأدرك الجاحظ أن الشخص يقع في المحذور ذاته الذي يتوهمه بعض نقدة الشعر آنذاك. فقال له: ها أنت تقولها بنفسك، إنه ضربٌ من الكلام، كيف تريد أن تفهم كلاماً بوسائل العلم؟ فقال الشخص: لقد لجأت إلى كل القواميس والمعاجم، فلم تسعفني على إدراك ما يذهب إليه الشاعر، فبأي وسيلة إذن ترى أستطيع فهم هذا الشعر. فنهره الجاحظ: وماذا تريد أن تفهم في الشعر؟

قال الشخص: أريد أن أفهم المعنى. فرد عليه الجاحظ: أي معنى أيها المخبول، هل للشعر معنى، إنه شعر فحسب. إن وجوده هو المعنى الذي تراه أنت فيه. ليس لدى الشاعر معنى يتجاوز معناك. عليك أن تبحث في نفسك عن المعنى. أنت هو المختبر العظيم الذي ينطوي على المعاني. فليس لدى الشعراء غير النفس البشرية. ترى هل يمكنك أن تدرك النفس البشرية في قواريرك؟ عليك أن تذهب إلى الشعر بأحلامك، وليس بأخلاطك العقلانية وأمزجتك الذهنية الفجّة.


5

أين هو القارئ الآن.

القارئ الذي يأتي إلى الشعر بأحلامه؟

هذه هي المسألة التي تفسّر لنا العديد من الملابسات، التي يتورط فيها الكثيرون من الذين يعتقدون بالأدوات الخاطئة، فيما يقرأون الشعر، بل إن بعض الشعراء يجدون أنفسهم أيضاً ضحية الامتثال اللاشعوري لهذا المنطق. فيصوغون تجاربهم تحت هذه الوطأة، فيخسرون سليقتهم ويخسرون شعرهم معاً. وأخشى أن عدداً كبيراً من نقدة الشعر في أيامنا ما زالوا يمعنون في قتل الشعر والشعراء، فيما يبحثون في التجربة الشعرية الجديدة بالأدوات والوسائل القديمة.

17 مشاهدة